خلال زيارة الملك.. ماذا وراء الاتفاق الاستثنائي المرتقب بين المغرب وفرنسا؟

"المغرب وفرنسا يسعيان إلى نقل تعاونهما إلى مستوى غير مسبوق"
في ظل المتغيرات الدولية الحساسة، تستعد المغرب وفرنسا للارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى “غير مسبوق”، بعد الإعلان عن قرب توقيع "معاهدة إستراتيجية تاريخية" بين البلدين خلال زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس في خريف 2026.
وفي 16 يوليوز/تموز 2026، أكد الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي تمثل محطة بارزة ومفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس.
وأوضح لوكورنو، خلال افتتاح أعمال الاجتماع رفيع المستوى الذي احتضنته العاصمة الرباط وترأسه بشكل مشترك مع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، أن البلدين يسعيان إلى نقل تعاونهما إلى مستوى غير مسبوق، تمهيدا لإبرام معاهدة صداقة وصفها بأنها "استثنائية".
وكان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قد أعلن، إلى جانب نظيره الفرنسي جان نويل بارو من الرباط، أن الملك محمد السادس سيقوم بزيارة دولة "مبرمجة" إلى باريس، دون الكشف عن موعد محدد لها.
وفي 20 ماي/أيار 2026، قال بوريطة خلال مؤتمر صحفي مشترك مع بارو: إن “هناك زيارة الدولة لجلالة الملك محمد السادس المبرمجة والتي سوف تتميز بحدث خاص غير مسبوق هو المعاهدة المغربية الفرنسية”. مشيرا إلى أن هذه الاتفاقية ستكون الأولى من نوعها التي يبرمها المغرب مع دولة أوروبية.
من جهته، أكد بارو أن بلاده تستعد لاستقبال الملك محمد السادس في زيارة دولة، مقدرا أنها ستكون "علامة فارقة تاريخية في العلاقات الفرنسية المغربية".
وأشار الوزير الفرنسي إلى أن المعاهدة الثنائية المرتقبة ستكون "الأولى من نوعها لفرنسا مع بلد غير أوروبي"، موضحا أن هدفها يتمثل في "وضع إطار للعلاقة الفرنسية المغربية خلال العقود المقبلة".

اتفاقية فريدة
ويتوقع مراقبون أن تسهم هذه الزيارة في تثبيت التقارب السياسي بين الرباط وباريس وتحويله إلى تعاون مؤسساتي طويل الأمد، خصوصا فيما يتعلق في جوانبه السياسية والاقتصادية والقضايا الإقليمية المرتبطة بالأمن والهجرة وتعزيز الحضور في إفريقيا.
حسني عبيدي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف، قال: إن قيادتي البلدين عينتا منذ أزيد من سنة لجنة من الحكماء فيها شخصيات مغربية وفرنسية بارزة لصياغة جملة من المقترحات لملك المغرب محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بغية إعطاء دفعة جديدة للعلاقات بين الرباط وباريس.
وأضاف عبيدي، في مداخلة خلال برنامج "المسائية" على القناة الألمانية (دويتشه فيله)، أنه منذ فترة تتحدث العديد من وسائل الإعلام التي تتابع الشأن المغربي-الفرنسي، عن التحضير لزيارة دولة مهمة وستأخذ في الحسبان كل هذه نصائح واقتراحات "لجنة الحكماء" من أجل ترسيخ علاقات استثنائية بين البلدين.
وأوضح عبيدي، أن فرنسا أصبحت مقتنعة بأن مقاربتها في إفريقيا فشلت فشلا ذريعا، ولا بد لها أن تبحث عن مقاربة جديدة لذا وجهت بوصلتها نحو المغرب للاستفادة منه، خاصة أن المملكة استطاعت أن تسبح في دول إفريقيا الغربية بوصفها أكبر مستثمر اقتصادي وهي تريد أن تستفيد من نفوذ الرباط في إفريقيا.
وبعد أن رأى عبيدي، أن هذه الاتفاقية تعد "فريدة من نوعها"، سجل أن جزءا كبيرا من دول إفريقيا الغربية لديها علاقات غير جيدة مع فرنسا، متسائلا: هل ستقبل هذه الدول الإفريقية بأن تعود فرنسا عبر البوابة المغربية؟

خفايا المعاهدة
ورغم التكتم الشديد حول مضامين هذه الاتفاقية، كشفت مصادر إعلامية محلية، أهم خطوطها العريضة، مبينة أن الشق الاقتصادي يؤكد التزام باريس بضخ استثمارات ضخمة في المجال الصناعي المغربي ونقل التكنولوجيا الحيوية، لا سيما في قطاعات صناعة السيارات، والقطارات، ومجال التصنيع العسكري، والنقل البحري، لدعم الصادرات المغربية ذات القدرة التنافسية.
في المقابل، تمنح الرباط امتيازات "الأولوية" للشركات الفرنسية لولوج السوق المغربية الواعدة، خصوصا في قطاعات البنية التحتية، تطوير النقل البحري والسككي، ومشاريع الطاقة المتجددة، وامتيازات ضريبية لمشاريع تخص الصناعة الدفاعية.
الاتفاقية، تشمل أيضا قفزة نوعية في مجالات الدفاع، حيث تتضمن دعما فرنسيا قويا للمغرب في مجال "التصنيع العسكري" عبر نقل تدريجي للتكنولوجيا الحربية، بهدف تحويل الرباط إلى مركز إقليمي لصناعة الأسلحة الخفيفة والثقيلة، خصوصا في قطاعات الطيران الحربي، الذخيرة، الشاحنات العسكرية، والمدرعات.
أما في الشق السياسي، فتضمن المعاهدة للمغرب التزاما فرنسيا صارما بالدعم المطلق في مجلس الأمن الدولي في قضاياه السيادية الكبرى (وعلى رأسها ملف الصحراء)، إلى جانب توفير مظلة دعم دبلوماسية قوية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لحماية مصالح الرباط في قطاعات الفلاحة، الصيد البحري، واللجان المشتركة الموازية.
وفي المقابل، تقترح فرنسا، بشدة، دعم المغرب لها في دول غرب إفريقيا من خلال صيغة "الشراكة الإستراتيجية" مع الشركات والمؤسسات المغربية للاستثمار في هذه الدول التي تعاني باريس معها خلال العقد الأخير نظرا لثقل إرثها الاستعماري الطويل.
وترغب فرنسا، في تعزيز حضورها في هذه الأسواق من خلال الشراكات مع المؤسسات المغربية، الحاضرة بقوة في دول غرب إفريقيا، بتقدير المغرب المستثمر الأول والأكثر تأثيرا في تلك المنطقة المعقدة جيوسياسيا.

منعطف تاريخي
ويرى مراقبون، أن الحديث عن معاهدة جديدة بين الرباط وباريس، يعكس توجها نحو الارتقاء بالعلاقات من مستوى الشراكة التقليدية إلى إطار إستراتيجي أكثر شمولا واستقرارا، يحدد أولويات التعاون المستقبلية وآليات التنسيق في الملفات الكبرى.
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط محمد تاج الدين الحسيني، لاحظ بداية تبلورِ ملامح معاهدة إستراتيجية استثنائية للتحالف والتعاون بين البلدين، بشكل لم يسبق له مثيل مع أي دولة أخرى خارج الإطار الأوروبي.
وأوضح الحسيني، في مقطع فيديو تحت عنوان "أبعاد إستراتيجية"، أنه سيتم إبرام هذه المعاهدة بمناسبة زيارة الدولة التي سيقوم بها العاهل المغربي إلى فرنسا في الخريف المقبل، مبينا أن المغرب يقدم وصفة تقوم على التعاون في إطار المبادرة الأطلسية التي تدمج بلدان الساحل.
والمبادرة الأطلسية هي رؤية إستراتيجية أطلقها الملك محمد السادس لتمكين دول الساحل الإفريقي غير المطلة على البحار (مثل مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) من الولوج المباشر إلى المحيط الأطلسي. وتهدف إلى فك العزلة الجغرافية، وتحقيق الاندماج الإقليمي عبر شراكات اقتصادية عملية.
ويرى الحسيني، أنه رغم التكتم المحيط بإعداد هذه المعاهدة الإستراتيجية وبنودها إلا أنه يظهر أن فريق حكماء مزدوجا من الدولتين هو فعلا بصدد إعدادها، مبرزا أن هذا المنعطف التاريخي في علاقات الدولتين سيكون مرتكزا على عدة معايير.
وتابع أن هذه المعايير تتمثل فيما يلي، أولا: شراكة مغربية/فرنسية قائمة على الندية وعلى تحقيق المصلحة المشتركة في إطار مبدأ رابح/رابح، وتحفيز الاستثمار الفرنسي والأوروبي في المغرب خاصة في الأقاليم الجنوبية في منطقة الصحراء نظرا لقربها الواضح من الفضاء الإفريقي.
ثانيا: دعم وتطوير منظمات الإنتاج الصناعي القائمة على الابتكار والتكوين سواء في ميدان صناعة السيارات والطائرات والسفن واللوجيستيك والموانئ، إضافة إلى دعم مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، ناهيك عن خط الغاز الذي يفترض ربطه بنيجريا.
ومشروع خط أنابيب الغاز المغرب-نيجيريا، المعروف أيضا باسم خط الغاز الإفريقي الأطلسي، هو بنية تحتية قارية ضخمة يمتد لمسافة 6900 كيلومتر. ويهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر 13 دولة في غرب إفريقيا وصولا إلى المغرب، ومنه إلى أوروبا.
أما ثالثا: فدعم وتشجيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي خاصة بين شركة "بول" التي أممتها الحكومة الفرنسية أخيرا، وكذا المشروعين المهمين اللذين أحدثهما المغرب في كل من النواصر بالعاصمة الاقتصادية للمملكة الدار البيضاء وكذا بجهة الداخلة بالأقاليم الجنوبية.
ونفذ المغرب مشاريع إستراتيجية كبرى بكل من النواصر بالدار البيضاء وجهة الداخلة، شملت إحداث مصنع "سافران" لأنظمة هبوط الطائرات والمنطقة الصناعية الضخمة بالنواصر، إلى جانب بناء ميناء الداخلة الأطلسي ومشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الريحية.
ورأى الحسيني، أن المغرب سيبقى في ظل هذا التطور محتفظا بكامل صلاحياته الواسعة في تنويع علاقات التعاون والاستثمار مع باقي الفاعلين الآخرين خاصة القوى الكبرى إقليميا ودوليا وأخص بالأساس كل من الصين والولايات المتحدة.
وأشار الحسيني، إلى أنه رغم أن ولاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ستعرف نهايتها مع بداية سنة 2027 إلا أن مثل هذه المعاهدة التاريخية ستُعزز بكل يقين العلاقات بين البلدين لعدة عقود وستنعكس آثارها على عدة أجيال.
من جهته، قال أستاذ علم السياسة والسياسات العامة بجامعة القاضي عياض بمراكش، محمد بنطلحة الدكالي، إن الزيارة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا تمثل حدثا تاريخيا واستثنائيا لأنها تتضمن أبعادا إستراتيجية وسياسية واقتصادية بالغة الأهمية، كما ستدشن فصلا جديدا في مسار العلاقات بين الرباط وباريس.
وأضاف بنطلحة الدكالي، لـ"الاستقلال"، أن هذه الزيارة ستشهد توقيع معاهدة ثنائية تعد الأولى من نوعها التي تعقدها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن هذه المعاهدة سترسم خارطة طريق واضحة ومستدامة من أجل تأطير العلاقات الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية لعقود قادمة، ولتعميق التعاون في قطاعات إستراتيجية، إدراكا من باريس للدور المحوري الذي تقوم به الرباط على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأبرز بنطلحة الدكالي، أن المغرب هو الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في إفريقيا، وبوابة لوجيستية ومالية تربط باريس بأجزاء من القارة الإفريقية، وبالتالي فإن التعاون بين البلدين في إفريقيا يبدو فعالا وإستراتيجيا بالنسبة للبلدين، لافتا إلى أن المغرب أصبح أول مستثمر في إفريقيا الغربية وثاني مستثمر على مستوى القارة الإفريقية بعد جنوب إفريقيا.
وبعد أن أشار بنطلحة الدكالي، إلى أن دول العالم تشهد تبادلا للزيارات بين القادة وكبار المسؤولين لتعزيز العلاقات الثنائية، سجل أن من أهم هذه الزيارات تلك التي تكون على مستوى رئاسة البلدين، مبرزا أن "زيارة الدولة" تبقى هي الأعلى مستوى بين أنواع الزيارات التي تتم بين قادة الدول بحيث أن لها مراسمها الخاصة وبرامجها المميزة.
وأردف أن "زيارة الدولة" لا تكون إلا بدعوة رسمية من رئيس الدولة المضيفة لنظيره رئيس الدولة الزائرة، وكقاعدة عامة في العرف الدبلوماسي لا تقام زيارة الدولة إلا مرة واحدة، كما تنطوي على معنى سياسي كبير حيث تسودها أجواء احتفالية وشرفية كبيرة على صعيد الاستقبال والتوديع يراعى فيها التقيد التام بجميع إجراءات البروتوكول بعد التوافق عليها بين الطرفين قبل بدء الزيارة.
وخلص بنطلحة الدكالي، إلى أن هناك ترقبا كبيرا لزيارة الدولة التي سيقوم بها المك محمد السادس إلى فرنسا، كما أن وسائل الإعلام الدولية تترقب مستوى بروتوكول من المستوى العالي أثناء الترحيب بالعاهل المغربي.
















