البرهان في القصر الجمهوري بالخرطوم.. عودة الدولة أم رمزية السلطة؟

داود علي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في مشهد جمع رمزية المكان ودلالة التوقيت، استأنف رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في 13 أغسطس/آب 2026، مهامه الرسمية من القصر الجمهوري بالخرطوم، متسلما أوراق اعتماد ثلاثة سفراء جدد، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من انتقال مركز الحكم إلى بورتسودان. 

لم تكن الخطوة مجرد عودة إلى مقر أعيد تأهيله بعد الحرب، بل إعلانا سياسيا بأن مؤسسات الحكم استعادت موقعها في قلب العاصمة التي كانت تسيطر قوات الدعم السريع على أبرز مرافقها منذ أبريل/ نيسان 2023. 

وبين مراسم توحي باستقرار الدولة وجبهات لا تزال مشتعلة غربا، يبرز السؤال، هل استعادت الخرطوم مركز الحكم فعلا، أم سبقت رمزية السلطة اكتمال عودة المدينة وسكانها؟

قصر حمل ذاكرة الدولة 

وتتجاوز قيمة القصر الجمهوري وظيفته مقرا لرئاسة الدولة، إذ يرتبط تاريخه بتحول الخرطوم إلى مركز للحكم في السودان. 

ووضع حجر أساس "سراي الحكمدارية" عام 1825، قبل أن تتعاقب عمليات إعادة بنائها وتوسعتها، وصولًا إلى تشييد القصر في صورته الحديثة على الأساس الحجري للمبنى القديم خلال سنوات الحكم الثنائي مطلع القرن العشرين.

وفي الأول من يناير/ كانون الثاني 1956، شهد القصر واحدة من أبرز لحظات التاريخ السوداني، عندما أنزل رئيس الحكومة إسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة محمد أحمد المحجوب العلم البريطاني، ورفعا علم السودان على ساريته. 

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مقر الحاكم العام السابق رمزا للاستقلال ومقرا لرئاسة الدولة بمختلف مسمياتها وأنظمة الحكم التي تعاقبت عليها.

ويضم المجمع الرئاسي القصر التاريخي القديم والقصر الرئاسي الجديد الذي افتتح عام 2015، إلى جانب مباني رئاسة الجمهورية وقيادة الحرس الجمهوري والمكتبة والمسجد والحدائق.

كما يضم مبنى مستقلا لمتحف القصر الجمهوري، كان في الأصل كاتدرائية قبل تحويله إلى متحف وافتتاحه رسميا في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1999. 

وكان المتحف يوثق تاريخ الحكم والحركة الوطنية عبر وثائق وصور وأوسمة وسيارات رسمية ومقتنيات تعود إلى رؤساء وحكام السودان.

شاهد على الحرب

لكن هذا المجمع، تحول منذ الساعات الأولى للحرب الحالية إلى إحدى أعنف ساحات القتال في الخرطوم. وسيطر المتمردون عليه، بينما امتدت المواجهات إلى السوق العربي وشارع الجامعة والمقار الحكومية المحيطة به.

وألحقت المعارك والحرائق أضرارا واسعة بالمباني والمرافق، كما تعرض المتحف والمكتبة للنهب والتخريب، وتحولت كتب ووثائق نادرة إلى رماد، وظهرت سيارات تاريخية محطمة بين الأنقاض.

وفي 21 مارس/آذار 2025، أعلن الجيش استعادة القصر بمبنييه القديم والجديد، ضمن تقدمه في وسط الخرطوم. لكن الدمار أبقى المجمع بعيدا عن النشاط الرسمي، قبل أن تبدأ أعمال إصلاح وتأهيل أتاحت استخدام المبنى الرئاسي في المراسم والاجتماعات. 

ولا تعني هذه العودة اكتمال ترميم المتحف أو استعادة مقتنياته، لكنها نقلت القصر، بعد نحو 17 شهرا من استعادته عسكريا، من موقع شهد إحدى أبرز معارك العاصمة إلى مقر يعمل منه رأس الدولة مجددا.

العودة إلى الخرطوم

وقد أجبرت المعارك الحكومة ومؤسسات الدولة على الانتقال من الخرطوم إلى بورتسودان، التي أصبحت مركز الحكم الفعلي مستفيدة من بقائها خارج نطاق القتال المباشر، واحتضانها الميناء الرئيس والمطار الدولي العامل خلال الحرب. 

واستضافت المدينة مجلس السيادة ومجلس الوزراء والوزارات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، مع بقاء الخرطوم العاصمة الرسمية دستوريًا وقانونيًا.

وبعد استعادة الجيش معظم ولاية الخرطوم، شرعت الحكومة في تنفيذ عودة تدريجية لمؤسساتها. ففي أبريل/ نيسان 2025، وضعت الأمانة العامة لمجلس الوزراء خطة لنقل الوزارات، بالتزامن مع حصر الأضرار وتأهيل المقار وتوفير الخدمات الضرورية للموظفين. 

وفي أغسطس/ آب من العام نفسه، عقد مجلس الوزراء جلسة في الخرطوم، في أول مؤشر عملي على بدء نقل النشاط التنفيذي من بورتسودان.

وفي 11 يناير/ كانون الثاني 2026، أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس عودة الحكومة رسميا إلى العاصمة، متعهدا بإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس والجامعات وتحسين الكهرباء والمياه والصرف الصحي. 

وبعد عشرة أيام، عقد مجلسا السيادة والوزراء أول اجتماع مشترك لهما في الخرطوم منذ اندلاع الحرب، وأقرا الموازنة الطارئة لعام 2026 وعددا من القوانين.

وفي 25 يناير/ كانون الثاني، قال وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر: إن الوزارات انتقلت إلى العاصمة، باستثناء مكاتب متابعة محدودة لجهات يرتبط عملها بالموانئ، وفي مقدمتها وزارة المالية. 

وبذلك جاءت عودة البرهان إلى القصر بعد انتقال الجهاز التنفيذي، لتستكمل عودة قمة المؤسسة السيادية إلى مقرها التاريخي، بدل أن تكون بداية منفصلة لمسار العودة.

واختارت الرئاسة تسلم أوراق اعتماد سفراء السعودية والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية لتدشين نشاط البرهان من القصر. 

وبحسب سودان تريبيون، كانت هذه أول مراسم دبلوماسية من نوعها تعقد داخل المجمع منذ بدء الحرب، وشملت السفير السعودي زيد بن مخلد الحربي، والسفير الصومالي أحمد جامع عمر، وسفير الكونغو الديمقراطية وابينغا كاليبو ثيو.

ولا تمثل المراسم اعترافا دوليا جديدا؛ إذ احتفظت الدول الثلاث بعلاقاتها مع الحكومة، لكن اختيار المكان قدم رسالة إلى الخارج بأن السلطة قادرة على إدارة العلاقات الدبلوماسية واستقبال المبعوثين من داخل العاصمة. 

كما سعت الحكومة، من خلال المشهد، إلى تثبيت صورتها المؤسسية في مواجهة السلطة الموازية غير الشرعية التي أعلنها تحالف تقوده قوات الدعم السريع واتخذ من نيالا مقرا لها.

مكاسب ميدانية

وجاء ظهور البرهان داخل القصر بعد أسابيع من تحقيق الجيش والقوات المتحالفة معه مكاسب ميدانية في شمال كردفان، بعدما انتقل ثقل الحرب تدريجيا من العاصمة إلى أقاليم الغرب. 

ففي أواخر يوليو/ تموز 2026، استعادت هذه القوات مدينة بارا ومناطق جبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة والبركة ومواقع أخرى على طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض.

وأمنت التحركات طريقا بريا مباشرا بين الخرطوم وعاصمة شمال كردفان، وقلصت التهديد المحيط بمدينة الأبيض، كما أضعفت أحد مسارات إمداد قوات الدعم السريع القادمة من دارفور. 

ووصف تقرير نشره موقع "مدى مصر" في الأول من أغسطس 2026 العملية بأنها أكبر هجوم بري ينفذه الجيش منذ استعادة الخرطوم، مشيرا إلى أنها فككت ممرا لوجستيا مهمًا كان يربط مواقع الدعم السريع في كردفان بامتداداته غربا.

وفي الثالث من أغسطس ترأس البرهان في الخرطوم اجتماعا لمجلس الأمن والدفاع خصص لمراجعة سير العمليات العسكرية والأوضاع الأمنية عقب هذه المكاسب. 

وفي اليوم التالي، تحدث عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام ياسر العطا عن إستراتيجية تقوم على التقدم المتزامن في مختلف الجبهات، على غرار العملية العسكرية التي أنهت وجود مليشيا الدعم السريع داخل العاصمة.

منحت هذه الخلفيةُ عودةَ البرهان بعدًا يتجاوز تشغيل مقر الرئاسة، فقد تزامن المشهد مع محاولة القيادة العسكرية الانتقال من تثبيت سيطرتها على الخرطوم إلى فتح طريق التقدم غربا. 

ورأى القيادي في الكتلة الديمقراطية معتز الفحل أن عودة البرهان تمثل نقلة نوعية تؤكد استعادة الدولة لسيادتها وهيبتها. 

وكان الكاتب والمحلل السياسي مجدي عبد العزيز قد وصف استعادة القصر عسكريا في مارس/ آذار 2025 بأنها نصر ذو قيمة معنوية وسيادية، لارتباط المكان برئاسة الدولة وتاريخ الاستقلال.

وفي قراءة أكثر تحفظا، قال الخبير العسكري العميد جمال الشهيد، عقب استعادة القصر: إن السيطرة عليه تقوي موقف الجيش سياسيا وتفاوضيا، لكنها لا تعني نهاية الحرب، لأن الحسم يظل مرتبطا بتطور المعارك في كردفان ودارفور. 

دلالة سياسية

وقال المحلل السياسي السوداني محمد نصر، في تصريح لـ "الاستقلال"، إن عودة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري تحمل دلالة سياسية وسيادية كبيرة، لكنها لا تعني أن الخرطوم تجاوزت جميع تداعيات الحرب. 

وأوضح أن الهجمات المتزامنة بالمسيرات، التي استهدفت أم درمان والخرطوم بحري وعطبرة والدامر والأبيض قبل يوم واحد من عودة البرهان، كشفت استمرار قدرة الجنجويد (مليشيا الدعم السريع) على تهديد المدن من مسافات بعيدة، رغم خروج قواتها البرية من العاصمة.

وأضاف نصر أن إعادة تشغيل القصر بعد تأهيل أجزاء منه تمثل خطوة مهمة في استعادة مؤسسات الدولة لمقارها، غير أن المشهد داخل المجمع الرئاسي لا يعكس بمفرده الأوضاع في بقية الخرطوم. 

فلا تزال أحياء واسعة تعاني آثار الدمار الذي أصاب المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب مخاطر الذخائر غير المنفجرة ومخلفات القتال المنتشرة في المناطق السكنية ومحيط المدارس والطرق.

وأشار إلى أن حركة العودة المتصاعدة تضع الحكومة أمام اختبار يتجاوز الإعلان السياسي.

ورأى نصر أن عودة الأسواق وبعض المؤسسات وحملات تنظيف الشوارع وإزالة الأنقاض تمثل مؤشرات أولية على تعافي العاصمة، لكن هذا التعافي لا يسير بوتيرة واحدة في الخرطوم وأم درمان وبحري، بسبب تفاوت مستويات الدمار والخدمات والأمن. 

كما تواجه الدولة، في ظل تراجع الإيرادات وتضرر القطاعات الإنتاجية، تحديًا ماليًا كبيرًا في إعادة إعمار العاصمة وتأهيل بقية المناطق المتضررة.

وأكد أن الفارق ما يزال قائما بين عودة مؤسسات السلطة وعودة المدينة إلى الحياة بصورة مستدامة. فنجاح الحكومة في إعادة اجتماعاتها ووزاراتها ومراسمها الدبلوماسية إلى الخرطوم يظل مكسبا سياسيا، لكن اكتمال العودة يتطلب توفير الأمن والخدمات الأساسية، وتشغيل المستشفيات والمدارس، وإزالة مخلفات الحرب، وتهيئة السكن والعمل للعائدين.

وختم نصر بأن القصر الجمهوري أصبح مؤشرا على تغير موازين القوة واستعادة الدولة لمركزها السيادي، لكنه لا يشكل وحده دليلا على انتهاء آثار الحرب. 

وأضاف: الاختبار الحقيقي لا يجري داخل أسوار القصر، بل في أحياء الخرطوم، حين يتمكن السكان من العودة إلى منازل آمنة واستعادة خدماتهم وحياتهم الطبيعية، من دون خوف من هجوم جديد للجنجويد أو جولة أخرى من القتال.