من خنادق الصراع إلى قائمة واحدة.. ماذا وراء تقارب حماس ودحلان؟

قوى فلسطينية توافقت على تشكيل تحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026
لم يعد التقارب بين حركة حماس وتيار محمد دحلان مجرد اتصال عابر فرضته ترتيبات ما بعد الحرب على غزة، بل بدأ يأخذ شكلا سياسيا وانتخابيا، مع الحديث عن تشكيل تحالف واسع يضم الطرفين، إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي وقوى يسارية ومستقلين، لخوض انتخابات المجلس التشريعي المقررة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026.
فحماس تسعى إلى ضمان حضورها السياسي من دون تحويل مشاركتها إلى مواجهة مباشرة حول سلاحها، بينما يريد دحلان العودة إلى المشهد من بوابة سياسية وشرعية انتخابية، تمهيدا للمنافسة على خلافة محمود عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية.
وتكمن المفارقة في أن أطراف هذا التحالف المحتمل كانت، حتى وقت قريب، تقف في خنادق متعارضة، لكنها تجد نفسها اليوم، بفعل ظروف ما بعد الحرب وتبدل موازين القوى والمصالح، أمام حاجة مشتركة إلى البحث عن صيغة تمنح كل طرف موطئ قدم في النظام السياسي الفلسطيني المقبل.
ويطرح هذا التوجه تساؤلا جوهريا: هل تمهد حماس والجهاد الإسلامي، من خلال هذا التحالف، لفصل ملف السلاح عن المشاركة السياسية، بحيث تنتقل حماس تدريجيا من قوة عسكرية فاعلة في غزة إلى تيار سياسي يشارك في مؤسسات السلطة؟
وهل يمثل هذا التحالف المحتمل "مصالحة انتخابية" مؤقتة فرضتها مرحلة ما بعد الحرب، أم أنه محاولة لإنتاج نظام سياسي فلسطيني جديد يفصل تدريجيا بين من يملك السلاح ومن يملك القرار السياسي؟
وإذا كان الأمر كذلك، فهل سيكون دحلان هو الجسر الذي تعود عبره حماس إلى النظام السياسي، أم أن التحالف ليس سوى صفقة انتخابية مؤقتة، سرعان ما يعود بعدها الخلاف حول السلاح والسلطة إلى الواجهة؟ والأهم، هل تسمح إسرائيل والولايات المتحدة أصلا بمشاركة حماس وحلفائها في هذا المسار الانتخابي؟

لماذا الآن؟
برغم تزايد المؤشرات السياسية بشأن إمكانية تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وإجرائها بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية في أوائل عام 2027، بدأ الحديث مبكرا عن تفاهمات لتشكيل تحالف انتخابي يضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار دحلان، وربما الجبهة الشعبية وقوى أخرى، وذلك منذ 18 أغسطس/ آب 2026، عبر تسريبات فلسطينية نشرتها صحف ووسائل إعلام مختلفة.
ونقل موقع "المنصة"، الذي اعتاد نقل تصريحات من حماس في القاهرة، في 18 أغسطس/ آب 2026، عن "مصدر فصائلي"، أن ممثلي فصائل غزة وتيار دحلان ناقشوا خلال اجتماع في القاهرة إمكانية خوض الانتخابات بقائمة موحدة.
كما نقل الموقع عن القيادي في حركة حماس ورئيس مكتب العلاقات الوطنية حسام بدران، قوله: إن الحركة تعتزم المشاركة في الانتخابات ضمن "ائتلاف وطني جامع وواسع يضم طيفا واسعا من القوى الفلسطينية".
وأكد بدران أن "حماس عقدت أخيرا لقاءات وأجرت اتصالات مع القوى والفصائل والشخصيات الفلسطينية بهدف الوصول إلى أكبر كتلة وطنية انتخابية، على قاعدة برنامج سياسي متوافق عليه".
ثم أكد "التلفزيون العربي"، في 21 أغسطس/ آب 2026، نقلا عن مصادر فلسطينية، أن قوى فلسطينية توافقت على تشكيل تحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026.
وذكر تحديدا: حماس، والجهاد الإسلامي، وما يسمى "تيار الإصلاح الديمقراطي" في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، وتيار ناصر القدوة، وألوية الناصر صلاح الدين، مؤكدا أن الجبهة الشعبية تدرس الانضمام لاحقا.
وقال هاني المصري، مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات: إن التحالف "لم يتشكل بصورة مفاجئة"، وإن له جذورا تعود إلى سنوات من التنسيق بين هذه الأطراف المختلفة.
وأشار إلى أن التعاون توسع من خلال لقاءات عدة عُقدت في القاهرة لبحث سبل التعامل مع الحرب في غزة، وتُوج بالدور الذي لعبه تيار محمد دحلان تحديدا في التوصل إلى الاتفاق الأخير بشأن تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويقول المصري: إن تيار دحلان وجد نفسه لاحقا في وضع أكثر استقلالا بعد انعقاد مؤتمر حركة فتح من دون التوصل إلى توحيد صفوفها، ومحاولة القيادة الفلسطينية لاحقا التواصل مع هذا التيار بعد المؤتمر، لكنه رفض هذه الاتصالات.
وأكد المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي، عماد محسن، رسميا عقد لقاء بين محمد دحلان ووفد حماس برئاسة خليل الحية في القاهرة، وقال: إن اللقاء ناقش القضايا الفلسطينية و"وحدة الصف" وترتيب البيت الفلسطيني.
ثم أكدت حماس نفسها رسميا اللقاء مع دحلان، وقالت: إن النقاش تناول "ترتيب البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية".
ونقلت صحيفة "المدن" عن مصدر من حركة حماس، في 23 أغسطس/ آب، أن الائتلاف المقترح جرى بالفعل ترسيمه، لكن النقاشات في القاهرة لا تزال مستمرة لوضع البرنامج السياسي والتفاصيل النهائية، وأن هناك توجها مبدئيا لتشكيله، مع انتظار اجتماع لحسم القرار النهائي.
ولكن ما هدف حماس من هذا التحالف الانتخابي؟ ولماذا قررت الآن المشاركة في الانتخابات وتشكيل تحالف، برغم اعتراضها على التعديلات التي أدخلها الرئيس محمود عباس على قانون الانتخابات، والتي تقيد، بحسب الحركة، حرية عمل المقاومة وتجبرها على الاعتراف بإسرائيل؟

وأوضحت مصادر فلسطينية لـ"الاستقلال" أن حماس تريد من خلال هذا التحالف الانتخابي تحقيق أربعة أهداف في وقت واحد، أهمها فصل المسار السياسي عن العسكري، وإعادة تقديم نفسها كقوة سياسية مؤثرة في غزة، في ظل محاولات إقصائها بحجة نزع سلاح المقاومة.
وتتلخص هذه الأهداف في الرغبة في الحفاظ على وجودها السياسي بعد الحرب، ومنع استبعادها من النظام الفلسطيني الجديد، والحصول على كتلة انتخابية كبيرة عبر التحالف مع دحلان والجهاد الإسلامي واليسار، وتحويل مستقبل سلاحها من كونه مقدمة لإقصائها سياسيا إلى ورقة تفاوض ضمن تسوية فلسطينية أوسع.
وهناك سبب خامس، هو أن حماس تدرك أن خوض الانتخابات منفردة سيجعلها تواجه رفضا إقليميا ودوليا وسياسيا واسعا، فضلا عن أن دخولها بقائمة تحمل اسمها وشعارها قد يعيد إنتاج الاستقطاب القديم، أي حماس في مواجهة فتح، ويدفع الاحتلال إلى عرقلة الانتخابات أو التضييق عليها.
وتدرك المقاومة أن دحلان يريد، في المقابل، العودة إلى قلب النظام السياسي الفلسطيني، فيما يريد الجهاد الإسلامي ضمان موقعه في النظام الجديد، بينما يجتمع الجميع على هدف إضعاف احتكار "فتح" الرسمية بقيادة عباس للتمثيل السياسي.
كما يحتاج دحلان إلى الكتلة الانتخابية والشعبية والتنظيمية لحماس والجهاد الإسلامي في غزة، حتى يستطيع بناء قوة كبيرة في مواجهة فتح الرسمية، لذلك يمكن النظر إلى التقارب بصفته تحالف مصالح.
وكلاهما يدرك أهمية التحالف المقترح في أن يكون أوسع من مجرد ترتيب انتخابي؛ لأنه يأتي في لحظة تجري فيها إعادة صياغة النظام السياسي والأمني في غزة، ويسعى كل طرف إلى الحفاظ على حضوره السياسي، خاصة حماس.
وتقول المصادر الفلسطينية: إن حماس ترى في الانتخابات فرصة للحفاظ على وجودها السياسي من دون الإصرار على استمرار سيطرتها العسكرية والإدارية المباشرة في غزة، وبذلك تحتفظ بوزنها الشعبي والتنظيمي من خلال البرلمان والحكومة.
كما أن حرصها على إشراك دحلان والجهاد الإسلامي في هذا التحالف الانتخابي يغير المعادلة؛ إذ سيمنح التحالف غطاء أوسع لمعسكر المقاومة، فوجود الجهاد الإسلامي وقوى يسارية وشخصيات مستقلة يسمح بتقديم التحالف بوصفه "جبهة وطنية فلسطينية واسعة".
وقبل إعلان حماس عن هذا التحالف، كانت الترجيحات تتحدث عن احتمال أن تكون الانتخابات الفلسطينية محطة جديدة إما للإبقاء على هندسة النظام السياسي الحالي كما هي، أو أن تصبح محطة متقدمة لمزيد من الشرذمة والانقسام، في ظل غياب أسباب ودوافع حقيقية للتغيير الداخلي الفلسطيني، وانعدام أي أفق سياسي مع تزايد وحشية الاحتلال وتهويد الضفة الغربية وتعاون خلفاء "عباس" مع الاحتلال ضد المقاومة.
لكن بعد إعلان تحالف حماس والرغبة في الوصول إليه والمشاركة فيه بقوة، تغيرت السيناريوهات، لتتراوح بين ضمان المقاومة مقعدا في قطار السياسة يمنع تهميشها "سياسيا"، في ظل الحديث عن تهميشها عسكريا عبر تحييد سلاحها، وبين إعادة إنتاج تحالفات مؤقتة تظل رهينة لموازين القوى الداخلية والإقليمية.
ويقول المحلل الفلسطيني ياسين عز الدين: إن تحالف حماس ودحلان هو تحالف فلسطيني عريض ومفتوح للجميع، وحتى حركة "فتح" بقيادة الرئيس محمود عباس مدعوة إليه، لكنها لا تريد ذلك وألغت اجتماعا كان مقررا مع حماس في القاهرة.
وأوضح أن محمود عباس يريد الإبقاء على الوضع الحالي وإجراء انتخابات شكلية تعزز قبضته على الحكم، ولهذا يلعب على وتر دحلان وحماس، بينما هدف الجميع هو التصدي لهذه السلطة.
وتعد هذه الانتخابات الأولى من نوعها منذ عشرين عاما؛ إذ لم تشهد الأراضي الفلسطينية أي اقتراع تشريعي منذ فوز حماس في غزة عام 2006.
وتُعد هذه الانتخابات الأولى من نوعها منذ عشرين عاما؛ إذ لم تشهد الأراضي الفلسطينية أي اقتراع تشريعي منذ فوز حماس في غزة عام 2006.
هدف دحلان وهدف حماس
وبدأت مراكز الأبحاث والمؤسسات الغربية والإقليمية بتسليط الضوء على محمد دحلان ودوره المرتقب في المشهد الفلسطيني؛ إذ تحدثت مجلة "نيو لاينز"، في 20 أغسطس/ آب 2026، عن مخاوف من أن يكون هدف دحلان هو السيطرة على قطاع غزة.
وأشارت المجلة إلى أن محمد دحلان عقد، في أوائل العام الحالي 2026، اجتماعًا مغلقًا مع مجموعة من خبراء الشرق الأوسط في مدينة أوروبية، تركز النقاش خلاله على مستقبل غزة ودوره المحتمل في السلطة الفلسطينية.
كما تناول الاجتماع كيفية تحول دحلان إلى حلقة وصل بين القيادة الإماراتية ومسؤولين كبار في الإدارة الأميركية والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في وقت يُطرح فيه اسمه منذ سنوات كخليفة محتمل للرئيس محمود عباس، قبل أن يبدأ طرحه أيضًا لتولي إدارة قطاع غزة.
وفي أواخر مايو/ أيار 2026، عقد دحلان اجتماعًا في أبو ظبي مع رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي ديفيد زيني، من دون الكشف عن مضمون المحادثات، وسط ترجيحات بارتباطها بمستقبل قطاع غزة.
وأشار تحليل مجلة "نيو لاينز" إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان إمكانية الاعتماد على دحلان لملء فراغ الحكم في غزة، في ظل رفض إسرائيل الانسحاب ما دامت حماس محتفظة بنفوذها، وما تعتبره تعطيلًا لتنفيذ خطة إعادة تأهيل القطاع.
وأوضحت المجلة أن دحلان يمتلك حاليًا قدرة عملية على إدخال المساعدات والإمدادات إلى غزة، مستفيدًا من علاقاته السياسية والتمويل القادم عبر الإمارات، ما يمنحه نفوذًا متناميًا داخل القطاع.
ومع ذلك، فإن هذه المعطيات قد لا تعني أن دحلان حسم توجهه نحو تولي إدارة غزة، لكنه يتموضع بصورة متزايدة كوسيط يصعب تجاوزه، مستفيدًا من قدرته على الجمع بين أوراق النفوذ الإماراتية والأميركية والإسرائيلية، إلى جانب حضوره المتنامي داخل الساحة الفلسطينية.
الانتخابات لا تعني التخلي عن السلاح
لا يعني الحديث عن تحالف انتخابي واسع أن حماس وافقت تلقائيا على التخلي عن سلاحها أو دمجه في مؤسسات السلطة، حسبما توضح المصادر التي تتحدث عن التحالف.
وأشارت المصادر إلى أن التحالف الانتخابي هو أساسا مشاركة سياسية وانتخابية وتنسيق في الموقف التفاوضي، بينما قضية السلاح شيء آخر، يتعلق بالوجود الفلسطيني، وتعد واحدة من أكثر الملفات حساسية في ترتيبات اليوم التالي للحرب.
وقد يكون التحول الحقيقي في أن الانتخابات نفسها أصبحت أداة لإعادة تعريف العلاقة بين الفصائل والسلاح والسلطة.
فإذا دخلت حماس الانتخابات ضمن قائمة مشتركة مع دحلان والجهاد واليسار، وفازت بتمثيل في المجلس التشريعي، فإنها ستعود إلى المؤسسات السياسية من موقع مختلف عن تجربة 2006.
أي كجزء من نظام تعددي، وليس كقوة تسيطر منفردة على قطاع غزة. وفي المقابل، فإن إشراك دحلان يمنحه فرصة لاستعادة نفوذ سياسي في غزة من دون العودة إلى السلطة عبر مواجهة مباشرة مع حماس.
وتشترط حركة حماس أن يبدأ تنفيذ أي خطوة لنزع السلاح بوقف دائم لإطلاق النار، والتزام إسرائيل بوقف الهجمات وقتل الفلسطينيين، والانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية، على أن يُدار الملف الأمني بآليات فلسطينية انتقالية أو قوة استقرار دولية، دون تسليم الأسلحة لإسرائيل.
وبالمقابل، تسود شكوك إسرائيلية وأميركية بشأن مدى جدية حماس والتزامها بتفكيك ترسانتها العسكرية بالكامل، بوصف السلاح مصدرا للشرعية والنفوذ التاريخي للحركة، مما يجعل هذا المسار اختبارا معقدا ومحفوفا بالتحديات الأمنية والسياسية.
أما السلطة الفلسطينية وحركة فتح، فتواجهان احتمالا أكثر تعقيدا، يتمثل في أن تتحول الانتخابات من وسيلة لتجديد شرعية السلطة إلى إعادة تشكيل كاملة للخريطة السياسية الفلسطينية.
فمشاركة حماس ودحلان والجبهة الشعبية وقوى أخرى قد تنتج كتلة انتخابية واسعة تنافس فتح من خارج الانقسام التقليدي بين فتح وحماس.
ويقول الخبير الفلسطيني هاني المصري: إن الإعلان عن نية حركتي حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في حركة فتح والملتقى الوطني الديمقراطي وألوية الناصر صلاح الدين وآخرين تشكيل ائتلاف انتخابي سياسي واسع، وقع كالصاعقة على حركة فتح وأربك حساباتها الانتخابية.
وأشار، في دراسة نشرها في 20 أغسطس/ آب 2026 بمركز "مسارات"، إلى أن قيادة السلطة الفلسطينية تراهن على إجراء انتخابات تتمكن فتح من خلالها من تجديد شرعيتها، مستفيدة من تراجع شعبية خصومها وضعف حركة حماس، ومن إمكانية عدم مشاركة بعض القوى أو عدم السماح لها بالمشاركة.
لكن التطورات جاءت عكس التوقعات بعد قرار حماس المشاركة وبدء الاتصالات لتشكيل ائتلاف واسع، وإظهار استطلاعات الرأي تراجعا ملموسا في شعبية فتح، في وقت تواجه فيه السلطة والقيادة الرسمية أزمات سياسية ومالية وتنظيمية متراكمة.
كما تواجه حركة فتح، إلى جانب الأزمة المالية للسلطة وتداعياتها، تداعيات المؤتمر الثامن واحتمال ظهور قوائم فتحاوية متعددة، ما يزيد من تعقيد المشهد الانتخابي.
ولو تحول ائتلاف حماس إلى مجرد اصطفاف انتخابي في مواجهة فتح، فقد يفاقم الانقسام، لكنه قد يفتح نافذة أمل إذا تطور إلى توافق أوسع حول مواجهة المخاطر والتحديات، خصوصا أن تفرد قيادة السلطة باتخاذ القرار وعدم التشاور مع القوى السياسية والمجتمعية دفع عدة أطراف إلى البحث عن مساحات مشتركة خارج الإطار الرسمي.
لذلك، إن عُقدت الانتخابات دون تأجيل أو إلغاء، بين تحالف دحلان وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى من جهة، وفتح بقيادة محمود عباس والسلطة الفلسطينية التي يقودها ماجد وحسين من جهة أخرى، فستكون النتائج مفاجأة للجميع، كما حدث في انتخابات عام 2006، التي فاجأت الجميع بفوز حماس، حسبما يرجح الصحفي الفلسطيني عبد الغني الشامي من غزة لـ"الاستقلال".
وكان نائب الرئيس حسين الشيخ قال: إن حماس لن تشارك في الانتخابات المقبلة باسمها الرسمي المعروف، ولا عبر رموزها الحالية، وإن مشاركتها ستكون وفق صيغة أخرى، ما وضع السلطة في موقع تحديد شكل مشاركة قوة سياسية أخرى.
ويتخوف محللون سياسيون ومراقبون من أن يقوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلغاء الانتخابات الفلسطينية، كما فعل عام 2021 في اللحظة الأخيرة، بذريعة عدم موافقة الاحتلال على إجرائها في القدس، وأن يزيد ذلك من التمزق والانقسام السياسي الداخلي.
ومن المفترض إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، للمرة الأولى منذ 20 عاما، منذ فوز حماس في انتخابات يناير/ كانون الثاني 2006 بـ74 مقعدا، بينما فازت فتح بـ45 مقعدا.

موقف إسرائيل وأميركا
لا يوجد، حتى الآن، إعلان أميركي رسمي بمنع حماس من خوض الانتخابات الفلسطينية، ولا إعلان إسرائيلي رسمي نهائي يحدد آلية لمنعها، لكن توجد مؤشرات قوية على أن مشاركة حماس تثير اعتراضا إسرائيليا وأميركيا كبيرا، خصوصا إذا دخلت الانتخابات وهي تحتفظ بسلاحها.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن المشكلة الأساسية بالنسبة لإسرائيل ليست مجرد مشاركة أعضاء أو شخصيات مرتبطة بحماس في انتخابات فلسطينية، وإنما أن تتحول حماس، بصفتها منظمة مسلحة مصنفة "إرهابية" لدى إسرائيل والولايات المتحدة، إلى قوة سياسية داخل السلطة الفلسطينية مع استمرار جناحها العسكري.
ويرى الإسرائيليون أن دخول حماس الانتخابات وهي تحتفظ بسلاحها سيُنظر إليه في إسرائيل بصفته تحايلا سياسيا على هدف نزع السلاح، أي خروج حماس من الحكم العسكري المباشر بسلاحها، مقابل دخولها النظام السياسي، أو أنه تحايل بالمشاركة السياسية مقابل نزع السلاح والانسحاب، بما يبقي على قوتها الشعبية والسياسية.
وما يزعجهم أيضا أن "حماس تعتزم خوض الانتخابات الفلسطينية المقبلة ضمن تحالف واسع، لأن ذلك يثير مخاوف إسرائيلية من انتقال نفوذ الحركة إلى مؤسسات السلطة الفلسطينية".
فضلا عن سعي حماس إلى إعطاء الأولوية، في برنامجها، لـ"الوضع الراهن في المسجد الأقصى"، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" في 13 أغسطس/ آب 2026.
والمفارقة أن خطة مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب السياسية المطروحة لغزة تدفع باتجاه إنشاء إدارة فلسطينية مدنية وإجراء انتخابات، بينما تريد إسرائيل أولا ضمان ألا تستعيد حماس نفوذها العسكري، وتضغط سياسيا لعدم إشراكها بطرق مختلفة.
وقد حذر "مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية" من مشاركة حماس وعودتها إلى الحياة السياسية، وتحدث عن ضرورة منع عودة الحركة إلى النظام السياسي الفلسطيني بطرق مختلفة.
وأوضح أن إسرائيل لا تستطيع إصدار قانون يقول: إن حماس ممنوعة من الترشح في الأراضي الفلسطينية، لكنها تملك أدوات ضغط قوية، خصوصا في القدس الشرقية، وكذلك من خلال السيطرة الأمنية والعسكرية على أجزاء من الضفة الغربية، فضلا عن قدرتها على التأثير في ترتيبات الانتخابات داخل غزة والضفة.
ويوم 26 أغسطس/ آب 2026، حذر تقرير موسع نشره "مجلس أكتوبر"، وهو منظمة مدنية تمثل عائلات القتلى والمصابين الإسرائيليين الذين سقطوا في هجوم "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ويضم خبراء أمن، من مشاركة حماس في الانتخابات أو تركها تنمو في غزة بسلاحها، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت".
وحذر المجلس الإسرائيلي من "عودة واقع أمني في غزة مشابه للواقع الذي سبق هجوم 7 أكتوبر"، مشيرا إلى تعاظم قدرات الحركة، رغم أن سياسة احتواء حماس في قطاع غزة لا تزال قائمة.
ونقل التقرير عن مسؤول أمني رفيع المستوى قوله: إن "حماس تواصل تعزيز قدراتها في قطاع غزة من دون حصولها على الاهتمام المطلوب"، واشتكى من أن التركيز على إيران جاء على حساب التعامل مع تعاظم قوة حماس.
ويتضمن التقرير سبع "إشارات تحذير"، من بينها أن حماس تعرضت لضربات عسكرية، لكن لم تُنزع أسلحتها، وتواصل إعادة بناء قدراتها، إلى جانب محاولات الحركة اختبار "الخط الأصفر" وردة فعل الجيش الإسرائيلي.
كذلك يشير التقرير إلى تآكل منظومة قوات الاحتياط وقوات الدفاع في المستوطنات المحاذية للحدود، وإلى إسكات الانتقادات والتحذيرات بسبب ما وصفه التقرير بـ"حاجز الخوف"، فضلا عن عدم تشكيل هيئة مستقلة تفحص مسؤولية المستوى السياسي وأداء مختلف الأجهزة الأمنية بصورة شاملة.
ويبدو الموقف الأميركي أكثر تعقيدا من مجرد رفض مشاركة حماس؛ لأن الخطة الأميركية تسمح بإجراء انتخابات، ومن الصعب أن يتم منع حماس، لكن إدارة ترامب تضع نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها العسكري في غزة في قلب خطتها.
إذ تشير تصريحات إدارة ترامب إلى أن واشنطن تريد انتخابات وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، لكنها تريد في الوقت نفسه نظاما سياسيا لا تعود إليه حماس كقوة عسكرية، لذلك تتضارب تصريحاتها.
وتُتداول تقارير عن حصول حماس على إشارات أميركية إيجابية بشأن المشاركة، مثلما يزعم مركز "ميمري" الذي يدافع عن إسرائيل، في 24 أغسطس/ آب 2026، لكن لم يصدر عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية ما يؤكد منح حماس موافقة على خوض الانتخابات.
ويبدو أن العامل الحاسم لدى واشنطن، كما تشير تقارير أميركية، هو نزع السلاح؛ فإذا دخلت حماس الانتخابات بعد تسليم سلاحها أو الاتفاق على وضعه تحت سلطة فلسطينية موحدة، فمن الممكن أن تتعامل واشنطن مع مشاركتها بصفتها جزءا من عملية إعادة دمج سياسي.
أما إذا دخلت الانتخابات مع احتفاظها بجناح عسكري مستقل، فإن ذلك يصطدم مباشرة بالتصور الأميركي والإسرائيلي لما بعد الحرب؛ لأن خطة ترامب مرتبطة بنزع السلاح ونقل الحكم إلى إدارة مدنية.
ولهذا فإن التحالف الانتخابي بين حماس والجهاد ودحلان وآخرين قد يكون مهما، ويشكل التفافا على القيود الأميركية، لأنه يوفر إمكانية فصل مسألة التمثيل السياسي عن مسألة الترتيبات العسكرية والأمنية.
المصادر
- من دون "فتح".. الفصائل الفلسطينية تجتمع بالقاهرة غدًا لبحث تشكيل ائتلاف انتخابي
- تحالف غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية: حماس ودحلان والجهاد في قائمة انتخابية واحدة؟
- حماس والجهاد ودحلان في تحالف انتخابي.. هل يعيد رسم المشهد الفلسطيني؟
- Will Dahlan Take Over Gaza?
- الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال: بين الشرعية الديمقراطية ومتطلبات التحرر الوطني
- Hamas plans to run in upcoming Palestinian elections, to prioritize status quo at al-Aqsa Mosque
- From Cognitive Victory to Political Exclusion: Hamas and the 2026 Palestinian Elections
















