طيارو إيران في قطر.. لماذا تغيرت رواية طهران بعد 6 أشهر؟

السلطات القطرية نفت بشكل قامع وجود طيارين إيرانيين على أراضيها
تصاعد الخلاف بين إيران وقطر بشأن مصير ثلاثة طيارين إيرانيين فقدوا بعد حادث إسقاط مقاتلتين إيرانيتين في الأجواء القطرية في الثاني من مارس/آذار 2026، بعدما انتقلت طهران من الحديث عن طيارين مفقودين إلى التأكيد أنهم أسرى لدى الدوحة منذ ستة أشهر، في ظل نفي قطري قاطع.
وتطالب إيران حاليا وبعد 6 أشهر من الحادثة بالسماح لفريق من الخبراء بدخول الأراضي القطرية للتحقيق في مصير الطيارين، كما طلبت من اللجنة الدولية للصليب الأحمر التدخل للوصول إليهم.
وفي المقابل، تقول الدوحة إنها عثرت على رفات أحد الطيارين في مارس، وسلمته إلى إيران، وإنها وجهت دعوة إلى فريق إيراني للاطلاع على عمليات البحث والتحقق من ملابسات الحادث، لكن طهران لم تستجب لها.

رواية متغيرة
الرواية الإيرانية في بداية القضية كانت تتحدث عن فقدان ثلاثة طيارين، فيما أكدت طهران لاحقا مقتل الطيار مجيد كاظمي بعد التحقق من هويته، قبل أن تعلن في 15 أغسطس/آب 2026، أن جواد صالحي وعبد المجيد دشتيان وعمران بهروشيان، أسرى لدى قطر منذ ستة أشهر.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في 16 أغسطس إن بلاده تريد توضيحات بشأن وضع الطيارين، وإنها لن تدخر جهدا لمعرفة مصيرهم، فيما طالبت طهران بالسماح للجنة من الخبراء وتقصي الحقائق بدخول قطر وإجراء تحقيق ميداني.
وفي اليوم التالي، جددت إيران تأكيدها عد الطيارين الثلاثة أسرى إلى حين التحقق من مصيرهم، بينما أعلنت هيئة الأركان الإيرانية أنها طلبت من اللجنة الدولية للصليب الأحمر المساعدة في ضمان الإفراج عنهم.
وقال العميد محمد باقر زاده، قائد لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان الإيرانية، إن فريقا فنيا ينتظر منذ أشهر الحصول على تصاريح لدخول قطر، مؤكدا أن مهمته تقتصر على التحقيق الميداني في المعلومات المتعلقة بالطيارين، متهما الجانب القطري بالعرقلة والمماطلة في القضية.

لكن قطر قدمت رواية مختلفة، ففي 18 أغسطس، قال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري: إن بلاده عثرت في 19 مارس على رفات أحد الطيارين، وسلمته إلى الجانب الإيراني.
وأضاف الأنصاري أن الدوحة دعت إيران إلى إرسال فريق فني للاطلاع على عمليات البحث والتحقق من ملابسات الحادث، لكن طهران لم تستجب، مؤكدا أن الدعوة لا تزال مفتوحة.
وفي 15 أغسطس، أكد الأنصاري أن بلاده تنفي بشكل قاطع الادعاءات التي تم تداولها بشأن احتجاز طيارين إيرانيين، ونستغرب هذه التصريحات المضللة في هذا التوقيت تحديدا، في ظل استمرار المساعي والجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة.
وأكد المتحدث أنه تم التواصل مع الطيارين المعنيين بعد خرقهم للأجواء القطرية والتأكد من مسار الاستهداف، وبعد اتباع قواعد الاشتباك والتواصل معهم دون إجابة، تم اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضينا وفقا لمقتضيات القانون الدولي، وهو ما تم إيضاحه في حينه عبر القنوات الرسمية.
صراع داخلي
تعليقا على ذلك، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر علي الهيل، في حديث لـ"الاستقلال"، أن تسلسل الأحداث هو المدخل الأساسي لفهم سبب ظهور الرواية الإيرانية الجديدة في هذا التوقيت.
وأضاف الهيل أن النقطة اللافتة تتمثل في أن الإيرانيين لم يستجيبوا لدعوة الدوحة لما أبلغتهم به بشأن رفات الطيار الذي عصرت عليه في أبريل، قبل أن تظهر بعد ذلك، في منتصف أغسطس، رواية مختلفة تتحدث عن احتجاز طيارين إيرانيين في قطر.
وأشار إلى أن المتحدث باسم الخارجية القطرية نفى بشكل قاطع احتجاز أي طيار إيراني، بينما قالت إيران إنها سترسل فريقا للتحقق، ورد الجانب القطري، بالقول: "هاتوا لجنة التحقيق".
ثم ينتقل الهيل إلى تفسير محتمل للتغيير في الرواية، بالقول إن هناك حديثا عن خلافات داخلية في إيران، وعن تباين بين مواقف الرئيس مسعود بزشكيان والحرس الثوري الإيراني بشأن مسار الصراع مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية القطري، أن القضية قد تكون مرتبطة أيضا بصراع أوسع داخل إيران، لكنه شدد على أن ما يطرحه لا يتجاوز حدود الاحتمال، مؤكدا: "أنا أقول ربما، لأني باحث علمي، ولم أقم بمسح ميداني، ولا بإجراء بحث وتقص للحقائق".
وفي قراءة مماثلة، قال الناشط القطري أحمد اليحيري، خلال تدوينة على "إكس" في 16 أغسطس، إن إثارة قضية الطيارين بعد ستة أشهر قد تكون مرتبطة بالظروف الداخلية في إيران، مقدرا أن الاعتراف بوجود أزمات داخلية قد يترافق مع توجيه الغضب الشعبي إلى الخارج.
في المقابل، حذر الباحث الإيراني محمد صالح صدقيان من أن تحويل قضية الطيارين إلى أزمة إعلامية قد يضر بالعلاقة بين إيران وقطر، خصوصا أن الدوحة تؤدي دورا في الوساطة بين طهران وخصومها.
وقال صدقيان، خلال تدوينة على "إكس" في 16 أغسطس إنه "من غير الصحيح فتح قضية الطيارين الإيرانيين المفقودين مع قطر في وسائل الإعلام في الظروف الراهنة"، مقدرا أن قطر صديقة لإيران، وأن القضية ينبغي ألا تتحول إلى مواجهة إعلامية بين البلدين.
وأشار الباحث الإيراني إلى أن مطالبة منظمة الصليب الأحمر بالتحقق من القضية تعني إدخال طرف دولي في الملف، وهو ما قد يزيد تعقيد القضية، لافتا إلى أن الخلاف يمكن حله من خلال القنوات الدبلوماسية.
وربط صدقيان بين أهمية الحفاظ على العلاقة مع قطر وبين دورها في الوساطة، قائلا إن "قطر تدخل بوساطة مع باكستان في المفاوضات مع الجانب الأميركي"، وأن أي خلاف بين البلدين يمكن حله دبلوماسيا "احتراماً للصداقة بين البلدين الشقيقين".
ضغط متأخر
ويذهب محللون آخرون إلى قراءة مختلفة للتوقيت، ويربطون إثارة القضية باحتمال وجود حسابات سياسية إيرانية تجاه قطر، ولاسيما ما يتعلق بأموال إيران المجمدة في الخارج، والتي كان من المفترض أن تستردها كواحدة من البنود اتفاقية الـ60 يوما مع الولايات المتحدة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإيراني صباح الخزاعي، إن قضية الطيارين تكشف "تناقضا صارخا" في الرواية الإيرانية، مشيرا إلى أن طهران كانت تتحدث قبل أيام عن أن مصير الطيارين الثلاثة مجهول، قبل أن تقول إنهم أحياء ومحتجزون في قطر منذ ستة أشهر.
وتساءل الخزاعي عبر تدوينة على "إكس" في 16 أغسطس، عن الدليل الذي تستند إليه إيران في القول إن الطيارين الثلاثة أحياء ومحتجزون في قطر، مشيرا إلى عدم وجود صور أو زيارة للصليب الأحمر أو اتصال بالعائلات أو دليل مستقل منشور على ذلك.
ورأى الخبير في الشأن الإيراني أن الرواية القطرية تبدو، في ضوء التسلسل الزمني والأدلة المعلنة، أكثر اتساقا، مقدرا أن إيران تحاول تحويل مصير مفقوديها إلى قضية أسرى لإحراج قطر دوليا.
أما الباحث في مركز "الجزيرة" للدراسات، لقاء مكي، فيركز على سؤال التوقيت أيضا، متسائلا: عن سبب عدم إثارة طهران القضية خلال الأشهر السابقة، وعدم طرحها خلال الاتصالات والزيارات الإيرانية إلى الدوحة.
وخلص مكي عبر تغريدة على "إكس" في 16 أغسطس، إلى أن إيران قد تكون تستخدم القضية للضغط على قطر في ملفات أخرى، مشيرا تحديدا إلى قضية الأموال الإيرانية المجمدة ومسار التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة، وأن إثارة الملف حاليا قد تكون جزءا من محاولة للضغط على الدوحة.

















