الزاوية تحترق واغتيال رئيس استخبارات حفتر.. هل بدأت معركة إعادة رسم ليبيا؟

"الهجمات قد تكون جزءا من صراع أوسع"
في غضون أيام قليلة، تحول مجمع الزاوية النفطي غربي ليبيا إلى كتلة من النيران، بينما سقط في مدينة بنغازي أحد أبرز قادة الاستخبارات العسكرية شرقي البلاد ضحية انفجار استهدف سيارته.
ولم يُعثر بعد على أي رابط مؤكد بين الحادثين، ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن أي منهما، غير أن توقيت وقوعهما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ليبيا مقبلة على موجة عنف أو صراع نفوذ أوسع.

اغتيال المنصوري
وقُتل اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لمليشيا خليفة حفتر شرقي ليبيا، مساء 10 أغسطس/آب 2026 في بنغازي، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في حي الهواري.
وأفاد مسؤولون أمنيون والقيادة العامة الشرقية بأن الانفجار وقع في حي الهواري واستهدف سيارة المنصوري مباشرة.
وشُيّع المنصوري في اليوم التالي بجنازة حضرها قادة عسكريون بارزون، بينهم صدام حفتر أحد أبناء خليفة حفتر، فيما فتحت لجنة أمنية تحقيقا دون الكشف عن مشتبه به أو دافع محتمل.
وقد شكّل الاغتيال ضربة لأحد أبرز قيادات المؤسسة الأمنية الشرقية التي دأبت على تصوير بنغازي ومعظم شرق ليبيا على أنها تجاوزت اضطرابات السنوات الماضية، وفق تقرير لموقع "ذا ميديا لاين" الأميركي.
وعلى بعد مئات الكيلومترات غربا، كانت هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف واحدة من أهم منشآت الطاقة في البلاد.
بدأت الغارات تستهدف منشآت مدينة الزاوية في 9 أغسطس، وفي الليلة التالية أصابت طائرة مسيّرة خزان وقود في مجمع الزاوية النفطي غربي طرابلس، ما تسبّب في حريق كبير وانهيار الخزان.
وبحسب المؤسسة الوطنية للنفط، كان الخزان يحوي نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين لحظة استهدافه، فيما سقطت طائرة مسيّرة أخرى قرب خزان آخر دون خسائر أو أضرار مسجلة، واستمرت الهجمات حتى 11 أغسطس.
وأوضحت المؤسسة أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحرائق وأن المصفاة نفسها لم تتضرر رغم توقف الإنتاج مؤقتا، محذرة من أن تكرار الهجمات قد يجبرها على تعليق عملياتها.
ويضم المجمع أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، بطاقة معالجة تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، وهي مرتبطة بحقل الشرارة النفطي وتؤدي دورا محوريا في إنتاج الطاقة وشبكة توزيع الوقود بالبلاد.
ووصف رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، الذي يقود حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا، الهجمات بأنها جريمة منظمة، ووعد بمحاسبة المسؤولين عنها.
واستهدفت طائرة مسيّرة أخرى محطة تحويل كهرباء جنوب الزاوية في 12 أغسطس، ما أشعل حريقا وتسبّب في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي.
وذكرت الشركة العامة للكهرباء الليبية أن أكثر من 700 ميغاواط من الطاقة الإنتاجية البالغة 1300 ميغاواط لمحطة قريبة باتت غير متاحة، فيما أوقفت شركة “جنرال إلكتريك” الأميركية أعمالها في المحطة وسحبت فرقها الفنية بسبب الوضع الأمني.
وتبقى هوية منفذي هجمات الزاوية وأهدافهم مجهولة؛ فالمدينة منقسمة بين مجموعات مسلحة متغيرة التحالفات، وسط توتر متصاعد بين حكومة الدبيبة وقوات مرتبطة بالقيادي، محمد بحرون، أحد أبرز قادة المدينة.
وتنقسم ليبيا منذ أكثر من عقد بين مركزي سلطة متنافسين؛ إذ تدير حكومة الدبيبة شؤونها من طرابلس بينما تسيطر سلطات مدعومة من قوات حفتر على الشرق، ولم يفلح اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020 في توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.
صراع على النفوذ
بدوره، رأى الباحث الليبي، مصباح عمر، أن "الهجمات قد تكون جزءا من صراع أوسع، رغم عدم ثبوت نمط أشمل حتى الآن".
وأوضح عمر لـ"ذا ميديا لاين" أنه في حال صحة هذا التقدير، فإن ما يشهده البلد قد يمثّل مرحلة أولية من إعادة هيكلة المشهد السياسي والأمني، تتيح للفاعلين الرئيسين تعزيز نفوذهم أو إعادة تحديده قبل الانتقال إلى مسار سياسي أوضح.
وتحظى مدينة الزاوية بأهمية خاصة في أي صراع على غرب ليبيا؛ إذ تقع غرب طرابلس عند نقطة التقاء النفوذ المسلح والبنية التحتية للطاقة وطرق الهجرة والشبكات الاقتصادية.
وأضاف عمر أن مثل هذه الهجمات “قد تمثل تحولا كبيرا في طبيعة المواجهة في ليبيا”.
ورأى أن الضغط قد يتجه بشكل متزايد نحو الشبكات الاقتصادية واللوجستية التي تغذي نفوذ الفصائل المسلحة وقدرتها العملياتية، بدلا من التركيز حصرا على التشكيلات المسلحة ذاتها.
وأشار إلى أن الأهداف المحتملة قد تشمل البنية التحتية ومصادر الإيرادات وطرق الإمداد وأصولا أخرى تساعد الجماعات المسلحة على الحفاظ على موقعها.
من جهته، أوضح السفير الليبي السابق لدى السويد والمستشار السابق في الأمم المتحدة، إبراهيم موسى سعيد قراده، أن الزاوية تجسد مركز الصراع على السلطة السياسية والموارد الاقتصادية.
وقال قراده لـ"ذا ميديا لاين": إن ما وقع في الزاوية، المدينة التي باتت ملتقى لتناقضات السياسة وتضارب المصالح والخلافات حول تقاسم السلطة والموارد في ليبيا.
ويتزامن العنف مع جهود أميركية متجددة لتشجيع التعاون بين السلطتين المتنافستين في ليبيا.
ويروّج مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب وإفريقيا، لمبادرة تركز على إعادة توحيد المؤسسات والتعاون الاقتصادي، وقد التقى حفتر والدبيبة وشخصيات سياسية وعسكرية أخرى في أنحاء ليبيا.
وتصف تقارير منشورة المبادرة بأنها محاولة للتوصل إلى تفاهمات بين سلطات حفتر شرقا وحكومة الدبيبة في طرابلس، مع تقديم استثمارات في الطاقة وتنمية اقتصادية كحوافز.
وتبقى المبادرة مثيرة للجدل؛ إذ لم يُكشف عن كثير من تفاصيلها، ويحذر منتقدوها من أن أي اتفاق لتقاسم السلطة قد يُبقي على نفوذ القادة والفصائل المسلحة الحالية بدلا من بناء مؤسسات وطنية تمثيلية.
ولفت عمر إلى أن المقاربة الأميركية تبدو أقرب إلى تفضيل سلسلة من الاتفاقات المحدودة بدلا من تسوية شاملة.
وأردف أنه في حال استمرار هذا المسار، قد تدخل المبادرة مرحلة أكثر واقعية خلال الربع الأخير من العام الحالي وبداية العام المقبل، عبر مسارين متوازيين اقتصادي وسياسي، تدعمهما ترتيبات أمنية مقابلة على الأرض.
وكان قراده أقل تفاؤلا بشأن آفاقها المباشرة؛ إذ لاحظ أن مبادرة بولس "يبدو" أنها وُضعت في الثلاجة خلال هذا الصيف الحارق، حتى لا تموت أو تُدفن كليا.

فراغ استخباري
وأكد قراده أن غياب رئيس الاستخبارات العسكرية يمثّل مشكلة إضافية للشرق الليبي في وقت حساس تمر به أجهزته الأمنية المنقسمة.
وأضاف أن هذا الغياب في الشرق يتزامن مع استمرار الخلاف حول قيادة جهاز المخابرات العامة، ما يعني فراغا استخباراتيا وحالة ارتباك في لحظة داخلية بالغة الحساسية وسط بيئة دولية شديدة الاضطراب.
ويرى قراده أن “التدخلات الخارجية تزيد من حالة الضبابية؛ إذ تحتفظ روسيا وتركيا وأميركا والقوى الأوروبية وحكومات إقليمية بدرجات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في ليبيا”.
وخلص إلى أن احتمال تحول ليبيا إلى ساحة لحرب بالوكالة بين أجهزة استخبارات وأذرعها العسكرية والإعلامية يتزايد، مع اتساع النزاعات والتنافسات الدولية والإقليمية وتعمقها.
ولا تعني التطورات الأخيرة بالضرورة أن ليبيا تتجه نحو حرب شاملة مجددا؛ إذ ذكر الباحث مصباح عمر أن سيناريو خطوات محدودة لتغيير موازين القوى أقرب من مواجهة واسعة فورية.
وقال: إن هذه التطورات لا ينبغي بالضرورة تفسيرها على أنها مؤشر إلى مواجهة عسكرية شاملة وشيكة، مرجحا أن يكون السيناريو الأقرب سلسلة خطوات محسوبة ومحدودة تهدف إلى تغيير موازين القوى تدريجيا مع ترك مجال للتفاوض والتسوية السياسية.
ولا يثبت ما جرى في الزاوية واغتيال المنصوري وجود خطة منسقة لإعادة رسم موازين القوى في ليبيا -بحسب الموقع- لكنهما يكشفان مدى السرعة التي يمكن أن يهتز بها استقرار بلد لم يحسم بعد صراع سلطتيه المتنافستين.

















