قمع داخلي وعزلة خارجية.. كيف تبدو تونس بعد خمس سنوات على "انقلاب" قيس سعيد؟

"تحول القمع في تونس إلى سياسة عامة"
"لم تعد تونس تعيش مرحلة انتقال ديمقراطي متعثر.. بل دخلت مرحلة انتقال سلطوي غير مكتمل"، بهذه الافتتاحية سلطت صحيفة "لوموند" الضوء على الواقع الذي تعيش فيه تونس منذ القرارات الانقلابية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/ تموز 2021.
وترى الصحيفة الفرنسية أنه "بعد خمسة أعوام من إحكام الرئيس قيس سعيد سيطرته على السلطة، دخلت الدولة مرحلة من الهشاشة عقب تفكيك المنظومة التي أفرزتها ثورة عام 2011، في ظل غياب بديل مستدام يحل محلها".
وفي موازاة ذلك، "تتزايد عزلة سعيّد على الساحة الدولية، إذ استدعت وزارة الخارجية التونسية السفيرة الفرنسية لدى تونس، آن غيغين"، في خطوة عدها التقرير "تعكس تصاعد توتر النظام في مواجهة الانتقادات الخارجية".
الخوف الإداري
واستهلت الصحيفة تقريرها قائلة: "يصادف الخامس والعشرون من يوليو، مرور خمسة أعوام على إرساء قيس سعيد نظام الحكم الشخصي، وهي فترة كافية لإجراء أول تقييم سياسي لتجربته".
وتابعت: "منذ ثورة عام 2011، لم يسبق لرئيس تونسي أن جمع هذا القدر من السلطات بين يديه، لكن الدولة، في المقابل، لم تكن يوما بهذا القدر من الضعف".
وأوضحت الصحيفة مقصدها: "فخلف صورة السلطة المطلقة تكمن حقيقة أخرى، وهي أن تونس لم تعد تعيش مرحلة انتقال ديمقراطي متعثر، بل دخلت مرحلة انتقال سلطوي غير مكتمل".
وفصّلت كيف "عمل سعيد، بصورة منهجية على مدى خمسة أعوام، على تفكيك المؤسسات التي نشأت عقب الثورة".
وأضافت: "حيّد سعيد البرلمان، وهمش الأحزاب، وأفرغ الإدارات المحلية من مضمونها، ووضع السلطة القضائية تحت الوصاية، وكمّم وسائل الإعلام المستقلة أو العمومية، وأضعف الجمعيات، وأخضع النقابات لضغوط متواصلة".
وفي الوقت نفسه، "أُعيد تركيز السلطة في قصر قرطاج، من دون وساطة أو موازين قوى مضادة”.
واستدركت الصحيفة: "غير أن عملية التفكيك هذه لم تتبعها عملية إعادة بناء، وهنا يكمن فشل النظام".
واستطردت: "فمعظم التحليلات تصف النظام الحالي بأنه يقوم على تركيز سلطوي للسلطة، وهو توصيف صحيح، لكنه يظل غير مكتمل؛ لأنه ينظر إلى قمة هرم السلطة من دون التمعن في جهاز الدولة ذاته".
وفكك المقال الفرق بين نظامي سعيد السلطوي وزين العابدين بن علي، إذ يرى أنه "على خلاف نظام بن علي (1987-2011)، الذي جمع بين القمع الأمني والإدارة البيروقراطية وآليات الوساطة الاجتماعية؛ فإن السلطة الحالية لا تستند إلى حزب أو ائتلاف أو منظمات قادرة على تنظيم الصراعات".
علاوة على ذلك، فإنه "في عهد بن علي، كانت الهيئات الوسيطة خاضعة للرقابة، لكنها كانت تؤدي في الوقت نفسه وظيفة تنظيمية، أما اليوم فقد جرى نزع الشرعية عنها أو تحييدها، من دون إقامة بنية بديلة تحل محلها".
في المقابل، يعتقد المقال أن "المشروع السياسي لسعيد يستند إلى فكرة بسيطة، تتمثل في إقامة علاقة مباشرة بين الشعب والرئيس".
ووفق تحليله، "تمتلك هذه الرؤية اتساقا أيديولوجيا، لكنها تصطدم بإشكالية جوهرية، إذ عندما تتوقف الهيئات الوسيطة عن أداء دورها، تنتقل التوترات الاجتماعية مباشرة إلى الدولة التي تجد نفسها وحيدة في مواجهة مطالب تعجز عن تلبيتها".
"وبهذا المعنى، يبدو النظام الحالي أكثر سلطوية، وفي الوقت نفسه أكثر هشاشة"، بحسب وصفه.
وفي هذا السياق، قدر المقال أن "عملية اتخاذ القرار تتركز داخل مؤسسة الرئاسة، لكن سلسلة القيادة أصبحت أكثر تفككا".
وضرب مثالا آخر قائلا: "استعادت وزارة الداخلية موقعها المحوري، ولكن من دون التماسك الهرمي الذي كانت تتمتع به سابقا".
أما الجيش، فيرى أنه "ما زال يحتفظ بمكانة خاصة، فهو لا يمارس السلطة في الحياة اليومية، لكنه يظهر بصفته الضامن الأساسي لاستمرارية الدولة في حال اندلاع أزمة كبرى، بما يجعله بمثابة ضمانة مؤسسية".
وفي المقابل، يشير إلى "تحول القضاء، بعد توظيفه في معالجة القضايا السياسية، إلى أحد المفاصل الأساسية للسلطة الرئاسية، بينما أصيبت الإدارة العامة بالشلل نتيجة الخوف من اتخاذ القرار".
وبحسب تقديره، "يؤدي هذا الخوف الإداري إلى إعاقة الاستثمارات، وتعطيل الإصلاحات، وتغذية حالة الجمود الاقتصادي".

تفاقم الهشاشة
على الصعيد الاقتصادي، أوضحت الصحيفة أنه "بعد مرور خمسة أعوام على 25 يوليو 2021، تبدو الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية محدودة".
وتابعت: "فما زال النمو ضعيفا، والمالية العامة تواجه ضغوطا متزايدة، فيما يستمر الدين العام في الارتفاع، رغم الخطاب السيادي الذي يؤكد أنه وضع حدا لمنطق التبعية المالية".
إضافة إلى ذلك، "يتراجع الاستثمار الخاص، ويواصل الشباب الهجرة، بينما يتردد كثير من رجال الأعمال في الاستثمار داخل بيئة تتسم بانعدام اليقين القانوني، وتزايد اللجوء إلى القضاء في إدارة الحياة الاقتصادية، والشلل الإداري".
وعقّب المقال: "تحول القمع إلى سياسة عامة، لكنه لا يمثل بأي حال إستراتيجية للتنمية".
وبحسب رؤيته، "لا تقتصر هذه الهشاشة على الداخل، بل تمتد أيضا إلى السياسة الخارجية، فخلف الخطاب السيادي الصاخب، أصبحت تونس أكثر اعتمادا من أي وقت مضى على الدعم الخارجي".
وأضاف: "إذ إن تقاربها مع الجزائر تحكمه تقديرات البقاء السياسي وأمن الطاقة، في حين حولتها شراكتها مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة إلى حارس متقدم للحدود الأوروبية".
انطلاقا من تلك المعطيات، رأى المقال أن "أبرز نقطة ضعف في النظام تكمن اليوم في مرحلة ما بعد قيس سعيد".
وأوضح مقصده: "فكل الأنظمة التي تقوم على الطابع الشخصي للسلطة تواجه، عاجلا أم آجلا، التحدي نفسه؛ إذ تبدو متماسكة ما دام الزعيم يحظى بسلطة لا ينازعها أحد، لكنها تصبح أكثر عرضة للهشاشة بمجرد طرح مسألة الخلافة".
وفي الحالة التونسية، قدر المقال أن "هذه الهشاشة تتفاقم لأن الآليات المؤسسية المفترض أن تضمن استمرارية الدولة ما زالت غير مكتملة، فدستور عام 2022 أسند دورا حاسما إلى المحكمة الدستورية، إلا أنها لم تر النور حتى الآن، رغم مرور أربعة أعوام على إقرار مبدأ إنشائها".
وأردف: "وفي المقابل، لم يجر إلغاء المرسوم رقم 117 الصادر في 22 سبتمبر/ أيلول 2021، والذي صدر في إطار حالة الاستثناء".
وينص هذا المرسوم على أن يتولى رئيس الحكومة مهام الرئاسة بصورة مؤقتة في حال شغور المنصب، وإذا تعذر ذلك، يتولى وزير العدل ممارسة المهام الرئاسية بصورة مؤقتة.
وبحسب وجهة نظره، فإن "التعايش بين هذين المرجعين القانونيين يخلق منطقة رمادية قد تفتح الباب أمام تفسيرات متنافسة إذا اندلعت أزمة".
وبصورة أوسع، "لم يعد السؤال يقتصر على معرفة من سيخلف سعيد، بل أصبح يتعلق أيضا بأي جهة، أو أي جهاز من أجهزة الدولة، سيكون قادرا على فرض تفسيره لمبدأ استمرارية الدولة في حال شغور منصب الرئاسة".
وخلص المقال إلى أنه "بعد مرور خمسة أعوام على 25 يوليو 2021، تبدو الصورة أكثر تعقيدا من مجرد وصفها بانحراف سلطوي".
وتابع: "فالهشاشة الأساسية للدولة التونسية تكمن في الفجوة بين تفكيك المنظومة التي أفرزتها ثورة 2011 وغياب نموذج بديل مستدام يحل محلها".
"وبذلك، أصبحت تونس منخرطة في مرحلة انتقال سلطوي لا يستطيع أحد الجزم بالمآل الذي ستنتهي إليه"، وفق رأيه.

طريق مسدود
وفي مقال آخر بذات الصحيفة، تطرق سايمون روجر إلى ما وصفه بـ"تزايد عزلة السلطة التونسية على الساحة الدولية".
ووفقا له، "يعكس استدعاء وزارة الخارجية التونسية، في 24 يوليو، السفيرة الفرنسية لدى تونس آن غيغين، حالة التوتر التي يعيشها النظام في مواجهة الانتقادات الخارجية".
ولفت إلى أن ذلك "أتى في وقت شهدت فيه البلاد أسبوعين من موجات حر خانقة، بينما يواجه التونسيون انقطاعات غير مسبوقة في المياه والكهرباء، وهو ما يزيد من حالة الغضب الشعبي".
وأوضح المقال أن "استدعاء الدبلوماسية الفرنسية يأتي عقب بث قناة فرانس 24 مقابلتين، إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الفرنسية، مع الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، الذي تولى الرئاسة بين عامي 2011 و2014".
وأردف: "كان المرزوقي، المقيم في فرنسا، قد صدر بحقه في تونس عام 2024 حكم غيابي بالسجن لعدة أعوام، بعد أن وجه انتقادات حادة إلى قيس سعيد، الذي استأثر بالسلطات الكاملة عقب الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها في 25 يوليو 2021".
وخلال المقابلتين، رأى المرزوقي أن تونس تمر بـ"أزمة سياسية بالغة الخطورة"، محذرا من احتمال حدوث "انفجار"، كما أكد اعتقاده بأن نقاشات تجري داخل تونس وخارجها حول بدائل محتملة للنظام القائم.
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية التونسية عن "استيائها العميق" عقب بث "المقابلة الأخيرة مع شخص مطلوب للقضاء التونسي على قناة فرنسية عمومية"، في إشارة إلى مقابلة الرئيس الأسبق المرزوقي.
ورأت الوزارة أن التصريحات التي تضمنتها المقابلة تمس سيادة البلاد وأمنها القومي، وتشكل "دعوة صريحة إلى الفتنة والمواجهات الداخلية".
وأشار المقال إلى أنه "في السياق نفسه، نددت تونس بما وصفته (تدخلا غير مقبول)، ودعت السلطات الفرنسية إلى (اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لمثل هذه الممارسات)، مقدرة أن الدولة الفرنسية لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها بذريعة (استقلالية الخط التحريري أو حرية الصحافة)".
في المقابل، أكد مصدر دبلوماسي في باريس أن قناة "فرانس 24" تتمتع بـ"استقلالية تحريرية كاملة"، معربا عن أسفه لـ"الجدل الذي لا يعكس إطلاقا جودة العلاقات الثنائية بين بلدينا".
واستدرك المقال: "غير أن دبلوماسيا سابقا رأى أن العلاقات الثنائية وصلت إلى طريق مسدود"، مقدرا أن الروابط بين البلدين أصبحت أكثر فتورا، وباتت ترتبط إلى حد كبير بالشراكة القائمة بين تونس والاتحاد الأوروبي".
مزايدة سيادية
وفي تفسير لنهج تونس تجاه القارة العجوز، يرى المقال أن سعيد "يشعر بقدر من الحماية في ظل اعتماد الأوروبيين على تونس بصفتها حلقة أساسية في جهودهم لمكافحة الهجرة غير النظامية".
ونقل عن دبلوماسي سابق قوله: إن الرئيس التونسي "يعتقد أنه يستطيع الإقدام على مثل هذه الخطوات من دون أن تترتب عليها عواقب سلبية كبيرة من جانب فرنسا أو الاتحاد الأوروبي".
وأضاف الدبلوماسي أن "استدعاء السفيرة الفرنسية يعكس أيضا حالة التوتر التي يعيشها النظام في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية".
وفي هذا السياق، أشار المقال إلى أن "آلاف المتظاهرين خرجوا يوم السبت (25 يوليو)، إلى وسط العاصمة تونس، تزامنا مع الذكرى الخامسة للإجراءات (الانقلابية) التي اتخذها الرئيس، احتجاجا على القمع السياسي وتدهور الخدمات العامة".
ويرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب إن "سعيد يواصل المزايدة بالخطاب السيادي، لأنه يمثل آخر وسيلة دفاع لنظام عاجز عن توفير الحد الأدنى من الخدمات العامة".
في هذا الصدد، أشارت الصحيفة إلى أن "هذه الواقعة تأتي ضمن سلسلة من التوترات مع الدبلوماسيين الأوروبيين، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، استدعى سعيد سفير الاتحاد الأوروبي جوزيبي بيروني، عقب لقائه بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد".
وتابعت: "وبعد أيام قليلة، استدعت السلطات أيضا سفيرة هولندا جوزفين فرانتزن، إثر لقائها رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة أحمد نجيب الشابي، الذي اعتقل في ديسمبر/ كانون الأول 2025، بعد وقت قصير من تثبيت الحكم الصادر بحقه في الاستئناف بالسجن 12 عاما في قضية التآمر على أمن الدولة".
وأردفت: "وكانت القضية، التي فتحت في فبراير/ شباط 2023، قد استهدفت عددا من أبرز رموز المعارضة، الذين اتهموا، من بين أمور أخرى، بإقامة اتصالات مع دبلوماسيين أجانب، من بينهم السفير الفرنسي السابق أندريه باران".
وعلق المقال: "في مواجهة الاتهامات المتكررة بشأن التدخل الأجنبي في تونس، نادرا ما يبدي الأوروبيون ردود فعل علنية".
واستطرد: "ووفقا لعدة مصادر دبلوماسية أوروبية، تقلصت الاتصالات مع السلطات التونسية إلى الحد الأدنى، كما أفادت مصادر عدة بأن سعيد رفض، منذ مطلع عام 2026، لقاء عدد من كبار المسؤولين الأوروبيين".
الوصاية الجزائرية
وترى الصحيفة أن "عزلة تونس تعمقت أيضا بعد رفض سعيد، عام 2023، قرضا بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، كان مشروطا بتنفيذ إصلاحات اقتصادية، من بينها إصلاح نظام الدعم والمؤسسات العامة".
وبحسبها، "كان الرئيس التونسي قد هاجم آنذاك ما وصفه بـ(إملاءات) صندوق النقد، مؤكدا أن البلاد يجب أن (تعتمد على نفسها)".
واستدركت: "لكن محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي دفعت تونس منذ ذلك الحين إلى زيادة اعتمادها على الاقتراض الداخلي، وهو ما فرض أعباء متزايدة على القطاع المصرفي، على حساب تمويل الاقتصاد الحقيقي".
في هذا السياق، قال حمزة المدب: إن "الرئيس التونسي لم يستفد من الشق المالي الذي رافق اتفاقات الهجرة، إذ نص الاتفاق الموقع بين تونس والاتحاد الأوروبي في يوليو 2023 على تقديم مساعدات مالية كلية بقيمة 900 مليون يورو، لكنها كانت مشروطة بالتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي".
ووصف الباحث النظام بأنه "يواجه ضائقة مالية حادة، وينظر إليه على أنه واقع تحت وصاية جزائرية بسبب اعتماده الكبير على الجزائر في مجال الطاقة".
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن "الجزائر أعلنت دعمها لتونس، إذ هدد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال مقابلة مع وسائل إعلام محلية ف 27 يوليو، بالقضاء على كل من يحاول استخدام الإرهاب لزعزعة استقرار البلاد، وفقا للمقتطف الذي نشرته الرئاسة الجزائرية".
















