"يلعب على الحبلين".. هل يشعل ترامب حربا وشيكة بين مصر وإثيوبيا؟

"الولايات المتحدة تخاطر الآن بمشاهدة التصعيد الإقليمي وهو يتخطى دبلوماسيتها"
بين رسائل التطمين الموجهة إلى القاهرة وأسمرة، وعروض الاستثمار الأميركي في مطارات أديس أبابا، تتحرك إدارة الرئيس دونالد ترامب بحذر في القرن الإفريقي، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع مواجهة بين مصر وإثيوبيا قد تهدد مجمل خطط واشنطن في المنطقة.
وفي هذا السياق، سلطت مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية الضوء على مخاطر ما وصفته بالسياسة الأميركية المرتجلة، مقدرة أن "هذه المقاربة قد تؤدي إلى ترسيخ الاصطفافات الإقليمية التي تحاول واشنطن الابتعاد عنها، بدلا عن العمل على تفكيكها".
وفي 19 يوليو/تموز 2026، أجرى كبير مستشاري الرئيس ترامب لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، سلسلة من المحادثات في القاهرة مع وزراء خارجية مصر وإريتريا والصومال، وقدمت تلك المباحثات بصفتها جزءا من جهود تعزيز الأمن في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وخلال تلك التحركات، أكدت مصر وإريتريا، كل على حدة، أن "حوكمة البحر الأحمر يجب أن تظل مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه"، في رسالة تحذير مبطنة إلى إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي يبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة، في ظل تنامي طموحاتها البحرية.
وفي 4 أغسطس/آب، نفى بولس التكهنات بشأن سعي واشنطن إلى تشكيل تحالف موجه ضد إثيوبيا، مؤكدا أن "الولايات المتحدة تسعى إلى إقامة علاقات ودية مع جميع دول المنطقة".
وبحسب المجلة، فإن "هذا النفي يعكس التوازن الدقيق الذي تحاول واشنطن الحفاظ عليه في منطقة تشهد تصاعدا في حدة التوترات".
وبعد أيام قليلة من محادثات القاهرة، أبدت واشنطن اهتمامها بتوسيع مشاركة الشركات الأميركية في مشروع المطار الذي تعتزم الخطوط الجوية الإثيوبية إنشاءه بالقرب من العاصمة أديس أبابا، بتكلفة تصل إلى 12.5 مليار دولار.
وأوضحت المجلة أن "الولايات المتحدة قد لا تتعمد تفضيل القاهرة على أديس أبابا أو العكس، إلا أن غياب إستراتيجية متماسكة يجعل تعاملها مع الملفات الشائكة أقرب إلى العشوائية"، سواء تعلق الأمر بنزاع النيل، أو مسألة الوصول إلى البحر الأحمر، أو بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال.

دبلوماسية مرتجلة
ونقلت المجلة عن المسؤول الأميركي السابق، كاميرون هدسون الذي عمل على الشؤون الإفريقية في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، قوله: "أعتقد أن واشنطن تظن أن بإمكانها الحصول على الكعكة وأكلها معا".
وأضاف هدسون: "يمكنها المضي بأهدافها الإستراتيجية في المنطقة بشأن مكافحة الإرهاب والمعادن الحرجة والأمن البحري والدبلوماسية التجارية، مع إدارة التنافس الإقليمي المتصاعد عبر التجاهل".
وأشارت المجلة إلى أن سد النهضة الإثيوبي الكبير يقع في قلب النزاع. وافتُتح في سبتمبر/أيلول 2025، رغم اعتراضات القاهرة منذ انطلاق العمل فيه عام 2011، وبات أكبر سدّ كهرومائي في إفريقيا.
غير أن هذا المشروع الذي كلّف 5 مليارات دولار ما زال مثار جدل. وتحوّل الاهتمام اليوم إلى كيفية إدارة إثيوبيا لإطلاق المياه إلى دولتي المصبّ، السودان ومصر، خاصة في فترات الجفاف، ومدى إلزام أي تعهّدات.
وأفادت المجلة بأن ترامب أبلغ رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، في يناير/كانون الثاني 2026 أنه مستعد لإعادة إطلاق الوساطة بين مصر وإثيوبيا، داعيا الأخيرة إلى إطلاقات مياه يمكن التنبّؤ بها خلال الجفاف.
لكن الكلام وحده قد يكون بلا جدوى. ففي ولاية ترامب الأولى، علّقت الولايات المتحدة بعض المساعدات لإثيوبيا بعد أن رفضت أديس أبابا التوقيع على اتفاق مقترح برعاية أميركية، ولمّح ترامب لاحقا إلى احتمال أن "تفجّر" مصر السد.
وقال ديفيد شين، السفير الأميركي السابق لدى إثيوبيا والأستاذ المساعد في جامعة جورج واشنطن، لمجلة “ريسبونسيبل ستيتكرافت”: إن إثيوبيا باتت تشكّك في الدوافع الأميركية بالنظر إلى دعم ترامب السابق لمصر.
وأضاف شين أن “التواصل الأميركي مع مسؤولين إريتريين في القاهرة سيزيد من مخاوف إثيوبيا”. مشيرا إلى أن هذا اتصال لافت بالنظر إلى عقود من علاقات أميركية-إريترية متوترة، وأنه جاء وسط توترات متصاعدة بين إريتريا وإثيوبيا.
وأفادت المجلة بأن حذر أديس أبابا من واشنطن سيزيد من تعقيد أي جهود أميركية لتليين الخصومة المصرية-الإثيوبية التي انسحبت الآن إلى البحر الأحمر.

معركة البحر الأحمر
وسعت مصر، إلى جانب إريتريا، إلى احتواء طموحات إثيوبيا في الوصول البحري إلى البحر الأحمر. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع السلطات الحاكمة في "صوماليلاند"، الإقليم المنفصل عن الصومال، الذي لا تعترف باستقلاله سوى إسرائيل.
وتوقّعت المذكرة منح إثيوبيا عقد إيجار لمدة 50 عاما لشريط ساحلي بطول 12 ميلا قرب خليج عدن، مقابل الاعتراف لاحقا باستقلال صوماليلاند دولة قائمة بذاتها.
وردّت مصر بعرض تقديم أسلحة وقوات إلى الصومال، مع تجديد تأكيد دعمها وحدة أراضي الصومال.
ومع تصاعد الضغط الإقليمي والدولي على أديس أبابا، ساعدت الوساطة التركية في أواخر 2024 على استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وإثيوبيا، مبعدةً فعليا مذكرة التفاهم.
غير أن إثيوبيا لا تزال عازمة على الوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما وصفه رئيس الوزراء آبي أحمد بأنه ضرورة اقتصادية وجودية.
ولم يخف آبي طموح إثيوبيا في تأمين الوصول إلى الموانئ الإريترية، خاصة ميناء عصب، مصوّرا الميناء أحيانا على أنه أرض إثيوبية تاريخية فُقدت مع انفصال إريتريا عام 1993.
وأثارت هذه الخطابات قلقا عميقا في أسمرة، ودفعت مصر وإريتريا إلى مزيد من التقارب.
ووقّعت مصر وإريتريا في مايو/أيار اتفاقية للنقل البحري، أعلنتا فيها خطّا بحريا يربط بين موانئ البلدين، وأصرّتا مجددا على أن صون أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلّة عليه.
وردّت إثيوبيا باتّهام مصر بأنها تحاول "تطويقنا وعرقلة جهودنا للوصول البحري إلى البحر الأحمر".
وأنتج ذلك حلقة مفرغة؛ فمصر ترى في اندفاع إثيوبيا نحو ميناء مفتاحا لطموحاتها بأن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة في القرن الإفريقي، فيما تعد إثيوبيا التعاون المصري مع الصومال وإريتريا محاولة تطويق لها، وفق المجلة.

غير أن الكاتب البريطاني جوناثان فينتون-هارفي، المتخصص في الشؤون الأوروبية وقضايا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يرى أن وصف مصر وإريتريا والصومال بأنها كتلة ثابتة سيكون خطأ.
وأوضح أن الصومال، بعد استعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، تسعى الآن إلى تحقيق توازن في علاقاتها مع القاهرة وأديس أبابا.
وفي المقابل، بيّن أن انعدام ثقة إريتريا بإثيوبيا نابع من تاريخهما الطويل من النزاع، ومنه الحرب الحدودية المدمّرة بين 1998 و2000 التي قتلت عشرات الآلاف، ولا يعود إلى النفوذ المصري وحده.
لكنه حذّر من أن انعدام الثقة المتنامي قد يصلّب هذه الاصطفافات ويحوّلها إلى انقسامات دائمة، ومن أن الدبلوماسية الأميركية المتقاطعة قد تفاقم هذا الخطر بترك الحكومات الإقليمية في حيرة إزاء نواياها.
وذكرت المجلة أن الولايات المتحدة سعت في مايو/أيار إلى إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا بعد فترة طويلة من البرود، بما في ذلك إمكانية رفع بعض العقوبات، وهو ما قد يقرأ محاولةً لثنى إثيوبيا عن استخدام القوة في سعيها إلى الوصول البحري.
وفي الوقت نفسه، التقى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، نظيره الإثيوبي غديون تيموثيوس لمحادثات بشأن التعاون الأمني، والفرص التجارية، وتشجيع خفض التصعيد الإقليمي.
وأضافت المجلة أن قرار واشنطن سحب دعمها في وقت لاحق من هذا العام لعملية الأمم المتحدة اللوجستية التي تدعم بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال يضيف تعقيدا جديدا.
فقد وفّرت البعثة آلية متعددة الأطراف نادرة للتعاون بين مصر وإثيوبيا، وتحديدا في صون الأمن في الصومال، وقد تسعى مقديشو الآن إلى إبرام اتفاقات ثنائية مع البلدين، تدفعهما إلى التنافس على النفوذ عوض التعاون.
واختتم هدسون بأنه "في غياب إستراتيجية حقيقية، تصبح كل هذه السياسات محصّلتها صفرا. وهذا أحد أسباب اضطرار بولس المتواصل إلى محاولة تفكيك نظريات المؤامرة التي تحوم حول السياسة الأميركية عبر نفيها".
وأضاف: "على واشنطن أن توضح للجميع في مرحلة ما، ما تأمل تحقيقه".
وخلص إلى أن الولايات المتحدة تخاطر الآن بمشاهدة التصعيد الإقليمي وهو يتخطى دبلوماسيتها، فيما تمتد المخاطر إلى ما هو أبعد من التوترات الدبلوماسية.
ورغم أن آبي استبعد الحرب مع إريتريا العام الماضي، فإن التعبئة العسكرية والخطابات العدائية أبقت على حيوية مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
وأشارت المجلة إلى أن واشنطن قد تجد من المفيد أن تعمل متعددة الأطراف مع الشركاء الإقليميين لصياغة استراتيجية موحّدة.
وعلى ملف النيل، يمكن لواشنطن دعم اتفاق يقوده الاتحاد الإفريقي بشأن إدارة الجفاف وتبادل البيانات وإطلاقات مياه يمكن التنبّؤ بها.
وعلى ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، يمكن البناء على الوساطة التركية عبر دعم صفقة تجارية تحت السيادة الصومالية، مع ربط الانفتاح على أسمرة مباشرة بخفض التصعيد الإقليمي، عوض التعامل معه صفقة معزولة تخص البحر الأحمر.
واختتم شين بأن “واشنطن يمكنها تشجيع إثيوبيا وإريتريا على الدخول في محادثات تضمن وصولا إثيوبيا مضمونا إلى البحر، وحتى اقتراح بعض الحوافز التي قد تجدها إريتريا جاذبة”. مضيفا أن لاعبين رئيسين آخرين قد يشاركون في مبادرة كهذه.
















