خطة غزة أمام انتخابات إسرائيل.. كيف تغيّر حسابات نتنياهو مسار الانسحاب؟

تعلق غزة قبل الانتخابات بين ضغط أميركي لتنفيذ الخطة وحساب انتخابي إسرائيلي
تدخل خطة غزة مرحلة حاسمة قبل انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فيما يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إدارة “خلاف” متصاعد مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول توقيت انسحاب قوات الاحتلال ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية.
وتجري هذه المعركة بعد نحو ثلاث سنوات قتلت خلالها قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 70 ألف فلسطيني ودمرت مساحات واسعة من القطاع، بينما تركز المنافسة بين القوى الإسرائيلية الرئيسة على شروط إنهاء المرحلة العسكرية ومن يملك القدرة على فرض الأهداف التي قادت الحرب.

خطة غزة والانتخابات
تكشف المواقف الانتخابية مساحة واسعة من التقاطع بين حزب الليكود اليميني برئاسة نتنياهو ومنافسيه الرئيسين حول تجريد حماس والفصائل الفلسطينية من السلاح وإنهاء قدرتها على الحكم.
ويتركز الصراع على توقيت الانسحاب، ومعيار اكتمال نزع السلاح، والجهة التي ستحدّد تحقق ذلك، وحجم “حرية العمل العسكري” التي ستحتفظ بها إسرائيل بعد انتقال مناطق من القطاع إلى إدارة فلسطينية وقوة دولية.
ويضع هذا المشهد نتنياهو أمام ضغوط انتخابية من حلفائه في اليمين المتطرف ومن منافسين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، يستطيع كل منهم استخدام أي انسحاب يسبق تفكيكًا ملموسًا لحماس بصفته دليلًا على فشل الحكومة بتحقيق الأهداف التي أعلنتها طوال الحرب.
ونشر “مجلس السلام” في 30 يوليو/تموز 2026 خريطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، وحددت الوثيقة مسارًا ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع ونقل الحكم إلى إدارة فلسطينية وإطلاق إعادة الإعمار.
وربطت هذه الترتيبات بالخطة الأميركية السابقة لوقف العدوان على غزة، فيما يقوم التنفيذ على انتقال مرحلي بين نزع السلاح والتحقق منه وتحريك خطوط قوات الاحتلال، بحيث يرتبط كل تقدم في التفكيك بخطوة مقابلة في الانسحاب.
وتشمل عملية نزع السلاح الأسلحة الثقيلة ومواقع التصنيع والمخازن والأنفاق، وتمنح “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” مسؤوليات مدنية وأمنية متدرجة، فيما تخضع الشرطة لإعادة تنظيم وفحص عناصرها.
وتضع الخطة الأسلحة الشخصية تحت نظام ترخيص وقانون فلسطيني، على أن تنتهي العملية بوجود جهة فلسطينية واحدة تملك سلطة السلاح داخل القطاع. وتتولى “لجنة التحقق الدولية” مراقبة تنفيذ الالتزامات والمصادقة على الانتقال بين المراحل، بمشاركة ممثلين عن الضامنين ومجلس السلام والقوة الدولية.
وبدورها، تتولى “قوة الاستقرار الدولية” الانتشار بين قوات الاحتلال والمناطق التي تنتقل إلى الإدارة الفلسطينية، إلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار وتدريب الشرطة وتأمين حركة المساعدات.
فيما تنتقل مسؤولية الأمن الداخلي إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة، وهو ترتيب يفترض أن يقلّص قدرة جيش الاحتلال على التوغل داخل المناطق التي ينسحب منها ويجعل جزءًا من القرار الأمني مرتبطًا بآليات دولية وفلسطينية.
وتكمن هنا إحدى العقد الرئيسة بالنسبة إلى حكومة الاحتلال التي تطالب بالحفاظ على قدرة عسكرية مستقلة للتدخل داخل القطاع وبعمق أمني داخل غزة بعد انتهاء المرحلة الحالية.
ويتركز الخلاف الأوضح بين نتنياهو والإدارة الأميركية في ترتيب الخطوات؛ إذ تجعل خريطة الطريق نزع السلاح والانسحاب مسارين متوازيين يتحركان على مراحل بعد التحقق من الإنجاز.
وفي 9 أغسطس/آب أعلن في افتتاح جلسة الحكومة رفض وثيقة النقاط الخمس عشرة بصيغتها الحالية، وقال: إن الجيش لن ينفذ انسحابًا قبل تفكيك سلاح حماس بكامل فئاته.
وتتصل العقدة الثانية بمن يحدد اكتمال نزع السلاح؛ إذ تمنح الوثيقة لجنة دولية صلاحية المصادقة على التقدم قبل الانتقال إلى المراحل التالية، بينما أظهرت نقاشات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابينت”، اعتراضات على هوية المشاركين باللجنة وقدرة مراقبين دوليين على ضمان عدم إعادة حماس بناء قوتها.
ويخشى الوزراء اليمينيون أيضًا ترتيبات تسمح بتخزين أجزاء من السلاح تحت سلطة فلسطينية بدل تدميره أو إخراجه من القطاع، وهي نقطة تحولت إلى أحد أبرز محاور الهجوم على الخطة داخل الحكومة.
وتتمثل العقدة الثالثة في شكل السيطرة بعد الانسحاب؛ إذ قال نتنياهو في 5 يوليو: إن إعادة الإعمار ترتبط بنزع السلاح، وتحدث عن إنشاء ما سماه “غلافًا جديدًا لغزة داخل القطاع”.
ويرفع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وأوريت ستروك سقف الشروط إلى مستوى أبعد؛ إذ تظهر تفاصيل اجتماع الكابينت التي نشرتها صحيفة "إسرائيل هيوم" في 7 أغسطس اعتراضات على تطبيق الخطة وخاصة دور القوة الدولية، وأي مسار يربط الانسحاب بتقدم تدريجي في نزع السلاح.
وطالب سموتريتش بتغيير الترتيب الذي يسمح بخطوات إسرائيلية موازية للتفكيك، فيما دفع بن غفير باتجاه استمرار عمليات الاغتيال والهجمات داخل غزة.

من يعاقب نتنياهو؟
تجري الانتخابات الإسرائيلية في وقت يعاني فيه نتنياهو من سباق متقارب مع قوى صهيونية تنافسه على الناخب الأمني واليميني نفسه.
وفي استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية نشر في 10 أغسطس، حصل حزب “يشار” بزعامة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت على 24 مقعدًا مقابل 22 لليكود، بينما حصلت قائمة يقودها نفتالي بينيت على 15 مقعدًا و"إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان على 10.
وحصل حزب "القوة اليهودية" الذي يقوده بن غفير على 8 مقاعد، وحزب "الصهيونية الدينية" بقيادة سموتريتش على 5.
وأظهر استطلاع هيئة البث الإسرائيلية العامة "كان" في 9 أغسطس تقدم الليكود بفارق مقعد واحد تقريبًا على آيزنكوت، ما يعكس سباقًا مفتوحًا تستطيع فيه تحولات محدودة داخل اليمين ويمين الوسط التأثير في فرص تشكيل الحكومة المقبلة.
ويأتي الضغط الأول من داخل المعسكر الذي يعتمد عليه نتنياهو لتشكيل ائتلاف يميني، فـ “بن غفير” وسموتريتش يستطيعان استخدام الانسحاب الواسع من غزة للهجوم عليه من موقع أكثر تطرفًا، خصوصًا إذا انتقلت مناطق إلى إدارة فلسطينية وقوة دولية بينما بقيت أسلحة أو بنية عسكرية لحماس.
وفي اجتماع الكابينت الذي نشرت "إسرائيل هيوم" تفاصيله، طالب بن غفير باستمرار عمليات الاغتيال في غزة، فيما ضغط سموتريتش وستروك لتعديل ترتيبات الخطة قبل تقدم التنفيذ.
ويمنح الحجم الانتخابي للحزبين هذا الضغط وزنًا حقيقيًا، فقد حصلا معًا على 13 مقعدًا في استطلاع القناة 12، وهي كتلة يحتاجها نتنياهو في أي محاولة لإعادة بناء ائتلاف يميني بعد الانتخابات.
ويتعرض نتنياهو في الجهة الأخرى لمنافسة آيزنكوت الذي يستخدم موقعه العسكري السابق لمهاجمة نتائج الحرب. وفي 31 يوليو قال: إن أي اتفاق يجب قياسه بمدى تحقيق هدف تفكيك القوة العسكرية والحكومية لحماس، وعُدّ نتيجة تقل عن ذلك فشلًا.
كما أثار تساؤلات حول مدى مشاركة حكومة الاحتلال في صياغة الترتيبات الأميركية وما إذا كانت وجدت نفسها أمام اتفاق صيغ من دون قدرتها على فرض شروطها.
ويستخدم نفتالي بينيت خطابًا أمنيًا متشددًا يستهدف الجمهور اليميني المستاء من أداء الحكومة؛ إذ اتهم حكومة نتنياهو بالسماح لحماس بإعادة بناء قوتها، وتعهد بأن تعمل أي حكومة يقودها على نزع سلاح الحركة بالكامل.
وبعد بحث المؤسسة الأمنية انسحابات موضعية، هاجم الحكومة بصفتها تُسلّم مستقبل غزة إلى أطراف خارجية، مع تركيز خاص على الدور القطري.
وتوفر هذه الرسالة للناخب اليميني قناة لمعاقبة نتنياهو من خارج أحزاب بن غفير وسموتريتش، عبر مرشح يقدم نفسه بوصفه أكثر قدرة على تحقيق الأهداف العسكرية والأمنية التي تبنتها حكومات الاحتلال خلال الحرب.
ويتقاطع ليبرمان مع هذا الاتجاه من زاوية العلاقة مع واشنطن، ففي 12 أغسطس اتهم نتنياهو خلال جولة في محيط غزة بالتنازل عن استقلالية القرار الأمني، وقال: إن تحركات إسرائيل أصبحت تحتاج إلى تنسيق متزايد مع إدارة ترامب.
أما رئيس المعارضة يائير لابيد، فيركز هجومه على غياب خطة إسرائيلية واضحة للمرحلة التالية وعلى توسيع أدوار قطر وتركيا والسلطة الفلسطينية داخل الترتيبات التي تقودها واشنطن.
وتتحرك هذه الانتقادات داخل مساحة سياسية تعد إخضاع غزة لترتيبات أمنية تضمن تفوق إسرائيل هدفًا مشتركًا، بينما يتنافس أصحابها على تحميل نتنياهو مسؤولية الفشل في تحقيقه أو فقدان القدرة على التحكم بمسار الخطة الأميركية.
وتجعل هذه المنافسة أي انسحاب يسبق تفكيكًا واضحًا لحماس عرضة للاستثمار الانتخابي ضد نتنياهو، سواء من اليمين المتطرف أو من منافسين يخوضون معه معركة على الناخب الأمني ويمين الوسط.

سباق مع الزمن
دخل موعد الانتخابات إلى نقاشات الكابينت بصورة مباشرة؛ ففي تسريب "إسرائيل هيوم" عن اجتماع 6 و7 أغسطس، حذر دافيد زيني رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” من احتمال استخدام حماس عملية التفاوض لكسب الوقت ومنع استئناف عمليات عسكرية واسعة حتى الانتخابات.
وخلال النقاش نفسه تحدث نتنياهو عن أهمية القرارات التي ستتخذ خلال "التسعين يومًا المقبلة"، فردّ بن غفير باتهام المستوى السياسي بتغيير لغته مع اقتراب الاقتراع.
ويقدم هذا النقاش مؤشرًا واضحًا على حضور الجدول الانتخابي داخل حسابات صناع القرار، فيما تبقى قرارات الانسحاب مرتبطة أيضًا بقيود ميدانية وأمنية فعلية.
وتتمثل إحدى هذه القيود في ضعف القوة الدولية مقارنة بالتصورات الأولية؛ إذ أفادت القناة 12 بأن الأعداد المطروحة تضم نحو 500 جندي مغربي ومفاوضات مع أوغندا على مساهمة قريبة وأعداد أصغر من دول أخرى، فيما قدر مسؤولون أمنيون أن دخول القوة إلى غزة قد يحتاج إلى شهر ونصف.
ويضع هذا الجدول الزمني الانتشار الدولي الفعلي قرب نهاية سبتمبر/أيلول، أي قبل الانتخابات بنحو شهر، ما يمنح حكومة الاحتلال حجة إضافية لرفض نقل مناطق واسعة قبل اختبار قدرة القوة الجديدة على العمل ميدانيًا.
وتسمح الأسابيع السابقة للاقتراع بمجموعة من الخطوات المحدودة التي تحافظ على تقدم الخطة من دون نقل السيطرة على مساحات واسعة دفعة واحدة.
تشمل هذه الخطوات استكمال لجنة التحقق وتجهيز منشآت القوة الدولية وتدريب الشرطة التابعة للإدارة الفلسطينية، وإدخال كوادر الإدارة الجديدة إلى مناطق محددة، وخفض العمليات الهجومية، وتشديد شروط الاغتيالات، وتنفيذ مشروعات إعادة إعمار محدودة.
كما بحثت المؤسسة الأمنية انسحابات موضعية يمكن تقديمها داخل إسرائيل بصفتها إعادة انتشار مرتبطة بإنجاز محدد في نزع السلاح.
ويحمل الانسحاب الواسع كلفة انتخابية أعلى، خصوصًا إذا انتقلت مناطق كبيرة من سيطرة الجيش إلى إدارة فلسطينية أو قوة دولية قبل أن تظهر أمام الجمهور الإسرائيلي عملية نزع سلاح واسعة وقابلة للتحقق.
كما يثير منح لجنة دولية صلاحية الحكم على اكتمال التفكيك مشكلة إضافية لنتنياهو الذي يستطيع منافسوه تصوير القرار بصفته تنازلًا عن حرية العمل العسكري وعن القدرة الإسرائيلية المستقلة على تحديد مستوى التهديد داخل غزة.
ولهذا تتركز حساسية المرحلة المقبلة في نقطة الانتقال من التحضيرات والإجراءات الجزئية إلى تغيير واسع ودائم في انتشار القوات.
وتضغط إدارة ترامب باتجاه إبقاء الخطة في مسار التنفيذ، ففي 31 يوليو أعلن ترامب وجود تفاهم بشأن نزع السلاح، وبعد ذلك تقلص مستوى بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية وبدأت ترتيبات مرتبطة بالقوة الدولية وآليات التنفيذ.
ويمنح مجلس السلام واشنطن أدوات إضافية عبر الإشراف على لجنة التحقق والقوة الدولية والإدارة الفلسطينية وإعادة الإعمار والتمويل، ما يجعل تقدم هذه الملفات مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتنسيق مع الإدارة الأميركية.
وفي المقابل، لم يظهر حتى الآن تحذير أميركي معلن بإجراءات عقابية لإجبار حكومة الاحتلال على تنفيذ الانسحاب وفق جدول محدد. وتكشف التطورات الميدانية مسارًا يسمح باستمرار تنفيذ أجزاء من الخطة بالتوازي مع إبقاء الانسحاب الواسع موضع تفاوض؛ إذ كشفت صحيفة "إسرائيل هيوم" في 6 أغسطس أن جيش الاحتلال شدد القيود على عمليات الاغتيال، وأن "مجلس السلام" شرع في تجهيز منشآت للقوة متعددة الجنسيات، وسط ضغط أميركي لدفع تل أبيب نحو خطوات انسحاب جزئية قبل اكتمال نزع السلاح.
وبعد ثلاثة أيام نقلت الصحيفة عن مصادر سياسية إسرائيلية تقديرها أن الخلاف حول شروط الانسحاب قد يقود إلى مواجهة مع إدارة ترامب، فيما تمسك نتنياهو علنًا برفض الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل.
وبهذا تعلق غزة في الأسابيع السابقة للانتخابات بين ضغط أميركي يدفع نحو تنفيذ عملي للخطة وحساب انتخابي إسرائيلي يرفع كلفة الانسحاب الواسع قبل حسم ملف نزع السلاح، ما يجعل موعد الاقتراع عاملًا مؤثرًا في سرعة الانسحاب.
المصادر
- Gaza Peace Plan
- בחירות לכנסת ה-26, ט"ז בחשוון תשפ"ז, 27.10.2026
- האזהרה של זיני בקבינט: "ההסכמה של חמאס - תרגיל הונאה"
- מאחורי הקלעים: למרות שאין עדיין הסכם, התוכנית לפירוז עזה כבר יצאה לדרך
- נתניהו: "לא יהיה שיקום בעזה בלי פירוז. יש עוטף חדש - בתוך הרצועה"
- פרסום ראשון: במערכת הביטחון בדקו אפשרות של נסיגה מכמה מוקדים ברצועת עזה
- סקר חדשות 12: איזנקוט שוב מוביל על נתניהו, וכמה מקבל ארדן?
- סקר כאן חדשות: גוש נתניהו מתחזק במנדט, האיחודים לא עוברים את אחוז החסימה

















