مقر جديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط يثير غضبا.. ما القصة؟

"هذه العلاقات ستظل خارج الشرعية"
تتواصل موجة الاستياء والاحتجاج بالمغرب على افتتاح المقر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، ليس فقط من جهة التوقيت، في ظل استمرار إبادة قطاع غزة، ولكن أيضا للمكان الذي اختاره الكيان لهذا المكتب، والذي يحمل دلالات تاريخية ورمزية كبيرة وخطيرة.
الافتتاح الذي تم في 12 أغسطس/آب 2026، شهد حضورا أمنيا مكثفا في محيط البناية، إلى جانب عناصر من الأمن الخاص، وذلك تزامنا مع التحاق عدد من الموظفين بالمقر الجديد مع الساعات الأولى من اليوم.
وبحسب المعاينة الميدانية لعدد من وسائل الإعلام المحلية، ظهر العلم الإسرائيلي داخل البناية، وإن بدا شبه محجوب عن الأنظار من الخارج، ومثبتا على ارتفاع منخفض.
ويقع مكتب الاتصال الإسرائيلي الجديد بشارع المهدي بنبركة بحي السويسي في الرباط، بعد مغادرة مقره السابق بشارع النخيل في حي الرياض.

رمزية المكان
يحمل اسم المهدي بنبركة في الذاكرة السياسية المغربية دلالات كبيرة، تتجاوز كون الرجل من الشخصيات التاريخية المغربية، ذلك أنه أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية، كما ارتبط اسمه بحركات التحرر ومناهضة الاستعمار والإمبريالية في دول العالم الثالث.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1965، اختفى بنبركة بالعاصمة الفرنسية باريس في ظروف غامضة، في قضية ظلت لعقود مفتوحة على أسئلة كثيرة بشأن الجهات المتورطة في اختطافه ومصيره.
كما أشارت تقارير وتحقيقات مختلفة إلى أدوار محتملة لأجهزة استخبارات في القضية، من بينها الموساد الإسرائيلي، بينما لا تزال عائلته تطالب بكشف الحقيقة حول مصيره.
وفي هذا الصدد، انتقدت الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني نقل مقر مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط إلى شارع يحمل اسم المهدي بنبركة، مقدرة أن هذه الخطوة تمثل استفزازا لمشاعر المغاربة، في ظل استمرار الرفض الشعبي للتطبيع مع إسرائيل.
وبحسب ما نقل موقع "لكم" المحلي في 14 أغسطس، قالت البوحسيني: إن بنبركة كان من الشخصيات التي أدركت في وقت مبكر خطورة الإمبريالية وعلاقتها بالصهيونية، مضيفة أن وضع مكتب الاتصال الإسرائيلي في شارع يحمل اسمه "سيكون له بالتأكيد ما بعده".
وأضافت مخاطبة السلطات: "طبعتم مع أكبر عدو للأمة، وربطتم علاقات تغلب عليها مصالح أوليغرشية مالية تربحون فيها ما يغذي أرصدتكم البنكية، لا تأبهون اليوم برفضنا وباحتجاجنا وبسخطنا وغضبنا وأنتم تتباهون بصداقتكم مع أحقر ما صنعت الإنسانية".
وتابعت: "تيقنوا أنه سيأتي اليوم الذي سيلفظونكم ويرمون بكم في مزبلة التاريخ بعد قضاء مآربهم، تيقنوا كذلك، أنه طال الزمن أو قصر، ستتعبأ الأجيال القادمة لغسل الأوساخ التي علقت بفضاءاتنا وشوارعنا، وستجدد القوة التعبوية لاستعادة سيادتنا على قرارنا الوطني وعلى وطننا الحبيب".
واسترسلت الأساتذة الجامعية: "لا تفرحوا ولا تسعدوا، هذه الأرض التي أنجبت محمد بنعبد الكريم الخطابي والشيخ ماء العينين والزرقطوني وشيخ الإسلام والمهدي بنبركة، هي أرض حبّالة ولادة، قادرة على إنجاب الأجيال التي ستنافح وستدافع عن أرضها ووطنها ومواطنتها وحقوقها وحرياتها".
وأردفت: "فلن نتخلى أبدا عن وطننا ولا عن رموزنا، الأرض لنا وليس لغيرنا من أصدقائكم الصهاينة، الوطن لنا وليس لغيرنا من حثالة البشرية من الإباديين القتلة مجرمي الحرب".
وخلصت البوحسيني إلى التأكيد أن ذاكرة المهدي بنبركة ما تزال حاضرة، مقدرة أن "المحاولات البئيسة والمنحطة لن تتمكن من محوها".
بدوره، أكد القيادي في جماعة "العدل والإحسان"، حسن بناجح، أن "فتح وكر الكيان المجرم في شارع المهدي بنبركة بالعاصمة الرباط، هو مشهد يعكس أقصى درجات الاستخفاف بضمير الأمة ونبض الشارع".
وشدد بناجح في منشور عبر فيسبوك في 14 أغسطس، أن "ما وقع جاء ليكرس حقيقة ساطعة مفادها الاستمرار الممنهج في مخالفة الإرادة الشعبية الحرة، والتي ما فتئت تؤكد بإجماع رفضها المطلق لكل أشكال التطبيع مع الكيان المجرم وسجله الدموي الحافل بالجرائم ضد الإنسانية".
ويرى أن "اختيار هذا العنوان بالذات يحمل رمزية بالغة السوء وتاريخا أسود؛ فالكيان الذي يُفتتح مكتبه هو نفسه المتهم بالمشاركة في الاغتيال الأول للرمز الوطني المهدي بنبركة، ليكون افتتاح هذا الوكر في الشارع المسمى باسمه بمثابة اغتيال ثانٍ له".
ورأى بناجح أن "هذه الخطوة الاستفزازية لن تزيد الشعب المغربي إلا إصرارا على التمسك بالموقف التاريخي المبدئي الرافض للتطبيع، وفاء لدماء الشهداء وتضحيات المقاومة، وحفظا لكرامة الرموز الوطنية".
خطوة بئيسة
من جانبه، أكد الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، عزيز هناوي، إدانة المرصد لهذه الخطوة التي تُعبر عن استمرار ومواصلة التطبيع مع الكيان الصهيوني الإرهابي الإجرامي، رغم المذابح والمجازر بحق الشعب الفلسطيني.
وأوضح هناوي لـ"الاستقلال" أن الشعب المغربي تظاهر بجموعه الغفيرة وبمختلف الأشكال وفي كل المدن والساحات ومنذ سنوات مستمرة رفضا للتطبيع، ومع ذلك، يستمر مكتب الاتصال الصهيوني بالرباط، بل يتم افتتاح مقر جديد وأكبر من سابقه.
ورأى أن الافتتاح يمثل "خطوة بئيسة يرفضها الشعب المغربي ولا يمكن أن تمر".
كما توقف هناوي عند وضعية العلم الإسرائيلي داخل المقر، قائلا: إن المكتب "لم يستطع أن يرفع العلم الإسرائيلي الصهيوني عاليا فوق ناصية أو سارية العلم، بل جعله منخفضا".
وشدد على أن هذا الأمر يحمل في دلالة رمزية؛ حيث إن خفض العلم لما يسمى بمكتب الاتصال الصهيوني هو عنوان على أنه مكتب مسروق الصفة، ومهرب لتمريره إلى الساحة المغربية، ومطلقا لن يقبله المغاربة.
وجدد هناوي التذكير بأن ما يسمى "مرجعيات السلام" التي قامت عليها عملية التطبيع لم تعد قائمة، والتي كانت تشمل "حل الدولتين، والقدس الشرقية، وحق العودة، إلى آخره".
ورأى أن الاحتلال الإسرائيلي عمل على إسقاط هذه المرجعيات من خلال سياساته ومواقفه الرسمية، وأيضا من خلال حرب الإبادة التي يرتكبها في قطاع غزة وسياسة التهجير والتقتيل في الضفة وتخريب المسجد الأقصى والتقسيم الزمكاني لهذا المسجد المقدس.
الاتجاه الخاطئ
بدوره، عبر منسق "مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين"، عبد الحفيظ السريتي، عن رفضه المطلق لافتتاح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، مقدرا أن الأولوية في الظرف الحالي هي لقطع العلاقات مع إسرائيل، وليس إعادة تنشيط قنوات التطبيع.
وقال السريتي لـ"الاستقلال": إن "المطلوب من المسؤولين المغاربة، في ظل حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الجيش الصهيوني المجرم، هو قطع العلاقات بالكامل وليس إعادة فتح مكتب اتصال جديد لهؤلاء".
وأكد أن موقف المجموعة من التطبيع "ثابت ومبدئي ومستمر، ويتمثل في مطالبة المغرب بالإيقاف الفوري للتطبيع وقطع أشكال العلاقات كافة مع هؤلاء المجرمين".
ورأى أن استمرار الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين يجعل من إعادة فتح مكتب الاتصال خطوة في الاتجاه الخاطئ، مشددا على أن المطلوب هو اتخاذ إجراءات عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وليس تعزيز العلاقات معه.
واستحضر السريتي مواقف اتخذتها دول أوروبية تجاه إسرائيل، مقدرا أن عددا منها أصبح يضع الكثير من العوائق والعراقيل أمامها، انطلاقا من احترامه لما صاغه ووقعه في إطار "اتفاق روما".
وأشار، في هذا السياق، إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت ملاحقان رسميا من طرف المحكمة الجنائية الدولية، مقدرا أن هذه التطورات تفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقات مع إسرائيل.
كما توقف السريتي عند موقف إسبانيا، قائلا: "لاحظنا كيف أنها قد امتنعت عن السماح بمرور السفن المحملة بالرصاص الحي والذخيرة التي تُستعمل في تقتيل الأطفال والنساء بفلسطين".
ودعا إلى التوقف عند "الصور والمواقف الإيجابية القادمة من أوروبا ومن دول أخرى"، مقدرا أن "المطلوب اليوم هو وضع حد لتمادي هذا العدو من خلال قطع العلاقات وفرض عقوبات صارمة عليه في مختلف أشكال المعاملات".

علاقات غير شرعية
في السياق، أكدت "الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة" أن فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط "جريمة وخيانة، وخطوة مرفوضة، وفيها استفزاز لمشاعر الشعب المغربي".
وذكرت الهيئة عبر بيان تنديدي صدر في 14 أغسطس، أن هذا الافتتاح الذي يكرس مسار التطبيع مع الاحتلال، يتجاهل الموقف الشعبي الراسخ الداعم للقضية الفلسطينية، التي ظلت على الدوام قضية وطنية وإنسانية تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة.
ونبهت إلى أن افتتاح "وكر الاتصال الإسرائيلي في الرباط لا يمكن عزله عن سياق سياسي أوسع يسعى إلى توسيع دائرة التطبيع، في وقت تتصاعد فيه الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، بما يجعل الاستمرار في هذا المسار أمرا مرفوضا أخلاقيا وسياسيا وشعبيا".
ودعا البيان إلى "وقف مسلسل التطبيع والتراجع عن كل خطواته ومظاهره، وقطع الطريق أمام المزيد من الاختراق الصهيوني للمجتمع المغربي".
كما طالب بموقف سياسي ودبلوماسي واضح ينتصر لحقوق الشعب الفلسطيني، ويدين الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحقه، داعيا الشعب المغربي وكل القوى والهيئات المدنية والسياسية إلى اليقظة والتعبئة السلمية لمواجهة مسار التطبيع، والتعبير عن الرفض الشعبي لكل أشكال الاختراق الصهيوني.
أما الكاتب والروائي إدريس الكنبوري، فرأى أن إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط كتتويج للتطبيع الرسمي بين المغرب واسرائيل، يأتي في توقيت دقيق حيث يواصل الاحتلال إبادة الشعب الفلسطيني وتجويعه.
وشدد الكنبوري في منشور عبر حسابه على "فيسبوك" في 14 أغسطس، أن هذا الافتتاح يأتي كذلك في ظل تنكر الاحتلال لجميع الاتفاقيات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يحترمه الكيان وكان هدفه نزع البندقية من يد الفلسطيني فقط.
وذكر الكاتب المغربي أن الإجراءات الأمنية التي صاحبت فتح المكتب الجديد تبين بأن العلاقات المغربية الإسرائيلية "علاقات غير طبيعية يرفضها المغاربة، لكنها مفروضة على المغرب".
واسترسل، إنها "علاقات ستظل خارج الشرعية طالما الكيان الصهيوني مستمر في جرائمه الوحشية التي لن تتوقف طبعا طالما يجرد الفلسطيني من بندقيته".
وكان المغرب قد وقع على اتفاق ثلاثي ضم كلا من الرباط وواشنطن والاحتلال الإسرائيلي في 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، وحصل بموجبها المغرب على اعتراف رسمي من الولايات المتحدة بسيادته على كامل أقاليمه الجنوبية (إقليم الصحراء الغربية).
وفي المقابل، أعلن الاتفاق عن الاستئناف الفوري للاتصالات الرسمية الكاملة والعلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، والترخيص للرحلات الجوية المباشرة بين المغرب ودولة الاحتلال ونقل المسافرين والسياح، مع إحداث مجموعات عمل مشتركة للتعاون في مختلف المجالات.
ومنذ بدء حرب الإبادة الصهيونية في غزة في أكتوبر 2023، تشهد مختلف المدن المغربية وقفات ومسيرات شعبية رافضة للتطبيع وداعية لقطع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، كما شهدت مدينة الرباط العديد من المسيرات المليونية الداعية لنفس المطلب.
ويحذر خبراء ومراقبون مغاربة من مخاطر استمرار التغلغل الإسرائيلي في مؤسسات البلاد ومجالاته الحيوية، وخاصة على مستوى الاستثمار والتكنولوجيا والماء والفلاحة والاقتصاد والتصنيع العسكري والبحث العلمي وغيرها.

















