50 ألف طن خلال سنة.. من ينقل نفايات إسرائيل إلى الضفة؟ ولماذا؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على مدى أكثر من عقد، تدفقت نفايات مصدرها إسرائيل إلى مناطق مختلفة من الضفة الغربية، فيما تشكلت في جنوب الخليل سوق واسعة لجمع النفايات الإلكترونية وتفكيكها واستخراج المعادن منها. 

وقدّر مراقب الدولة الإسرائيلي، هيئة الرقابة الرسمية على مؤسسات الاحتلال، خلال تقرير صدر في مارس/آذار 2024، أن أكثر من 50 ألف طن من النفايات الإلكترونية الإسرائيلية وصلت إلى الضفة خلال 2023. 

واستند التقرير أيضًا إلى تقدير أممي سابق وضع حجم التدفق عند نحو 30 إلى 40 بالمئة من النفايات الإلكترونية المتولدة في إسرائيل، بما يعادل 57 إلى 64 ألف طن سنويًا وفق البيانات المستخدمة آنذاك.

وتشير سجلات الضبط إلى استمرار حركة الشاحنات حتى 2026، فمنذ بدء عمل "وحدة دافيد" التابعة لما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية عام 2014، سُجل أكثر من 2100 عملية ضبط لشاحنات نقلت نفايات من دون التصاريح المطلوبة.

ماذا ترمي إسرائيل بالضفة؟

تتصدر النفايات الكهربائية والإلكترونية الأنواع التي تتوافر بشأنها أرقام واضحة عن النقل من داخل إسرائيل إلى الضفة، وتتركز أنشطة استقبالها ومعالجتها في إذنا وبيت عوا ودير سامت جنوب وغرب الخليل.

وتُفكك الأجهزة والأسلاك والكابلات هناك لاستخراج النحاس والألمنيوم والحديد والفولاذ، فيما يُحرق جزء من البلاستيك والعوازل لفصل المعادن القابلة للبيع. وقدّرت الإدارة المدنية الإسرائيلية عام 2017 أن هذه الصناعة شملت نحو 380 منشأة ووفرت قرابة 1500 فرصة عمل في المنطقة.

وعمل في إذنا منذ 2017 مسار مرخص لمعالجة الكابلات ميكانيكيًا ضمن مشروع دعمته الإدارة المدنية، وسمح لشاحنات قادمة من داخل إسرائيل بإدخال الكابلات إلى شركة فلسطينية خاصة بشروط بيئية محددة (لم يسمها مراقب الدولة الإسرائيلي).

وكان المصنع يعالج نحو 10 أطنان يوميًا، وسجل بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2023 نحو 410 أطنان، فيما واصلت السوق غير الرسمية استقبال مواد أخرى انتهى جزء منها إلى التفكيك والحرق.

وأظهر مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، في وثيقة صدرت في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، أن "وحدة دافيد" ضبطت 1326 شاحنة نفايات بين 2019 و2025، بينها 222 كانت محملة بنفايات إلكترونية، بما يعادل نحو 16.7 بالمئة من إجمالي الشاحنات المضبوطة خلال الفترة.

ويعكس الرقم حجم ما اكتُشف عند نقاط الرقابة، بينما أقر مراقب الدولة بغياب قاعدة بيانات محدثة تقيس مجموع النفايات التي تغادر إسرائيل وتصل بالفعل إلى مواقع المعالجة والحرق في الضفة.

ويقول لؤي قباجة، مدير مشروع سابق في مجال إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية في الضفة لـ"الاستقلال": إن آثار هذه الصناعة ظهرت بوضوح في إذنا نتيجة حرق المخلفات وما ينتج عنه من تلوث للهواء والتربة.

وأوضح أن السكان عانوا أمراضًا في الجهاز التنفسي وحالات سرطان ومشكلات صحية أخرى، وربط ذلك بالتعرض للدخان والمعادن والمواد الناتجة عن الحرق، كما تحدث عن حالات تشوهات خلقية ومشكلات صحية لدى الإنسان والحيوان.

وأضاف قباجة أن تراكم المعادن ومنها الكروم، ألحق أضرارًا بالتربة وخفض إنتاجيتها الزراعية، وانعكس على المحاصيل الموسمية والأشجار المثمرة، خصوصًا الزيتون والفواكه. 

ولفت إلى أن بعض الأراضي فقدت جزءًا من قدرتها على الإنتاج، وأن تلوث مواقع الحرق امتد أثره إلى الثروة الحيوانية والمراعي، مع انتقال مواد ملوثة خلال الأمطار.

كما تحدث عن ارتفاع محلي في درجات الحرارة لاحظه السكان صيفًا في المناطق المتأثرة بالحرق، وانتقد مستوى الاستجابة الفلسطينية للمشكلة، قائلًا إن السلطة تعمل على تفادي الأضرار "لكن ليس بجدية تامة".

وتشمل الشحنات المنقولة أنواعًا أخرى، ففي 19 يوليو/تموز 2026، أعلنت سلطة جودة البيئة الفلسطينية والضابطة الجمركية ضبط شاحنتين تحملان لوحات إسرائيلية في محافظة قلقيلية، إحداهما تحمل مخلفات هدم وبناء والثانية تربة حمراء.

وقالت السلطة إن الحمولة جاءت من داخل أراضي عام 1948 للتخلص منها في الضفة الغربية قبل إعادة الشاحنتين إلى مصدرهما. وكانت قد كشفت في أبريل/نيسان 2024 موقعًا في عزبة المدور بقلقيلية استُخدم لاستقبال نفايات إسرائيلية وأحالت صاحب الأرض والمتورطين إلى النيابة.

وفي 10 أغسطس/آب 2026 أُغلق بأمر قضائي مكب عشوائي في قلنديا شمال القدس المحتلة، على الطريق المؤدي إلى قرية رافات، بعد قضايا قالت سلطة جودة البيئة إنها تتعلق بإدخال أنواع من النفايات الصلبة القادمة من داخل أراضي عام 1948 والتخلص منها في الموقع.

وتسجل البيانات الفلسطينية أيضًا نقل إطارات مستعملة، ففي بلعا بمحافظة طولكرم ضُبطت نحو 200 قطعة خلال 2021 و2022 وأعيدت إلى مصدرها.

وقدّرت الخطة الإستراتيجية الإسرائيلية في 2026 أن المستوطنين بالضفة ولّدوا نحو 234 ألف طن من النفايات البلدية سنويًا وفق بيانات 2022.

وفي 23 يوليو 2026 أعادت الجهات الفلسطينية شاحنة إسرائيلية ضُبطت في بديا بمحافظة سلفيت محملة بنفايات صلبة إلى مستوطنة أريئيل التي جاءت منها.

كما تصل نفايات من مدن وبلدات داخل الأراضي المحتلة عام 1948 إلى منشآت معالجة في الضفة ضمن ترتيبات رسمية، ومن أبرزها منشأة مشوعا للكمبوست ومطمر توفلان في غور الأردن.

واستقبل الموقعان نفايات من سلطات محلية إسرائيلية، قبل أن يتوقف مطمر توفلان عن العمل خلال 2024.

وفي مسار آخر، ظهرت شركة "فيريديس للبيئة" وذراعها "تي.إم.إم للصناعات المتكاملة لإعادة التدوير" في تحقيق فتحته سلطات الاحتلال.

ففي 20 ديسمبر 2023 داهمت ما تسمى "الشرطة الخضراء" وشرطة الاحتلال مكاتب الشركة وموقعي مشوعا وتوفلان ضمن تحقيق بشبهات اقتصادية وبيئية تخص نفايات بلدية جاءت من سلطات محلية وسط إسرائيل.

وتركز التحقيق على طريقة معالجة النفايات ودفنها والتقارير والرسوم والترخيص داخل منشآت مرخصة في الضفة، بينما ترتبط قضايا "وحدة دافيد" بالشاحنات التي تعبر من دون التصاريح المطلوبة.

لماذا تُنقل إلى الضفة؟

ترتبط حركة النفايات بكلفة التخلص منها داخل إسرائيل، حيث يدفع المنتج أو المقاول تكاليف الجمع والنقل ورسوم دخول منشآت الفرز أو المعالجة، إضافة إلى رسم حكومي على الطمر.

وبلغ رسم طمر النفايات المختلطة 117.22 شيكلًا للطن في 2023، بعدما كان نحو 83 شيكلًا في 2013 وقرابة 111 شيكلًا في 2022، فيما تضاف إلى هذا الرسم تكاليف المنشأة والنقل والمعالجة (الدولار = 2,96 شيكلاً)

ويتيح التخلص في المواقع غير القانونية تفادي جزء من هذه النفقات، إذ وثقت عملية مشتركة لشرطة الاحتلال والإدارة المدنية في ديسمبر 2020 أن أصحاب مواقع تفريغ غير قانونية في الضفة كانوا يتقاضون أموالًا من سائقي شاحنات جمعت النفايات، وفي بعض الحالات مياه الصرف، من مناطق داخل إسرائيل مقابل السماح بتفريغها.

ولم تنشر سلطات الاحتلال تعرفة موحدة للمبالغ التي يحصل عليها أصحاب هذه المواقع، ما يحول دون احتساب هامش ربح ثابت لكل شاحنة.

وتزامنت هذه الحوافز مع تقلص سريع في طاقة المطامر بإسرائيل، فقد وجد مراقب الدولة أن الحجم المتاح في المطامر انخفض من 14.41 مليون متر مكعب عام 2020 إلى 7.67 ملايين متر مكعب مطلع 2025، وحذر في يوليو 2025 من أن الطاقة المتبقية قد تنفد قبل نهاية 2026 إذا تأخرت التوسعة.

وكان مطمر "أفعاه" في الجنوب يستقبل وحده نحو 46 بالمئة من النفايات المدفونة في إسرائيل خلال 2023.

وفي النفايات الإلكترونية، يضاف إلى توفير كلفة التخلص منها عائد آخر من بيع المواد التي يمكن استخراجها، فقد وثق مراقب الدولة خروج أجهزة وكابلات من منظومة إعادة التدوير الرسمية عبر جامعي خردة وناقلي أجهزة وفنيي مكيفات ومقاولي إخلاء المنازل والمكاتب.

وسجل حالات عرضت فيها سلطات محلية وشركات ومصانع نفايات إلكترونية للبيع لمن يقدم سعرًا أعلى، فتتحرك المواد إلى مشترين غير منظمين وصولًا إلى الضفة.

ويشكل بيع النحاس والألمنيوم والحديد والفولاذ المستخرج من الأجهزة والكابلات مصدر دخل للورش والتجار الذين يعالجون هذه المخلفات في الضفة.

وتكشف تجربة إذنا كلفة البديل النظامي، إذ طلبت الشركة المشاركة في المشروع عام 2017 نحو 800 شيكل للطن لتقشير الكابلات ميكانيكيًا، ثم عرضت خفض السعر إلى 600 شيكل، فيما يتيح الحرق فصل المعادن بتجهيزات أقل وكلفة أدنى، مقابل أضرار بيئية وصحية أكبر.

وبحسب قباجة، كانت سلطات الاحتلال قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تسهّل انتقال هذه المواد إلى مناطق المعالجة، ثم بيع المعادن المستخرجة منها بعد التفكيك.

وقال إن النحاس والألمنيوم والحديد الناتج عن المعالجة كان يُباع إلى تجار في مستوطنات قريبة من إذنا أو في منطقة العيزرية، ثم يدخل مجددًا في شبكات تجارة وتصدير عبر الجانب الإسرائيلي إلى أسواق خارجية.

من يقف وراءها؟

تكشف الوثائق سلسلة تبدأ أحيانًا لدى منتج النفايات أو الجهة التي تجمع الأجهزة المستعملة داخل إسرائيل، ثم تمر بجامعي خردة ومقاولين وناقلين وتجار وسائقي شاحنات، وصولًا إلى أصحاب مواقع التفريغ وورش المعالجة الفلسطينية.

ويشرح لؤي قباجة، من واقع عمله في إذنا، جانبًا من هذه الحركة، إذ قال لـ"الاستقلال" إن جهات عديدة تجمع الأجهزة والأثاث والمخلفات الكهربائية من داخل إسرائيل، وإن شهر أبريل يشهد عادة زيادة في الأجهزة والأثاث المستعمل الذي يتخلى عنه إسرائيليون.

وأضاف أن نشاط جامعي المخلفات توسع مع الوقت ليشمل الكابلات النحاسية والأدوات الكهربائية والنفايات الإلكترونية، ثم يتولون نقلها إلى مناطق المعالجة في جنوب الخليل، وخصوصًا إذنا وبيت عوا ودير سامت.

وأوضح أن الوضع تغير بعد 7 أكتوبر وتشديد القيود خلال العدوان على غزة، وأصبح إدخال المخلفات يجري بصورة أكبر عبر التهريب، مع استمرار مرور بعض الشحنات عندما لا ترتبط بمخاوف أمنية أو شبهات سرقة، وفق وصفه.

وأضاف أن إغلاق مداخل إذنا وتشديد الحركة من البلدة وإليها أضر بشدة بقطاع جمع ومعالجة المخلفات الإلكترونية والنشاط التجاري المرتبط به.

وتخلق ترتيبات أوسلو، التي تقسم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج"، ثغرات إضافية في الرقابة، إذ أشار مراقب الدولة إلى صعوبة وصول المفتشين الإسرائيليين إلى بعض مواقع التفريغ والحرق من دون مرافقة عسكرية، إلى جانب ضعف مراقبة سلسلة جمع النفايات الإلكترونية والخردة داخل إسرائيل نفسها.

وتظهر القضايا القضائية أسماء محدودة من العاملين في النقل، ففي 2019 ظهرت شركة “عابد منصور للنقل والاستثمارات” أمام محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس، في ملف يتعلق بشاحنة احتُجزت للاشتباه بنقل مخلفات بناء إلى الضفة من دون تصريح.

وفي العام نفسه ظهر اسم أمان عبيدية في قضية شاحنة احتُجزت منذ 9 يوليو للاشتباه بمخالفات شملت إلقاء نفايات وإدخالها إلى الضفة بصورة غير قانونية، قبل أن تأمر المحكمة في 30 أكتوبر بإعادتها بشروط وضمانات.

ويتعلق هذان القراران بإجراءات حجز المركبات والإفراج عنها أثناء التحقيق، ولم يتضمنا حكمَي إدانة نهائيين في أصل المخالفات.

وعلى مستوى مواقع الاستقبال، أسفرت عملية لشرطة الاحتلال والإدارة المدنية في ديسمبر 2020 عن توقيف أو اعتقال 19 مشتبهًا فلسطينيًا وضبط 17 شاحنة، بعدما قالت السلطات إن أصحاب مواقع تفريغ غير قانونية كانوا يتقاضون أموالًا مقابل استقبال نفايات جُمعت من إسرائيل.

وفي مارس 2023 جاءت عملية أخرى باسم "هواء نظيف" بعد تحقيق سري، واستُجوب خلالها 34 مشتبهًا في قضية شاحنات كانت تصل إلى مواقع تفريغ وحرق في الضفة.

وتتولى "وحدة دافيد" الجزء الرئيسي من مراقبة الشاحنات عند المعابر. وبحسب بيانات عرضت خلال 2025، ضمت الوحدة مديرًا ورئيسي فريق و15 مفتشًا ومنسقة عمليات، وعملت أساسًا في 15 معبرًا باتجاه الضفة.

وقال مسؤولو الإدارة المدنية إن العدد المتاح من المفتشين لا يغطي جميع المعابر، وإن الضبط يعتمد على الكاميرات والعمل السري ومصادر المعلومات، مع صعوبات خاصة في معبر الزعيم شرقي القدس المحتلة، والحاجة إلى تعزيز العمل فيه وفي معبر ترقوميا غرب الخليل.

وضبطت الوحدة 196 شاحنة في 2024 و170 خلال 2025، ثم نحو 100 شاحنة حتى 2 يوليو 2026، بينما أسفرت عمليتان خلال يونيو/حزيران عن ضبط حمولتين بلغتا نحو 120 طنًا و110 أطنان.

ومنذ تخصيص شرطي ومدعٍ للعمل مع الوحدة ابتداء من 2022، بلغ عدد الشكاوى والإحالات 152 خلال 2023–2025، ووصل عدد لوائح الاتهام إلى 10، فيما بقي 64 ملفًا قيد التحقيق عند عرض البيانات.

وربط مسؤولون في الإدارة المدنية خلال مناقشات الكنيست ضعف الردع بقلة الموارد والعقوبات مقارنة بالمكاسب المحتملة من التخلص غير النظامي من النفايات.