من الأسدي إلى قيادات أكبر.. هل بدأ "تقليم" الطبقة السياسية الشيعية في العراق؟

يوسف العلي | منذ ١٠ دقائق

12

طباعة

مشاركة

في سابقة لافتة منذ عام 2003، أصدر القضاء العراقي أمرا بالقبض على أحد قادة الإطار التنسيقي الشيعي، على خلفية قضايا فساد مالي، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن حدود المحاسبة داخل الطبقة السياسية الشيعية، أم أنه جزء من إعادة ترتيب داخل القوى الشيعية الحاكمة.

وأصدرت السلطات العراقية في التاسع من آب/ أغسطس 2026 أمري قبض بحق أحمد الأسدي، رئيس حركة سومريون ووزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق، وأحد قيادات الإطار التنسيقي، وذلك على خلفية قضية تتعلق بالكسب غير المشروع وتضخم الأموال.

وذكرت وكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع" أن المحكمة أصدرت أمر قبض بحق الأسدي، على خلفية اتهامات تتعلق بالانتفاع مباشرة من التعاقدات والأشغال التي كان له شأن بإعدادها عندما كان وزيرا للعمل (2022- 2026)، وتمرير تعاقدات مخالفة للقانون للحصول على منفعة له أو لغيره. 

"ضوء أخضر"

ويأتي أمر القبض في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن ما إذا كان الإطار التنسيقي قد بدأ بالفعل بالتخلي عن بعض قياداته، خصوصا تلك التي أصبحت موضع انتقادات سياسية وشعبية، في ظل حديث عن مراجعة داخلية لأسماء وشخصيات تصدرت المشهد خلال السنوات الماضية.

المتحدث باسم تحالف "خدمات"- الذي كان الأسدي أحد قادته- حسام الربيعي قال خلال تصريح صحفي في 18 أغسطس: إن الأخير لم يعد مرتبطا بنا، وإنه خاض الانتخابات البرلمانية (2025) ضمن ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

وأكد الربيعي أن التحقيقات المتعلقة بالتحويلات المالية في قضية الأسدي لم تثبت أي إدانة رسمية حتى الآن، مشددا على أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". ومبينا أن الأسدي موجود حاليا في "سفرة علاجية" ومن المتوقع عودته للامتثال أمام القضاء وتقديم دفوعاته. 

وأضاف أن حملات مكافحة الفساد السابقة افتقدت إلى الاستمرارية والعدالة في التطبيق، قائلا: إن الحكومات وقعت في "فخ الانتقائية" بدلا من معالجة منظومة الفساد بمختلف مستوياتها.

وشدّد على ضرورة ألا تقتصر المحاسبة على الرؤوس الكبيرة فقط، وإنما تشمل الإدارة الوسطى والصغيرة، بهدف تفكيك منظومة الفساد، كما دعا إلى الحفاظ على سرية التحقيقات القضائية إلى حين إعلان النتائج النهائية عبر القنوات الرسمية. 

وكان الأسدي قد أكد، قبل صدور أمر القبض، تعاونه مع القضاء في ملفات شبهات الفساد، وقال في تسجيل صوتي صدر في 21 يوليو، إنه كان في رحلة علاجية خارج العراق عندما صدر تصرف من أحد المقربين منه وأثار شبهة فساد. مؤكدا أن الجهات المختصة تولت الإجراءات.

وقال الأسدي: إن "الأموال التي وجدت هي أموال شرعية وقانونية وفيها وثائق"، وإن قيمتها أقل من الأرقام التي جرى تداولها، كما نفى في التسجيل أن يكون مطلوبا للقضاء في ذلك الوقت. 

وفي 21 يوليو، قال القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفايز: إن رئيس الوزراء علي الزيدي أبلغ قادة الإطار بعزمه اعتقال وزير العمل السابق أحمد الأسدي فور عودته من أستراليا، على خلفية شبهات فساد. مشيرا إلى أن الأسدي يتخوف من العودة حاليا.

وأوضح الفايز أن الإطار التنسيقي بحث قضية الأسدي مع الزيدي، ومنحه الضوء الأخضر لملاحقة أي متهم بالفساد، حتى لو كان من قادة الإطار، شريطة الالتزام بالإجراءات القانونية وعدم تشويه سمعة المتهم قبل انتهاء التحقيقات.

وأشار إلى أن الأموال التي ضبطت بحوزة الأسدي لا تعني بالضرورة ارتكابه جريمة، موضحا أن وجود مبالغ في منزل شخص قد تكون له أسباب مشروعة، مثل الإرث أو بيع عقار، ودعا إلى انتظار نتائج التحقيق بدلا من إصدار أحكام مسبقة.

تقليم سياسي

وفي ظل الحديث عن احتمال انتقال إجراءات المحاسبة إلى شخصيات سياسية أكبر، قال المحلل السياسي غالب الدعمي: إن هناك حديثا عن احتمال اعتقال رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، لكنه استبعد حدوث ذلك.

وأوضح الدعمي، في مقابلة تلفزيونية، أن هناك ما وصفه بـ"اتفاق شيعي" منذ تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء عام 2006، يقضي بعدم اعتقال أي رئيس وزراء شيعي مهما ارتكب من مخالفات، بتقدير أن ذلك ينظر إليه على أنه إساءة إلى الشيعة.

وقال الدعمي: "أعطني حكومة منذ عام 2005 لم يكن فيها فساد، فجميع الحكومات شهدت فسادا".

وفي السياق ذاته، تحدث الدعمي عن الطبقة السياسية الشيعية، وقال: إنها تضم نحو 12 شخصية بارزة، متوقعا أن يجرى تقليص العدد تدريجيا إلى سبع شخصيات، في عملية وصفها بـ"التقليم".

وقال: "كما نقلم الأشجار في الصيف حتى تنمو بصورة أفضل، فإن علي الزيدي سيقلم هذه الطبقة السياسية، وبموافقتهم". مشيرا إلى أن العملية بدأت بمقربين من السوداني، وقد تنال شخصيات أو جهات أخرى.

وأضاف أن بعض الشخصيات السياسية التي أصبحت مثار استياء أو عبء على جمهورها قد تحصل على "حقها" من المحاسبة، مؤكدا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها فازت أو خسرت سياسيا، وإنما يأتي ضمن التعامل مع ملفات الفساد داخل الطبقة السياسية.

أما الباحث في الشأن السياسي العراقي بهاء الدين البرزنجي، فقد قال لـ"الاستقلال": إن أحمد الأسدي يعدّ "الطرف الأضعف في الإطار التنسيقي الشيعي". مضيفا أنه بدأ يتوسع ماليا بصورة كبيرة، وأن ذلك كان بهدف منافسة زعامات كبيرة وقوية داخل الإطار، ولذلك "الكل تبرأ منه".

واتفق البرزنجي مع الرأي القائل إن الإطار التنسيقي يسعى إلى تقليص عدد قياداته، والإبقاء على الأطراف التقليدية التي كان لها حضور منذ بداية العملية السياسية بعد عام 2003.

وذكر من بين هذه الشخصيات نوري المالكي وهادي العامري وعمار الحكيم وهمام حمودي وحيدر العبادي وقيس الخزعلي ومحمد شياع السوداني، بينما توقع أن تتراجع أسماء أخرى تدريجيا.

ورأى البرزنجي أن موافقة الإطار التنسيقي على الإطاحة بالأسدي تأتي ضمن محاولة لـ"امتصاص غضب الشارع الشيعي" من الطبقة السياسية الشيعية التي تتهم بالفساد المالي، حتى يقال: إن الفاسد سيناله القانون.

لكن الباحث استبعد في الوقت نفسه، أن تنتهي القضية بمحاكمة الأسدي، مرجحا إمكانية إجراء تسوية معه، تتضمن دفع الأموال وإصدار قرار بالإفراج عنه، مع إبعاده عن المشهد السياسي.

وأشار إلى أمثلة سابقة، بينها النائب الشيعي السابق هيثم الجبوري، ووزير التجارة السابق فلاح السوداني، الذي قال: إنه حكم عليه بالسجن ثم أفرج عنه ضمن قانون للعفو. 

مسيرة الأسدي

ولد أحمد جاسم صابر الأسدي عام 1971 في محافظة ذي قار جنوبي العراق، وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية، وماجستير في العلوم السياسية، إضافة إلى دبلوم في إدارة الأعمال الدولية.

ويتحدث هو عن مسيرة حياته بأنه كان معارضة لنظام صدام حسين قبل عام 2003، فهو يتملك الجنسية الأسترالية، إضافة إلى العراقية، وأنه كانت له نشاطات عسكرية معارضة داخل العراق.

في مارس/آذار 2025، تحدث الأسدي خلال مقابلة تلفزيونية عن مشاركته في خطة قال: إنها استهدفت اغتيال الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 1982 بأمر من إيران، أثناء وجوده في تكريت لمتابعة بناء القصور الرئاسية. 

وذكر أن الخطة تأخرت بسبب صعوبات أمنية ولوجستية، قبل أن تنكشف بعد اعتقال شاب في البصرة، بحسب رواية الأسدي. مضيفا أن السلطات اعتقلت لاحقا 16 شخصا على خلفية القضية، وقال: إنّهم أعدموا، لكن ما وضعه في حرج حين ذكّرته مقدمة البرنامج أن عمره في عام 1982، كان عشرة أعوام فقط.

وتذكر سيرة الأسدي المنشورة على العديد من المواقع الإخبارية المحلية، أنه عمل محاضرا في عدد من الجامعات العراقية والدولية، كما تولى رئاسة نادي الفتح الرياضي.

بدأ الأسدي مسيرته المهنية والسياسية في مواقع عدة؛ إذ شغل منصب مستشار للمصالحة الوطنية في مكتب رئيس الوزراء بين عامي 2011 و2014، قبل أن يتولى منصب الناطق الرسمي باسم هيئة الحشد الشعبي بين عامي 2014 و2018.

وخلال تلك الفترة، برز اسمه في المشهد السياسي والإعلامي المرتبط بالحشد الشعبي، كما ارتبط بقيادة مليشيا “كتائب جند الإمام” التي أصبحت لاحقا ضمن تشكيلات "الحشد" الرسمية.

وانتقل الأسدي بعد ذلك إلى العمل البرلماني، فكان نائبا في مجلس النواب العراقي، وشغل عضوية لجنة الأمن والدفاع النيابية في الدورة الثالثة، ثم أصبح نائبا عن تحالف "الفتح" القريب من إيران في الدورة الرابعة بين عامي 2018 و2021، وعضوا في اللجنة ذاتها.

كما ترأس كتلة "السند الوطني" النيابية بين عامي 2018 و2021، وشغل عضوية لجنة تعديل الدستور العراقي خلال عامي 2019 و2020، ثم أصبح عضوًا في اللجنة القانونية النيابية في الدورة الخامسة.

وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2022، منح مجلس النواب العراقي الثقة للأسدي وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية في حكومة محمد شياع السوداني. وتولى خلال وجوده في الوزارة ملفات مرتبطة بالحماية الاجتماعية وإعانات الرعاية والعمالة والضمان الاجتماعي.

وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أضيفت إلى مهامه إدارة وزارة التربية بالوكالة، إلى جانب استمراره وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية، وذلك خلال مدة حكومة تصريف الأعمال بعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

وانتهت مهمته في السلطة التنفيذية مع التغييرات السياسية والحكومية التي شهدها العراق عام 2026 وتشكيل حكومة علي الزيدي، ليعود إلى النشاط السياسي من خلال حركة "سومريون" التي حققت 8 مقاعد برلمانية ضمن ائتلاف "الإعمار والتنمية"، قبل أن يقصى أخيرا بسبب قضايا فساد.