حرب اليمن تدخل مرحلة جديدة.. من يملك مفاتيح الحسم على الأرض؟

الحكومة اليمنية شنت 183 هجوما على الحوثيين خلال 24 ساعة
تشهد جبهات القتال في اليمن تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، في ما يبدو أنه من أكبر موجات التصعيد منذ بدء الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل/ نيسان 2022، مع إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة ضد مواقع وأهداف تابعة لجماعة الحوثيين.
وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي، في 16 أغسطس/ آب 2026: إن العمليات شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية والراجمات، واستهدفت مواقع عسكرية ومصادر نيران وقدرات تستخدم في تنفيذ الهجمات على امتداد خطوط التماس.
وأوضح أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الحوثيين وتدمير معدات وآليات ومخازن أسلحة، فيما امتدت العمليات إلى محافظات تعز ومأرب والضالع ولحج وشبوة والحديدة وأبين وغيرها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إدخال القوات الحكومية طائرات مسيّرة انتحارية موجهة بنظام "الرؤية من منظور الشخص الأول" (إف بي في) إلى الخدمة الميدانية، وسط تقارير تحدثت عن مقتل نحو 200 من عناصر الجماعة خلال 48 ساعة منذ 14 أغسطس/ آب.

حرب مفتوحة
ورغم أن الهدنة التي بدأت في أبريل/ نيسان 2022 أوقفت جانبًا واسعًا من العمليات العسكرية؛ فإن الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي يرى أن الحرب لم تتوقف عمليًا، وأن التطورات الأخيرة قد تدفع البلاد نحو مواجهة أوسع بين القوات الحكومية والحوثيين.
وقال التميمي لـ"الاستقلال": إن الحوثيين "وضعوا اليمن أمام خيار الحرب الحتمية الشاملة"، بعدما باتوا يرون أن المكاسب التي وفرتها الهدنة لم تعد كافية. مشيرًا إلى رغبتهم في تثبيت نفوذهم على المناطق الخاضعة لسيطرتهم، والحفاظ على خطوط الإمداد والعلاقات المفتوحة مع إيران.
وبحسب التميمي، فإن طبيعة التصعيد الحالية تختلف عن المناوشات المحدودة التي شهدتها السنوات الماضية؛ إذ إن ارتفاع مستوى العمليات العسكرية، وتوسيع نطاق الاستهداف، واستخدام وسائل قتالية جديدة، كلها عوامل قد تجعل استمرار المواجهة ضمن سقف منخفض أمرًا أكثر صعوبة.
ويرى المحلل أن أي مواجهة واسعة لن تكون بالضرورة تكرارًا للحروب السابقة، بل قد تشهد اعتمادًا أكبر على العمليات البرية من جانب القوات الحكومية، مدعومة بقدرات عسكرية نوعية، إلى جانب الغطاء السياسي والعسكري الذي يمكن أن يوفّره التحالف العربي.
وتعزّز التطورات الميدانية هذه المخاوف، خصوصًا مع الحديث عن دفع الحوثيين بقوات إلى جبهتي البرح ومقبنة، وسقوط أعداد كبيرة منهم خلال المعارك الأخيرة، وفق مصادر عسكرية نقلت عنها وسائل إعلام، تحدثت عن تشييع الحوثيين أكثر من 184 من قتلاهم خلال أسبوع، بينهم 64 ضابطًا.
وفي المقابل، فإنّ الحديث عن حرب شاملة لا يعني بالضرورة أن قرار المواجهة قد اتُخذ بصورة نهائية؛ إذ تبقى عوامل سياسية وإقليمية عدة مؤثرة في مسار الصراع، فضلًا عن حسابات الأطراف المحلية والدولية.

دور التحالف
يثير اتساع رقعة المواجهات سؤالًا آخر يتعلق بمستقبل دور التحالف العربي، وما إذا كان سيعود إلى لعب دور مباشر في حال تحولت المناوشات الحالية إلى حرب واسعة.
وأعرب التميمي عن اعتقاده أن الحوثيين وإيران دأبوا على تقديم التحالف بوصفه طرفًا أصيلًا في الحرب، في محاولة لتهميش الحكومة اليمنية والقوات التابعة لها، مقدرا أن هذا الخطاب يمنح الحوثيين فرصة لإعادة تقديم الصراع بصفته مواجهة إقليمية بدلًا من كونه صراعًا داخليًا على الدولة اليمنية.
وقال التميمي: إن الحوثيين "مصرّون على ربط الحرب بالتحالف، مما يتيح لهم استهداف دول التحالف، وعلى رأسها السعودية، لإضفاء أبعاد إقليمية على حربهم العدوانية الموجهة ضد الشعب اليمني".
ومن هذا المنطلق، رأى التميمي أن مهمة التحالف في حال اندلاع مواجهة أوسع قد تتركّز على دعم القوات الحكومية وتعزيز تفوقها النوعي، فضلًا عن التعامل مع التداعيات الإقليمية المحتملة للحرب.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل احتمال اتساع نطاق المواجهة إلى خارج الحدود اليمنية، خصوصًا إذا لجأ الحوثيون إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف إقليمية، وهو ما قد يحول الحرب من مواجهة يمنية داخلية إلى أزمة متعددة الأطراف.
لكن طبيعة التدخل المحتمل للتحالف ستختلف، على الأرجح، عن المراحل السابقة من الحرب؛ إذ إن تجربة السنوات الماضية أظهرت كلفة التدخل العسكري المباشر، فيما باتت القوات الحكومية تمتلك خبرة ميدانية أكبر، وفق التصريحات الواردة في المصادر.
كما أن دخول طائرات مسيّرة من طراز "إف بي في" إلى العمليات العسكرية يمثل تطورًا تكتيكيًا لدى القوات الحكومية، نظرًا لقدرتها على استهداف الآليات المتحركة والمواقع العسكرية، خصوصًا في المناطق المفتوحة والتضاريس الجبلية.
وبذلك، فإن المعركة المقبلة، إذا اندلعت، قد تعتمد بدرجة أكبر على الجمع بين القدرات البرية والطائرات المسيّرة والاستطلاع، بدلًا من الاعتماد على نمط واحد من العمليات.

موازين القوة
بعد سنوات الهدنة، تبدو موازين القوة في اليمن أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة أعداد المقاتلين والأسلحة؛ إذ أتاحت الفترة الماضية للحوثيين تطوير قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما راكمت القوات الحكومية خبرة ميدانية وعملياتية، مع استمرار التباين في طبيعة القدرات المتاحة لكل طرف.
وأشار الخبير العسكري اليمني محمد الكميم إلى أن الحوثيين ركزوا خلال السنوات الماضية على تطوير واستخدام السلاح الصاروخي والطائرات المسيّرة، مقدرا أن الجماعة أدركت أن هذه الأسلحة تستطيع منحها تأثيرًا يفوق حجمها العسكري على الأرض.
وقال الكميم، في مقال نشره على منصة "إكس" في 15 أغسطس/ آب: إن الحوثيين "اتجهوا بقوة نحو الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنظومات بعيدة المدى؛ لأنه اكتشف أن هذه الأسلحة تمنحه تأثيرًا أكبر بكثير من حجمه الحقيقي على الأرض".
وبحسب هذا التقدير، فإن اعتماد الحوثيين على الأسلحة بعيدة المدى لا يعني بالضرورة امتلاكهم القدرة على حسم حرب برية؛ إذ تختلف متطلبات إحداث الضرر عن متطلبات السيطرة على الأرض وإدارتها.
وأشار الكميم إلى أن الحرب البرية تحتاج إلى قوات مقاتلة وقيادات ميدانية وإمداد مستمر ورواتب وتدريب وانضباط وقدرة على تعويض الخسائر، فضلًا عن إمكانية التقدم والاحتفاظ بالمناطق والسيطرة عليها.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى ميزان القوة لا يتعلق بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي يستطيع الحوثيون إطلاقها، وإنما بقدرتهم على تحويل هذه القدرات إلى مكاسب ميدانية وسياسية مستدامة.
وفي المقابل، فإن القوات الحكومية أمام اختبار مختلف؛ فامتلاك القدرة على تنفيذ عمليات هجومية واسعة يتطلب مستوى من التنسيق والقيادة والإمداد والاستقرار السياسي، وهي عوامل ستكون حاسمة في حال انتقلت المواجهة من المناوشات إلى حرب مفتوحة.

سيناريوهات التصعيد
تبدو السيناريوهات المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، في ظل استمرار التصعيد الميداني وارتفاع مستوى الخطاب السياسي والعسكري. ويتمثل السيناريو الأول في انزلاق المواجهات تدريجيًا إلى حرب شاملة، وهو الاحتمال الذي رجحه ياسين التميمي.
ورأى المحلل اليمني خلال حديثه أن المناوشات الحالية قد "تتدحرج وتكبر لتصبح حربًا شاملة"، مع احتمال أن تؤدي في النهاية إلى تحييد الحوثيين عسكريًا وربما سياسيًا.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار حرب الاستنزاف دون تمكن أي طرف من تحقيق حسم نهائي. ويرى التميمي أن التطورات قد تكرس "معادلة حرب لا تصل إلى مرحلة الحسم، ولا يشعر أي طرف فيها بأنه على وشك الحسم"، بحيث تبقى الجبهات نشطة مع عمليات عسكرية متقطعة وهجمات بالصواريخ والمسيّرات.
وبرز كذلك احتمال ثالث يتمثل في تدخل عوامل سياسية وإقليمية لاحتواء التصعيد قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة، خصوصًا إذا دخلت أطراف إقليمية ودولية على خط الوساطة، أو ظهرت تفاهمات جديدة تحول دون توسع العمليات.
لكن الإعلامي اليمني سيف الحاضري، في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 15 أغسطس/ آب، يتبنى رؤية أكثر اندفاعًا نحو المواجهة، مقدرا أن الحرب بدأت بالفعل، وأن استمرار الانتظار قد يؤدي إلى ضياع فرص عسكرية وسياسية.
أما محمد الكميم، فيرى أن امتلاك الحوثيين القدرة على إحداث الضرر بالصواريخ والمسيّرات لا يعني امتلاك القدرة على الانتصار في حرب برية، مؤكدًا أن "امتلاك القدرة على الإيذاء لا يعني امتلاك القدرة على الانتصار".
ووفق هذه التقديرات المتباينة، فإن المعادلة اليمنية تبدو أمام مرحلة دقيقة؛ فاستمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة، بينما قد يؤدي تراجع حدته إلى العودة إلى نمط المناوشات والضغط المتبادل.
وفي كلتا الحالتين، فإن ما بعد هدنة 2022 قد لا يكون بالضرورة شبيهًا بما قبلها، بعدما تغيرت أدوات القتال، وتراكمت الخبرات، وأصبح السلاح المسيّر والصاروخي جزءًا أساسيًا من معادلة الحروب الجديدة.

















