إلى أين تتجه الشراكة الصينية المصرية مع تصاعد أهمية أمن البحر الأحمر؟

"تكمن فرصة مصر في تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ صناعي ودبلوماسي أكبر"
تتزايد أهمية الشراكة بين بكين والقاهرة، في ظل توسع الاستثمارات الصينية حول قناة السويس وتنامي ارتباطها بقضايا الأمن الإقليمي، ما يضفي على هذه الشراكة أبعادا تتجاوز التعاون الاقتصادي إلى تقديرات إستراتيجية وأمنية.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، في 2 سبتمبر/ أيلول 2026، بعد غياب دام عشر سنوات، لتؤكد أن العلاقة بين البلدين لم تعد تقتصر على التعاون الاقتصادي، بل أصبحت ترتبط أيضا بالظروف الأمنية والسياسية المحيطة بمصر وقناة السويس والبحر الأحمر.
ونشر مركز "أنكاسام" مقالا للكاتب التركي جُوكتوغ تشَالشكان، تحدّث فيه عن أن “دعوة الرئيس الصيني دول المنطقة إلى تطوير ترتيبات أمنية خاصة من أجل مواجهة التدخلات الخارجية تكتسب أهمية خاصة، لا سيما أنها بدأت من القاهرة في وقت تستمر فيه الحرب حول إيران”.
ورأى أن “هذا يعكس الوزن الذي تمنحه بكين لمصر في رؤيتها للاستقرار الإقليمي، فالصين، التي ترتبط مصالحها الاقتصادية بشكل مباشر باستمرار حركة التجارة البحرية، تبدو معنية بوجود بيئة إقليمية أكثر استقرارا، بحيث تسمح باستمرار الاستثمارات وحركة السلع”.
وأضاف “من الناحية الاقتصادية نجد أن المرحلة الثالثة من توسعة المنطقة الصناعية الصينية مرتبطة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس”.
وأشار إلى أن “الصين تحاول الاستثمار حول قناة السويس ضمن مجالات عديدة، ابتداء من معدات الطاقة المتجددة إلى صناعة السيارات وغيرها. وهذا ينسجم مع سعي مصر إلى تحويل موقعها الجغرافي وميزتها في مجال النقل إلى قاعدة إنتاجية”.
أما بالنسبة إلى الصين، فإن إقامة المصانع قرب قناة السويس تتيح تسهيل الوصول إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية، كما تخلق بيئة تتكامل فيها الصناعة مع الخدمات اللوجستية.

العملات المحلية
ولفت الكاتب إلى أن الشراكة الاقتصادية لا تقتصر على الاستثمارات الصناعية فحسب، بل تشمل أيضا ترتيبات مالية تهدف إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة بين البلدين.
فقد جدد البنكان المركزيان الصيني والمصري في يونيو/حزيران 2026 اتفاق مقايضة العملات لمدة ثلاث سنوات، ورفعا قيمته من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان.
وبهذا الترتيب يمكن للشركات استخدام أكبر قدر من العملات المحلية في المدفوعات التجارية.
إلا أن نجاحه الفعلي لن يتحدد بحجم الاتفاق وحده، بل بمدى استعداد البنوك والشركات لاستخدام هذه الآلية، فوجود إمكانية مالية لا يعني بالضرورة تحولها إلى ممارسة تجارية واسعة.
وهنا تظهر أهمية العلاقة التجارية نفسها، فإذا كانت الواردات المصرية من الصين تتجاوز صادراتها إليها بفارق كبير، فإن تغيير عملة الدفع لا يعالج بصورة تلقائية الاختلال التجاري.
أما إذا تمكنت مصر من زيادة صادراتها إلى السوق الصينية، فسيصبح من الأسهل استخدام الإيرادات المحققة باليوان في تمويل مشتريات جديدة.
هكذا، فإن استمرار استخدام العملات المحلية يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة مصر على تنويع صادراتها واستمرار العلاقات التجارية بين الشركات.
كما أن مقايضة العملات ليست منحة، لذلك تبقى شروط التمويل وتحركات أسعار الصرف والتزامات السداد عوامل مهمة.
ويرى الكاتب أن استخدام اليوان يمكن أن يؤدي إلى تقليل الحاجة إلى الدولار وتوسيع خيارات الدفع. لكن الاعتماد الكبير على قناة تمويل واحدة قد يؤدي في الوقت نفسه إلى خلق أشكال جديدة من الاعتماد.
أمن البحر الأحمر
ولفت الكاتب النظر إلى أن الجانب الأكثر حساسية في الشراكة الصينية المصرية يتمثل في العلاقة بين الاستثمار والأمن البحري.
فقد أكد البيان المشترك بين البلدين مسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر عن أمنه وإدارته، وربط حماية التجارة البحرية بالتعاون الإقليمي واحترام سيادة الدول.
وتحمل هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر التي يمنحها موقعها الجغرافي دوراً أساسياً في قضايا أمن الملاحة، كما تمنحها أساسا أقوى للمطالبة بالمشاركة في القرارات المتعلقة بالمنطقة.
أما الصين، فتنطلق من حاجة واضحة إلى حماية مصالحها التجارية والاستثمارية، لكنها في الوقت نفسه تستخدم خطابا دبلوماسيا يؤكد حق دول المنطقة في أن يكون لها دور في تحديد مستقبلها الأمني.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ خارج قناة السويس نفسها، فمَستقبل المصانع والاستثمارات المقامة على ساحل القناة لا يعتمد فقط على استقرار حركة الملاحة داخلها، بل يتأثر أيضا بما يحدث في جنوب البحر الأحمر، خصوصا حول باب المندب.
فأي اضطراب هناك يمكن أن يؤدي إلى زيادة مدة الشحن وارتفاع تكاليف التأمين، وبالتالي تقليص المزايا التي توفرها مصر كمركز للإنتاج والتصدير، وهذا يعني أن توسع الاستثمارات الصينية سيجعل اهتمام بكين بأمن الملاحة أكثر واقعية.
فكلما ازدادت المصالح الاقتصادية، ازدادت أهمية قدرة الصين على التعامل مع الأزمات التي يمكن أن تهدد استمرار التجارة، يقول تشَالشكان.
في المقابل، ستصبح قدرة مصر على إدارة موقعها الجغرافي والدفاع عن أولوياتها الأمنية عاملا أساسيا في تحديد مستقبل الشراكة.

بين المكاسب والنفوذ
وقال الكاتب التركي: إن قيمة الشراكة بالنسبة إلى مصر لا تتوقّف على حجم الاستثمارات أو التمويل فحسب، بل على مدى اندماج هذه الاستثمارات في الاقتصاد المحلي.
فهناك فرق كبير بين مصانع تقتصر على تجميع مكونات مستوردة وتحويل الجزء الأكبر من الأرباح إلى الخارج، وبين استثمارات تطور الموردين المحليين وتزيد مشاركة الشركات المصرية في عمليات الإنتاج.
وعندما تحصل الشركات المصرية على فرصة حقيقية للمشاركة، ويكتسب العاملون المعرفة والخبرة التقنية، يمكن للاستثمار الخارجي أن يسهم في بناء قدرات مصر الذاتية.
أما إذا ظلت المشاريع قائمة على حوافز مكثفة من الدولة دون تحقيق فوائد محلية كافية، فقد تتحول إلى عبء على الموارد العامة.
وأضاف أن الشراكة تتجاوز المجال الصناعي إلى مراكز البيانات والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يجعل خيارات القاهرة الاستثمارية أكثر حساسية، فتركيز الإنتاج والخدمات الرقمية حول شريك خارجي واحد يمكن أن يؤدي إلى روابط طويلة الأمد في مجالات التشغيل والصيانة.
في المقابل، فإن تدريب الخبراء المحليين وتمكين المؤسسات المصرية من إدارة هذه الأنظمة يمكن أن يجعل نقل التكنولوجيا أكثر استدامة، ويمنح القاهرة قدرة تفاوضية أكبر في علاقاتها مع الشركاء الخارجيين.
أما في المجال الأمني، تحاول مصر الحفاظ على علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة بالتوازي مع تطوير علاقاتها بالصين، ويمنح هذا التنويع القاهرة مساحة أكبر للحركة، في ظل المخاوف من بعض الخيارات الإقليمية لواشنطن.
لكن، يجب القول بأن العلاقات الدفاعية التي تشكلت على مدى سنوات لا يمكن استبدالها بسرعة بشراكة أخرى، لذلك، يبدو أن الهدف الأساسي للقاهرة هو الاستفادة من علاقاتها القائمة، مع توسيع خياراتها وقدرتها على الدفاع عن أولوياتها الخاصة.
أما بالنسبة إلى الصين، فإن نجاحها في تحويل التقارب الاقتصادي إلى نفوذ سياسي سيعتمد على مدى قدرتها على تلبية توقعات القاهرة.
وقال الكاتب: إن “مصر لا تبحث فقط عن الاستثمار والتكنولوجيا، بل تحتاج أيضا إلى دعم دبلوماسي في الأزمات الإقليمية”.
في هذا السياق، يمثل تأكيد بكين على السيادة وعدم التدخل عنصرا مهما بالنسبة إلى القاهرة، لكن قدرة الصين على تقديم دعم واسع ستظل مرتبطة أيضاً بعلاقاتها مع بقية دول المنطقة.
وأشار الكاتب إلى أن الوثائق الموقعة وحدها لن تحدّد مستقبل الشراكة الصينية المصرية، بل النتائج التي ستظهر على أرض الواقع.
فإذا أسهمت المصانع في زيادة الإنتاج المحلي، ووفرت الاستثمارات فرص العمل، وتوافقت أدوات التمويل مع احتياجات الشركات، فمن المرجح أن تتعزز أهمية الشراكة بالنسبة إلى القاهرة.
أما إذا أدت التوترات الإقليمية إلى ارتفاع تكاليف النقل، أو لم تحقق المشاريع العوائد والوظائف المتوقعة، فقد تتعرض المكاسب الاقتصادية لمزيد من التساؤل.
وختم الكاتب مقاله قائلا: إن "الشراكة المتنامية حول قناة السويس تكشف أن الاقتصاد والأمن أصبحا مترابطين بصورة يصعب فصلها. فحماية طرق التجارة شرط لاستمرار الاستثمارات، والتنمية المحلية تمنح الشراكة أساسا اقتصاديا واجتماعيا أكثر قوة".
وبالنسبة إلى مصر، تكمن الفرصة الحقيقية في تحويل موقعها الجغرافي إلى قدرة صناعية ودبلوماسية أكبر، بينما تقاس قوة الحضور الصيني بمدى مساهمته في تطوير هذه القدرة، لا بمجرد حجم الاستثمارات والاتفاقات.

















