المدن الصناعية.. هل تصبح مفتاح سوريا لإعادة بناء اقتصاد ما بعد الحرب؟

"التوزيع الجغرافي للمدن الصناعية بالمحافظات يربط الاقتصاد بمنظومة متكاملة"
تتجه سوريا الجديدة إلى إعادة إحياء وتطوير المدن الصناعية في المحافظات؛ لجعلها أحد مفاتيح إعادة تشكيل الاقتصاد بعد الحرب، عبر توسيع النشاط الصناعي وربطه بالاستثمار والإنتاج.
ويرى خبراء أن ربط الاستثمار المحلي والأجنبي بالإنتاج، وتوزيع النشاط الاقتصادي جغرافيًا، من شأنه تعزيز القاعدة الإنتاجية، ودعم الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفد خزينة الدولة بالإيرادات.

مدن صناعية
أعلن مدير المدن الصناعية أحمد الكردي، في 28 أغسطس/ آب 2026، وجود خطط لتأهيل وتطوير المدن والمناطق الصناعية في ريف دمشق وحمص وحلب وإدلب ودير الزور.
وبحسب الكردي، يجرى العمل في مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق على توسعة المدينة، بما يتيح استيعاب مزيد من الاستثمارات والمشاريع الإنتاجية، وتوفير فرص عمل جديدة.
أما في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص، فيجري التخطيط لتوسعة المدينة بنحو 10 آلاف هكتار، لاستيعاب مشاريع جديدة، وتعزيز النشاط الصناعي والبنية التحتية والخدمات المقدمة للمنشآت الإنتاجية.
وأشار الكردي إلى أن مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب تشهد تطوير نحو 1.5 مليون متر مربع ضمن المخطط التنظيمي للمدينة، بهدف إحداث مقاسم صناعية جديدة واستقطاب استثمارات إضافية.
وفي مدينة باب الهوى الصناعية بريف إدلب، يجري تطوير مشروع صناعي عقاري على مساحة 36 هكتارًا، لإقامة منشآت إنتاجية وخدمية، وتنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة.
أما في مدينة الراعي الصناعية بريف حلب، فتجري أعمال توسعة للمدينة ودعم الصناعات الجلدية والنسيجية والخفيفة، وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية، وتبلغ مساحتها نحو مليون متر مربع.
وفي مدينة دير الزور الصناعية، الواقعة على طريق دير الزور–الحسكة شمال شرقي المدينة، والممتدة على مساحة إجمالية تبلغ 2850 هكتارًا، والمخصصة للصناعات الغذائية والنسيجية والهندسية والكيميائية، يجرى، وفق المسؤول السوري، إعادة تنظيم وإحياء المدينة لاستقطاب المستثمرين، وتنشيط الإنتاج، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل.
وفي خطوة داعمة لهذا التوجه الحكومي، وقعت شركة "إسراء القابضة" التركية، في نهاية أغسطس/ آب 2026، اتفاقية تعاون مع وزارة الاقتصاد والصناعة السورية لتوسعة مدينة باب الهوى الصناعية، في خطوة تستهدف تعزيز البنية التحتية الصناعية والتجارية في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا.
وبحسب ما أوردته صحيفة "تركيا"، أُقيم حفل توقيع الاتفاقية ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي، بحضور وزير التجارة التركي عمر بولات؛ حيث يهدف المشروع إلى زيادة القدرة الصناعية في منطقة باب الهوى التي تعدّ مركزًا تجاريًا ولوجستيًا رئيسا على الحدود السورية التركية.
ووفق الصحيفة، من المقرر تنفيذ مشروع التوسعة على مساحة إجمالية تبلغ 364 ألف متر مربع، منها نحو 240 ألف متر مربع مخصصة لقطع أراضٍ جاهزة للبيع لصالح الأنشطة الصناعية.
كما يتضمن المشروع إنشاء مرفق إداري وخدمي على مساحة 6394 مترًا مربعًا، إلى جانب تخصيص نحو 67.5 ألف متر مربع للبنية التحتية للنقل، و50 ألف متر مربع للمساحات الخضراء وأعمال التنسيق.
ويشمل المشروع إنشاء شبكات للكهرباء ومياه الشرب والمياه العامة والاتصالات والصرف الصحي، إضافة إلى مرافق لمعالجة مياه الصرف الصناعي وتصريف مياه الأمطار وأنظمة إطفاء الحرائق.
وكشفت وزارة الاقتصاد والصناعة، أواخر يوليو/ تموز 2026، أن المدن الصناعية شهدت طرح 530 مقسمًا صناعيًا للاستثمار، جرى الاكتتاب على 253 مقسمًا منها، وتخصيص 190 مقسمًا للمستثمرين، إلى جانب منح 561 رخصة بناء و49 رخصة إدارية.
ووفق مدير المدن الصناعية في وزارة الاقتصاد والصناعة مؤيد البنا، أقرَّت الحكومة حزمة من التسهيلات القانونية والجمركية لتشجيع الاستثمار الصناعي وتبسيط إجراءاته.
وكشف البنا، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا" في 22 فبراير/ شباط 2026، عن إجراءات جديدة لإحداث نقلة نوعية في بيئة الاستثمار الصناعي، تقوم على تبسيط الإجراءات، وتعزيز الضمانات القانونية، وتقديم حوافز مالية وجمركية، بما يسهم في إعادة تموضع سوريا على خارطة الاستثمار الصناعي في المنطقة.
وأشار إلى أن وزارة الاقتصاد والصناعة أصدرت نظامًا خاصًا للاستثمار في المدن الصناعية، يتضمن 26 مادة تهدف إلى تسهيل العملية الاستثمارية وتعزيز الثقة بالبيئة القانونية، ومن أبرزها اعتماد التحكيم آليةً لحل النزاعات بين المستثمر والدولة، مع منح المستثمر حق اختيار المحكم، سواء كان محليًا أم دوليًا، بما يختصر زمن التقاضي ويمنح المستثمرين ضمانات إضافية.
وأضاف أن النظام الجديد يتيح للمستثمرين تملّك المقاسم الصناعية بالتقسيط لمدة خمس سنوات وبأسعار تنافسية إقليميًا؛ حيث يبلغ سعر المتر المربع نحو 30 دولارًا في مدينة حسياء الصناعية، و35 دولارًا في مدينتي الشيخ نجار بحلب وعدرا بريف دمشق.
ويشمل النظام الجديد اعتماد صيغ استثمار حديثة، مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ونظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، فضلًا عن تطبيق مبدأ النافذة الواحدة لإنجاز المعاملات الاستثمارية.
وكشف البنا أن عدد المستثمرين في المدن الصناعية السورية يبلغ نحو 11 ألف مستثمر، بينهم قرابة 294 مستثمرًا أجنبيًا، معربًا عن تطلع سوريا إلى زيادة هذا العدد خلال المرحلة المقبلة، في ظل الاهتمام المتزايد من مستثمرين عرب ودوليين.

توسيع الإنتاج
وضمن هذا السياق، قال الباحث والأكاديمي الاقتصادي فراس شعبو، في حديث لصحيفة "الاستقلال": إن "موضوع تطوير المدن الصناعية ليس مشروعًا عقاريًا أو خدميًا أو استثماريًا، وإنما هو فعليًا جزء من إعادة بناء النموذج الاقتصادي السوري بعد الحرب. فأنت اليوم لا تتحدث عن توسعة فقط؛ عدرا، وحسياء، والشيخ نجار، وباب الهوى، والراعي، بل عن محاولة لإعادة تكوين قاعدة إنتاجية موزعة جغرافيًا، وهذا أمر مهم جدًا؛ لأنه يعني توسعًا جغرافيًا".
وأضاف: "هذا أمر مهم جدًا؛ لأنه يؤدي إلى نوع من التكتلات السكانية في بعض المناطق، والحكومة تركز في هذه المرحلة على تطوير المدن، وتحاول الانتقال من اقتصاد إعادة الإعمار إلى اقتصاد الإنتاج".
ورأى شعبو أن "إعادة بناء الطرق والمساكن والبنية التحتية أمر ضروري؛ لأنه داعم للمشاريع الصناعية، لكنه في الوقت نفسه غير كافٍ إذا لم يترافق مع إعادة تشغيل المصانع، وخلق طاقات إنتاجية وفرص عمل، وتوسيع قاعدة التصدير".
وأردف: "فنحن بحاجة إلى إعادة الإعمار، وبالوقت نفسه نحتاج إلى أن تكون هناك مصانع وتصدير وتشغيل، حتى تكون هناك فعلًا إعادة إعمار".
ورأى شعبو أن "إنشاء المدن الصناعية يوسع القاعدة الإنتاجية السورية، ما يزيد الناتج المحلي الإجمالي، ويمكن أن يزيد صادراتنا، وبالتالي يخفف من وارداتنا، ويوفر فرص عمل أكثر، ويؤمن دخلًا للدولة من خلال الضرائب بشكل كبير. علاوة على جذب الاستثمار، ودخول رؤوس أموال جديدة إلى البلد، سواء كانت محلية أو أجنبية".
ونوَّه شعبو إلى أن "سوريا بحاجة إلى منظومة متكاملة: كهرباء، ومياه، وصرف صحي، واتصالات، وخدمات إدارية، وأمن، وقانون، وتشريعات؛ لأن وجود مدن صناعية يخفض تكلفة الدخول إلى السوق السورية، ويخفض مخاطر الاستثمار، مما يشجع كثيرًا من المستثمرين في النهاية على الدخول إلى السوق السورية".
وأشار شعبو إلى أن "التوزيع الجغرافي للمدن الصناعية في المحافظات السورية أمر مهم في هذا الإطار، وهذا التوزيع ليس عشوائيًا؛ فعلى سبيل المثال، فإن معبر باب الهوى يمتلك ميزة القرب من الحدود التركية، وكذلك مدينتا الشيخ نجار والراعي الواقعتان في محافظة حلب، التي تعد عاصمة الدولة الصناعية".
واستدرك: "المدينة الصناعية في حسياء بحمص وسط البلاد مهمة، كما أن المدينة الصناعية في دير الزور يمكن أن تصبح مستقبلًا منظومة اقتصادية متكاملة".
وتابع قائلًا: "إن محاولة إعادة إحياء كل مناطق سوريا، في الشمال والوسط والجنوب والشرق، أمر يعزز ترابط الأسواق الداخلية، ويعني سهولة وصولها إلى المعابر بشكل كبير".

استثمار صناعي
كثيرًا ما يطرح السؤال في الوقت الراهن عند الحديث عن جذب الاستثمارات إلى سوريا: هل توجد ضمانات إضافية ومحفزات مشجعة للمستثمرين، خصوصًا في مجالات الإعفاءات والملكية والتشريعات الناظمة، بما يتناسب مع واقع الاستثمار وتطلعات المستثمرين؟
وكثيرًا ما أُثيرت مخاوف محلية من تعرض أي مشروع صناعي حاصل على ترخيص لضرائب جديدة أو تعليمات لاحقة، بما قد يضر باليقين المالي للمستثمر المحلي أو الأجنبي على المدى الطويل.
وسبق أن أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في 30 مارس/ آذار 2026، خلال كلمة له في منتدى الأعمال الألماني السوري بالعاصمة الألمانية برلين، أن سوريا أجرت تعديلات واسعة على قانون الاستثمار بهدف تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وتشجيع رؤوس الأموال الأجنبية، لا سيما الأوروبية، للمشاركة في عملية إعادة الإعمار.
وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة أقرت، في السادس من يونيو/ حزيران 2025، نظام الاستثمار الجديد في المدن الصناعية، بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، ونقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية. ويؤكد النظام رسميًا أهدافًا تتعلق بزيادة القيمة المضافة المحلية، وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، ورفع القدرة التنافسية للصناعات السورية.
وهنا يشير شعبو إلى أن "التحدي ليس في بناء المدن الصناعية، وإنما تحديدًا في ملء هذه المدن بمشروعات منتجة وقابلة للاستمرار".
واستدرك: "هذا يتطلب وجود بنية كهربائية مستدامة، ودعم مصرفي، وقروض، ومزايا مصرفية معينة، ومزايا ضريبية، وسعر صرف ثابت، وجمارك متعاونة، وإمكانية تحويل الأرباح".
وأوضح أن "المستثمر الأجنبي يهمه معرفة كيف سيدخل أمواله؟ وكيف يستطيع إخراجها؟ وكيف يعمل ضمن منظومة استثمار صناعي متكاملة بشكل قانوني ومريح".
المصادر
- شراكة سورية تركية لتطوير مدينة باب الهوى الصناعية ورفع طاقتها الاستيعابية
- إدارة المدن الصناعية تكشف عن خطط لتوسيع المدن الصناعية في عدة محافظات
- الرئيس الشرع: عدّلنا قانون الاستثمار لتشجيع رؤوس الأموال.. والشيباني: رؤية سوريا تقوم على البناء والتنمية
- نشاط استثماري متصاعد.. تعرف إلى إنجازات المدن الصناعية خلال النصف الأول من 2026

















