من الماء والكهرباء إلى إسقاط النظام.. هل ينجح "نَفَس" في تحريك الشارع التونسي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يمرّ الصيف التونسي هذا العام كعادته، بين عطلة سياسية وحركية اقتصادية ترافق الموسم السياحي وعودة عشرات الآلاف من التونسيين المقيمين في الخارج، إذ شهدت البلاد حراكًا احتجاجيًا على خلفية أزمات متعلقة بانقطاع الكهرباء والمياه الصالحة للشرب.

وفي ظل استمرار اعتماد نظام الرئيس قيس سعيّد سياسة التضييق على القوى السياسية والمدنية، واستمرار اعتقال العشرات من قادة المعارضة والحقوقيين والنقابيين والإعلاميين، برزت على السطح مبادرة "نَفَس"، التي دعت إلى سلسلة من التحركات الاحتجاجية في العاصمة، كان آخرها تحرك 20 أغسطس/آب 2026.

وبرز "حراك نَفَس" كإطار مدني وسياسي يضم عددًا من الشخصيات السياسية والحقوقية، متجاوزًا الانتماءات الحزبية والإيديولوجية، ومقترحًا مقاربة تكتيكية مغايرة لما عرفته تحركات المعارضة منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021.

واعتمد الحراك على نقل مركز الثقل الاحتجاجي من المطالب السياسية المباشرة إلى التركيز على الأزمات المعيشية والمطالب الاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى هذا الحراك أمام اختبار حقيقي لقدرته على جمع القوى السياسية التونسية، رغم اختلافاتها، وإقناع عموم التونسيين بتبنّي الشعارات التي يرفعها، في ظل حملات التشويه والتضييق التي يتعرض لها.

تراجع خطير

في 17 مايو/أيار 2026، أُعلن عن انطلاق نشاط حراك "نَفَس"، وجاء في بيان وجّهه المؤسسون إلى الرأي العام أن "تونس تعيش منذ سنوات تراجعًا خطيرًا في منسوب الحريات العامة والفردية، يتجلى في توظيف القوانين الزجرية كأداة للترهيب وتكميم الأفواه، وفي مقدمتها المرسوم عدد 54 الذي تحوّل إلى سيف مسلط على الصحفيين والمدونين والنشطاء وكل صوت ناقد أو مستقل".

وأعلن المؤسسون "انطلاق نشاط التحرك المواطني "نَفَس" بصفته إطارًا مدنيًا سلميًا ومفتوحًا، يهدف إلى الدفاع عن حرية الرأي والتعبير واستقلالية الإعلام، والتصدي لكل محاولات التسلط وتكميم الأفواه وتوظيف مؤسسات الدولة ضد الحريات"، انطلاقًا من العريضة المواطنية “دفاعًا عن حرية التعبير ومن أجل صحافة مستقلة وصحفيين أحرار” التي التف حولها مئات المواطنين دفاعًا عن الحقوق والحريات.

وفي السياق، أوضح الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري والقيادي في حراك "نَفَس"، وسام الصغيّر، أن إطلاق الحراك جاء "ليمثل إطارًا مواطنيًا وسياسيًا جامعًا يتجاوز الاصطفافات السابقة، وذلك إثر عجز الائتلافات المعارضة لمسار 25 يوليو عن بناء مساحة عمل مشتركة".

وبيّن الصغيّر أن المبادرة تسعى إلى "توحيد الجهود حول أولويات تتصدرها حماية الحريات، ومواجهة الاستبداد، والتصدي للفشل الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن غياب الرؤية والبرامج".

وشدد القيادي الحزبي على أن الأزمة التونسية تتجاوز البعدين السياسي والحقوقي لتشمل أزمات معيشية خانقة، مؤكدًا أن ربط الحراك بين الدفاع عن الحريات والحق في العيش الكريم يعكس الأولويات الحقيقية للتونسيين، وهو ما من شأنه توسيع دائرة التفاعل الشعبي مع المبادرة وإبراز خطورة الوضع الراهن.

الحراك الاجتماعي 

تجمع تقارير عديدة على أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية شهدت تدهورًا متسارعًا مع تركّز السلطة بيد رئيس الجمهورية وتحييد الأجسام الوسيطة، كالأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.

لذلك، فإن المطالب المعيشية، ممثلة في أزمات المياه والكهرباء وغلاء الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، ليست مجرد أداة تعبئة تكتيكية، بل انعكاس لواقع يومي ينال شرائح واسعة بعيدًا عن الاصطفافات السياسية.

وبدأ حراك "نَفَس" يفرض حضوره بشكل لافت مع الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو/تموز 2021، حين خرج آلاف التونسيين مرددين شعارات مناهضة للرئيس قيس سعيّد، مثل "ارحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام". غير أن الحراك حرص على مزج هذه الشعارات السياسية بمطالب اجتماعية مرتبطة برفض المسار الحالي ومعالجة الأزمات المعيشية.

وأسهمت انقطاعات الكهرباء المتكررة في تكبيد أصحاب المشاريع والأنشطة التجارية خسائر كبيرة، وامتدت تداعياتها إلى القطاع الصحي، ما دفع منظمات، مثل جمعية الأطباء الشبان، إلى المطالبة بإعلان حالة طوارئ صحية في البلاد.

وهذا التقاطع بين الغضب من انقطاع المياه والكهرباء خلال فصل الصيف والمطالب الحقوقية هو ما راهن عليه الحراك في دعوته الثالثة إلى التحرك، يوم 20 أغسطس/آب 2026؛ إذ رفع شعار "يكفي من العبث بالماء والكهرباء"، بوصفهما حقين أساسيين لا شعارًا سياسيًا مجردًا.

وفي هذا السياق، شدد الحراك في تدوينة نشرها يوم 19 أغسطس/آب 2026 على صفحته الرسمية في "فيسبوك" على أن الأولوية القصوى حاليًا تكمن في مواجهة غلاء المعيشة.

وجاء في نص التدوينة: "معركتنا اليوم هي ضد الغلاء والأسعار الملتهبة، ومع تراجع القدرة الشرائية للمواطن وفقدان المواد الأساسية".

واختتم الحراك تدوينته بانتقاد حاد للسياسات الحالية، رافضًا ما أسماه "العبث في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي"، ومؤكدًا أن هذه السياسات جعلت المواطن يدفع ثمن الفشل من قوته اليومي وحقه في العيش بكرامة.

تجميع المعارضة

الميزة اللافتة في هذا الحراك هي اتساع رقعة المشاركين فيه؛ إذ شمل التحرك الأخير مشاركة حركة النهضة ضمن تحالف جبهة الخلاص، والحزب الجمهوري، والتيار الديمقراطي، وأحزاب الائتلاف الوطني والشعبي الجمهوري.

وكان اللافت كذلك مشاركة الحزب الدستوري الحر الذي تتزعمه البرلمانية السابقة عبير موسي، المعتقلة حاليًا، والمعروفة بعدائها الشديد للإسلاميين وخلافها الجذري مع حركة النهضة.

وهذه الأطراف التي تقف على طرفي نقيض أيديولوجيًا وسياسيًا، إذ يمثل الإسلاميون أحد طرفيها، بينما يضم الطرف الآخر خصومهم من التيار الحداثي والدستوري، لم تنجح منذ 25 يوليو/تموز 2021 في التوصل إلى أي صيغة لبناء جبهة معارضة موحدة.

لكن هذا التقارب يبقى هشًا وقابلًا للاهتزاز، كما كشفت واقعة نشر جبهة الخلاص الوطني صورة تجمع الرئيس الراحل زين العابدين بن علي بالرئيس قيس سعيّد على صفحتها الرسمية، ضمن تصميم خاص بالدعوة إلى مسيرة 20 أغسطس/آب 2026 التي دعا إليها حراك "نَفَس".

وأثار ذلك غضب أنصار الحزب الدستوري الحر الذين عدوا الخطوة انحرافًا بالتحرك عن أهدافه واستفزازًا لقواعد حزبهم.

ودفعت هذه الحادثة الحراك إلى التدخل سريعًا لاحتواء الأزمة، والدعوة إلى تغليب "المصلحة الوطنية العليا" على الحسابات الحزبية الضيقة.

وفي بيان صادر بالمناسبة يوم 19 أغسطس/آب 2026، شدد الحراك على التزامه الراسخ بمبدأ "وحدة الساحات" بين جميع التونسيات والتونسيين، دون تفريق أو إقصاء على أساس الانتماء الفكري أو السياسي أو المدني.

وأضاف في بيانه: "جسدت التحركات الميدانية السابقة هذا المفهوم عبر التقاء مختلف القوى المدنية والسياسية حول القواسم المشتركة، وفي مقدمتها المواطنة".

وأكد البيان أنه "تم التواصل الفوري مع قيادة الجبهة التي بادرت بسحب التصميم وتعديله، مؤكدة أن ما حدث كان مجرد اجتهاد شخصي غير موفق من أحد المشرفين على الصفحة".

ورغم نجاح الحراك في تطويق الحادثة، فإنها تعكس أن مبدأ "وحدة الساحات" الذي يتبناه ما زال هشًا أمام الخلافات التاريخية العميقة بين مكونات المعارضة، وأن التحدي الأكبر يتمثل في مدى قدرة هذه الصيغة على الصمود والاستمرار.

التحدّي الأمني 

إلا أن صمود حراك "نَفَس" واستمراره يرتبطان أيضًا بالطريقة التي ستتعامل بها السلطة معه؛ إذ قوبلت جميع الائتلافات السابقة بحملات اعتقال نالت قياداتها وصفها الأول، كما وُجهت اتهامات بالتآمر إلى محاولات سابقة لتجميع صفوف المعارضة.

وعلى إثر المسيرة التي نظمها الحراك مساء 20 أغسطس/آب، قامت قوات الأمن باعتقال الناشط في حراك "نَفَس" سيف الدين العرفاوي.

وأصدر الحراك بيانًا مساء 21 أغسطس/آب 2026، أكد فيه أنه "على إثر حملة ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تم التوجه إلى بيت المدون والمدافع عن حقوق الإنسان والناشط في تحرك نَفَس، سيف الدين العرفاوي، واصطحابه إلى فرقة مقاومة الإجرام بالقرجاني، حيث تم استنطاقه".

وأضاف البيان أن "النيابة العمومية أذنت، عقب مراجعتها، بالاحتفاظ به لمدة 48 ساعة على خلفية تدوينة نشرها على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك، وتضمنت شعارات رُفعت خلال تحرك نَفَس".

في المقابل، لم تُمنع التحركات الثلاثة الأخيرة لـ"نَفَس" من الخروج فعليًا، وهو ما يفسره بعض المراقبين المشاركين في الحراك بأن الزخم يتصاعد في كل مرة، وأن ذلك يحمل إشارات إيجابية قد تحدد مستقبل المعارضة ككل.

وبمعنى آخر، تبدو السلطة، حتى الآن، وكأنها تفضّل إستراتيجية الاحتواء عبر الترهيب الفردي والملاحقات الانتقائية، بدلًا من المنع الجماعي المباشر للمسيرات. ويمثل ذلك فارقًا مهمًا عن نمط القمع الذي شهدته تونس عقب انتخابات عام 2024.

ويبقى نجاح "نَفَس" في تحريك الشارع التونسي، بالمعنى الواسع للكلمة، رهين ثلاثة عوامل مترابطة: قدرته على ترسيخ خطابه المطلبي المعيشي بصفته أولوية شعبية تتجاوز الانقسامات الحزبية، وصموده أمام الخلافات الداخلية الكامنة بين مكوناته المتباينة أيديولوجيًا، وطبيعة رد فعل السلطة، الذي قد يتحول من الاحتواء الانتقائي إلى قمع أوسع في أي لحظة.

وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، تشير المؤشرات إلى تصاعد تدريجي في زخم المشاركة عبر التحركات الثلاثة المتعاقبة، لكن ذلك لا يرقى بعد إلى دليل قاطع على تحول الحراك إلى قوة قادرة على فرض تغيير سياسي فعلي، ما يجعل تجربة "نَفَس" مفتوحة على احتمالات متعددة، أكثر من كونها قصة نجاح أو فشل محسومة.