عبر جناحي إسرائيل والإمارات.. كيف تعزز الهند نفوذها في الشرق الأوسط؟

"في الهند، تبدو الدعوات المطالبة بوقف توريد السلاح إلى إسرائيل نادرة للغاية"
بعدما أصبحت من أبرز مورّدي الأسلحة إلى إسرائيل خلال إبادة غزة، تستعد الهند لإبرام صفقة عسكرية مع الإمارات، في تطور عدته صحيفة "كونفلي" الفرنسية مؤشرا على "تشكل محور هندي إماراتي جديد يعيد تشكيل المشهد الخليجي".
من جانبها، كشفت منظمة العفو الدولية في أحدث تقرير لها، صادر في 30 يوليو/ تموز 2026، أن الهند تواصل تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، الأمر الذي يعتقد موقع "راديو فرنسا الدولي (RFI)" أنه "يعرّض نيودلهي لخطر التواطؤ في المأساة المستمرة في غزة منذ 34 شهرا".
’’وثيقة ومربحة’’
في هذا الصدد، صرح أيمريك إيلوان، مسؤول كسب التأييد والسياسات المتعلقة بالأسلحة وحقوق الإنسان في فرع فرنسا لمنظمة العفو الدولية: "من المهم توثيق الدول الأقل شهرة بصفتها موردة للأسلحة إلى إسرائيل".
مضيفا أن "الدور الأميركي موثق بصورة جيدة، وهناك اهتمام كبير بهذا الملف في فرنسا رغم الضبابية العالية التي لا تزال تكتنفه، كما أُجريت أبحاث مماثلة بشأن ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها".
واستطرد: "بالبحث والتدقيق، سوف يكتشف الكثيرون اليوم أن الهند أضحت أحد الأركان الأساسية لصناعة الدفاع الإسرائيلية، فبعدما ظلت طوال الفترة الماضية في منطقة الظل".
وكشف الموقع أنه "على خلاف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي لا تتمتع بالشفافية بالضرورة، لكنها تصدر تقارير سنوية بشأن صادراتها من الأسلحة، لا تتسم الحكومة الهندية بالشفافية في ما يتعلق بمبيعاتها من الأسلحة".
وفي التحقيق الذي حمل عنوان "صنع في الهند: توريد الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل"، حلل باحثو منظمة العفو الدولية 2596 شحنة من الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والمكونات أرسلت من الهند إلى إسرائيل بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 و30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025".
وأشار التحقيق إلى أن شركات هندية عامة وخاصة زودت شركات إسرائيلية كبرى، تتولى توريد الأسلحة مباشرة إلى الجيش، بما لا يقل عن 390.516 قطعة غيار لأسلحة عسكرية صغيرة، و564.970 مكونا لمعدات متفجرة، مثل رؤوس الطائرات المسيرة الحربية وأغلفة القذائف، إضافة إلى 298 مكونا لمركبات عسكرية".
وعقّب الموقع: "تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة رغم أن المنهجية التي اتبعها فريق البحث ضيقت نطاق الدراسة؛ إذ استبعدت بصورة منهجية البيانات المتعلقة بالشحنات التي يمكن أن تكون مخصصة للاستخدام المدني، وكذلك الأسلحة وقطع الغيار والذخائر التي يحتمل استخدامها في تقنيات الدفاع الصاروخي، والتي تستخدم في كثير من الأحيان لحماية السكان المدنيين من الهجمات العشوائية".
ومن ثم، نوَّه إلى أن "المنهجية التي اعتمدت عليها منظمة العفو الدولية، والقائمة على الشحنات المصنفة وفقا لرموز محددة في نظام التصنيف الجمركي الدولي؛ قد تقلل من تقدير الحجم الفعلي لمساهمة نيودلهي في تسليح إسرائيل".
وبحسب الموقع، "يظهر التحقيق أن الحكومة الهندية أقامت شراكة وثيقة ومربحة مع قطاع الدفاع الإسرائيلي، وأصبحت موردًا مهمًا في سلسلة الإمداد التي تدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية".
وفي ضوء التدابير الاحترازية التي اتخذتها محكمة العدل الدولية، والتي أقرَّت بوجود خطر محتمل لوقوع إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، تشدد منظمة العفو الدولية على أن "السلطات الهندية لا يمكنها أن تدعي بصورة موثوقة أنها لم تكن تعلم أنه إذا واصلت السماح بعمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل وتسهيلها، فإنها تخاطر بشدة بالمساهمة في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي".
ورغم أن الهند لم توقع معاهدة تجارة الأسلحة، إلا أن الموقع شدد أنها "ملتزمة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وبالتالي يقع على عاتقها التزام بمنع وقوعها، ومن بين الالتزامات التي ينبغي ترجمتها إلى إجراءات معقولة لمنع وقوع الإبادة الجماعية وقف عمليات نقل الأسلحة".

في الاتجاهين
في هذا السياق، ذكر التقرير أنه "في مطلع 2024، عندما كانت القنابل تنهال على قطاع غزة، تعرضت الهند بالفعل لانتقادات بسبب تسليم نحو 20 طائرة مسيرة من طراز "هيرميس" مخصصة للمراقبة والاستطلاع، جرى تصنيعها على أراضيها".
وتابع: "وفي يونيو/ حزيران 2024، بثت قناة الجزيرة مقطع فيديو لحطام صاروخ أمكن قراءة عبارة "صنع في الهند" عليه، بعدم إطلاقه على مخيم للاجئين الفلسطينيين".
"كما عثر على العديد من المكونات ذات المنشأ الهندي بين أنقاض خان يونس، جنوب قطاع غزة، ومنها رؤوس حربية متفجرة لذخائر جوالة من طراز (سكايتستريكر)"، وفق ما أورده الموقع.
في هذا الإطار، لفت التقرير أنه "وفقا لبيانات هيئة الضرائب الإسرائيلية، كانت الدولة الواقعة في جنوب آسيا ثاني أكبر مورد لإسرائيل من حيث الواردات المرتبطة بالقطاع العسكري خلال الحرب، بحصة بلغت نحو 26 بالمائة من إجمالي القيمة المعلنة التي رصدها تحقيق موسع أجرته الجزيرة حول الدول التي سلحت إسرائيل خلال عامين من الحرب في غزة".
وأردف: "فيما كانت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى خلال الفترة نفسها، بحصة تجاوزت 42 بالمائة.
وتعلق أنييس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: "تصنع الهند الأسلحة وتوفرها، ثم يجري نقلها إلى إسرائيل عبر شركات التوريد الكبرى التي تمتلكها وتسيطر عليها".
وأضافت: "لا تكتفي الهند بالتغاضي عن تنظيم صادرات الأسلحة إلى إسرائيل التي تنفذها شركات خاصة، رغم ما يفرضه عليها القانون الدولي والمعايير الدولية، بل تمضي أيضا في تعزيز شراكتها الدفاعية مع تل أبيب".
في هذا الصدد، لفت التقرير إلى أن "الهند وإسرائيل وقعتا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 مذكرة تفاهم بشأن التعاون الدفاعي، تهدف إلى تعزيز العلاقات العسكرية والصناعية والتكنولوجية بين البلدين".
وبحسب الموقع، "تتخذ الشراكة العسكرية بين الهند وإسرائيل طابعا متبادلا؛ إذ تعد إسرائيل موردا رئيسا للأسلحة إلى الجيش الهندي منذ الحرب الهندية الصينية عام 1962، غير أن تل أبيب تحولت إلى شريك عسكري لا غنى عنه لنيودلهي، لا سيما منذ وصول ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014.".
وتابع: "وبين عامي 2020 و2024، وفرت صناعة الدفاع الإسرائيلية 13 بالمائة من المعدات العسكرية للهند، لتصبح، وفقا لإحصاءات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ثالث أكبر مورد للأسلحة إلى نيودلهي بعد روسيا وفرنسا".
وتطورت هذه النسبة، لتصبح الهند حاليا -بحسب الموقع- أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية، بحصة تتجاوز 40 بالمائة، فيما تجري مفاوضات لتصنيع طائرات مسيرة وصواريخ ورادارات وسفن قتالية وأسلحة خفيفة في الهند، في إطار مشاريع مشتركة هندية إسرائيلية".
"اليوم، لا شيء يشير إلى أن الهند قد تخلت عن تسليم معدات عسكرية إلى إسرائيل"، يؤكد إيمريك إيلوين.
ويضيف: "ليس لدينا أي معلومة علنية تفيد بأنها قد تخلت عن صادراتها، فالمشاريع المشتركة التي أنشأها البلدان داخل الهند، فما زالت قائمة وتواصل عملها، بما يتيح استمرار نقل المعدات إلى إسرائيل".
وبحسب تقيمه، فإن "العلاقة التجارية في مجال الدفاع بين الهند وإسرائيل هي أمر راسخ، وبعضهم اليوم يرى أن الهند أصبحت بمثابة جسر جديد لإسرائيل لدى الدول الأكثر تقدما في مجال صناعة السلاح".
واستطرد: "إنها وسيلة جديدة لإسرائيل لتوسيع أسواقها وتسهيل إنتاج المعدات أيضا".
أيديولوجيا مشتركة
"في الهند، تبدو الدعوات المطالبة بوقف توريد السلاح إلى إسرائيل نادرة للغاية"، يقول التقرير.
وأكمل: "ومع ذلك، وبعد أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب في قطاع غزة، أعلنت شركة "ماريان أباريل" الهندية، وهي أحد الموردين الأساسين لزي الشرطة الإسرائيلية، عن إنهاء عقدها، وكانت هذه الشركة تمد قوات الشرطة الإسرائيلية بنحو 100,000 زي سنويا منذ عام 2015".
وأوضح المدير التنفيذي للشركة، توماس أوليكال، لوكالة الصحافة الفرنسية أن هذا القرار جاء "لأسباب أخلاقية".
على المستوى الشعبي، أفاد الموقع بأنه "يجري قمع الاحتجاجات المؤيدة لسكان قطاع غزة بشدة، على خلاف الاحتجاجات المؤيدة لإسرائيل، كما أصبح رفع علم بألوان العلم الفلسطيني يعد جريمة".
على صعيد آخر، لفت التقرير إلى أنه "حتى لو توقف إطلاق النار قريبا في قطاع غزة، بعد الإعلان في 31 يوليو/ تموز 2026 عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، فإن ذلك لا يعني أن الهند لن تعود معنية بالانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل ضد جيرانها في الضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا".
وعزا ذلك إلى "إشارة تحقيق منظمة العفو الدولية، على سبيل المثال، إلى رشاشات "نيغيف"، وهي أسلحة واسعة الانتشار تحتوي بعض مكوناتها على أجزاء هندية الصنع، وتستخدمها القوات الإسرائيلية على نطاق واسع".
وقال أيمريك إيلوان: "من المرجح جدا ألا يقتصر استخدامها على قطاع غزة، وأن تنتشر القوات البرية والمركبات المدرعة المزودة برشاشات محورية أيضا في جنوب لبنان".
ووفقا له، "ينطبق الأمر نفسه على قذائف عيار 155 ملم التي تصدرها الهند لاستخدامها في المدفعية، وهي مدفعية تستخدم أيضا في جنوب لبنان".
وبناء عليه، يؤكد أنه "ثمة خطر قائم اليوم، وفي كل الأحوال فإن الاستخدام قد ثبت بالفعل".
"وعلى خلاف موهانداس غاندي، أحد أبرز قادة حركة استقلال الهند، الذي كتب عام 1938 أن "فلسطين للعرب كما إنجلترا للإنجليز أو فرنسا للفرنسيين"، فإنه مع وصول ناريندرا مودي، حدث تحول جذري في هذا الموقف". بحسب وصف الموقع.
الذي أرجع ذلك إلى "افتتان الحركة الهندوسية تاريخيا لفترة طويلة باليهود والصهيونية".
وفي تحليل قدمه نيكولا بلاريل، المختص في السياسة الخارجية الهندية، قال: "إن الهندوسيين الممسكين بالسلطة اليوم في نيودلهي جعلوا من الديمقراطية الإثنية الإسرائيلية القائمة على الهوية اليهودية -والتي تحيل غير اليهود إلى هامش المواطنة- نموذجا لهم لإعادة بناء الأمة الهندية، بعد أن أسَّسها رجال سياسة علمانيون وتعدديون بامتياز".
وتابع بلاريل: "واليوم، تتعاون الدولتان بشكل وثيق ضمن تحالف يُفترض أنه يهدف إلى مكافحة الإرهاب على حدودهما، في ظل وجود عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة ضمن محيطهما الإقليمي".
من جانبها، ترى صحيفة "لومانيتي" الفرنسية أن "التقارب الأيديولوجي بين الزعيمين، رغم ما ينتج عنه من مصالح مادية واضحة، يظل أقل أهمية من المصالح الاقتصادية المشتركة".
وأوضحت مقصدها: "فكلاهما ينتظر المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي يفترض أن يولدها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي سيصل غرب الهند بالبحر المتوسط عبر إسرائيل، على أن تتولى شركة الشحن الفرنسية "سي إم إيه سي جي إم" تشغيله".
فضلا عن ذلك، "ترسل نيودلهي عشرات الآلاف من العمال، وغالبيتهم من الفئات الأكثر هشاشة، للعمل في الحقول ومواقع البناء، بما في ذلك في الضفة الغربية المحتلة".
إضافة إلى التقديرات الإيديولوجية والاقتصادية، ترى الصحيفة أن هناك بُعدا إستراتيجيا، فالهند "في ظل قيادة مودي الذي يدعو إلى سياسة "تعدد الاصطفافات"، تقترب أكثر فأكثر من إسرائيل ومن دول الشمال العالمي، مدفوعة بالحاجة إلى تنويع شراكاتها في مواجهة عدم القدرة على التنبؤ بمواقف حليفتها الأميركية والتهديدات المرتبطة بالرسوم الجمركية".

بديل إستراتيجي
وفي هذا السياق، تطرقت صحيفة "كونفلي" الفرنسية إلى الشراكة المتنامية بين الهند والإمارات مشيرة "إن احتمال بيع الإمارات صواريخ كروز فرط صوتية من طراز "براهموس" ومنظومة "أكاشتير" الهندية للقيادة والسيطرة على الدفاع الجوي لا يمثل مجرد صفقة عسكرية، بل يحمل إشارة سياسية وصناعية وإستراتيجية".
فهذه الصفقة تشير -بحسب تحليلها- إلى أن "نيودلهي لم تعد تريد أن تكون مجرد قوة ديموغرافية واقتصادية كبرى، وإنما تسعى أيضا إلى أن تصبح موردا للأمن، كما يظهر أن أبو ظبي لم تعد تريد الاعتماد بصورة شبه كاملة على الضمانات الغربية التقليدية".
وعقّبت الصحيفة: "هنا تكمن الميزة الجديدة بحق، فالإمارات لا تشتري أسلحة فقط، بل تكتسب هامشا من الاستقلالية، وتستثمر في بدائل إستراتيجية تتيح لها إمكانية الحوار مع واشنطن وباريس وموسكو وبكين ونيودلهي دون الارتهان الكامل لأي منها".
واستطردت: "هذا هو منطق القوى المتوسطة في الخليج: عدم القطيعة مع الحامي الأميركي القديم، بل بناء بدائل موثوقة في حال أصبح هذا الحليف مترددا أو مكلفا أو غير مستقر سياسيا".
وحول أهمية منظومة "أكاشتيير"، تشدد الصحيفة على أنها "ليست مجرد منظومة أسلحة، وإنما تمثل بنية رقمية تربط بين الرادارات وأجهزة الاستشعار وبطاريات الصواريخ ومراكز اتخاذ القرار، بما يسمح بإدارة تهديدات متزامنة قادمة من اتجاهات متعددة".
وأضافت أنه "في مسرح عمليات مثل الخليج؛ حيث يمكن للطائرات المسيرة منخفضة التكلفة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز أن ترهق منظومات الدفاع، لا يتحدد الفارق بقدرات منصة إطلاق منفردة، وإنما بجودة البنية المتكاملة".
أما "براهموس"، فذكرت أنه "يستجيب لمتطلب مختلف، هو الردع الهجومي؛ فالإمارات لا تريد الدفاع عن نفسها فحسب، بل تريد أن توصل إلى طهران، أو إلى أي خصم آخر، رسالة مفادها أن أي هجوم ستكون له كلفة".
وتابعت: "فالصاروخ فوق الصوتي الذي يتمتع بمدى ممتد وسرعة عالية، ليس مجرد أداة تكتيكية، وإنما يمثل رسالة سياسية مفادها أن أبو ظبي تريد امتلاك قدرة تقليدية موثوقة وسريعة للرد على مسافات بعيدة".
وفي إطار تحليلي، ترى الصحيفة أن "الاهتمام الإماراتي بـ"براهموس" و"أكاشتيير" يكشف عن تطور في العقيدة العسكرية، فقد أدركت أبو ظبي أن الدفاع الحديث لم يعد يقوم على مجرد جمع منظومات باهظة التكلفة، وإنما على دمجها".
بصورة أوضح، "أظهرت الحرب الأخيرة مع إيران أن المشكلة الرئيسة لا تتمثل في اعتراض صاروخ منفرد، وإنما في القدرة على الصمود أمام موجات معقدة من الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات المركبة".
في هذا السياق، أوضحت الصحيفة أن "منظومة (أكاشتيير) تعمل على تقليص الوقت الفاصل بين اكتشاف التهديد والاستجابة له، بينما ترفع (براهموس) الكلفة المحتملة لأي عدوان".
ومن ثم، تقدر أن "النظامين يشكلان معا نهجا دفاعيا متكاملا يجمع بين حماية الشبكة الدفاعية والقدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى".
مشيرة في الوقت نفسه إلى "أنهما لن يحولا الإمارات إلى قوة عسكرية عظمى، لكنهما سيعززان بشكل كبير قدرتها على الردع الإقليمي".
بالنسبة إلى الهند، ترى الصحيفة أن "الصفقة ستكون أكثر أهمية؛ فقد كانت نيودلهي على مدى عقود واحدة من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، لكنها تريد الآن أن تصبح دولة مصدرة لها".
وبحسب الصحيفة، "تجسد صواريخ "براهموس"، التي طورتها الهند بالتعاون مع روسيا، هذا التحول؛ فبعد إبرام أول صفقة لبيعها إلى الفلبين، ثم جذبها اهتمام دول آسيوية وأميركية لاتينية أخرى، قد تصبح الآن مدخلا للهند إلى سوق الشرق الأوسط.".
ويشدد المقال على أن "هذه الخطوة ذات طابع سياسي حتى قبل أن تكون تجارية، فبيع الأسلحة لدول الخليج يعني دخول أحد أغنى أسواق العالم وأكثرها فرضا لشروط صارمة، ويعني أيضا منافسة، ولو جزئيا، مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا".
"كما يعني إثبات أن الصناعة العسكرية الهندية لا تقتصر على الإنتاج لجيشها فحسب، بل يمكنها أيضا تصدير أنظمة موثوقة وقابلة للتصدير والتكامل، مدعومة بالتعاون الصناعي". وفق تقيمه.
من هنا، تشير الصحيفة إلى أن "النموذج الهندي يلقى قبولا لدى الإمارات لأنه لا يقتصر على بيع منظومات جاهزة؛ إذ تقدم نيودلهي نفسها بوصفها شريكا مستعدا لبحث الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والبحث العلمي المشترك والتطوير الصناعي".
ووفق وجهة نظرها، فإن "هذا هو تحديدا ما تسعى إليه أبو ظبي: تقليل الاعتماد، وزيادة القدرات المحلية، وتعزيز السيطرة على التقنيات الحيوية".
شبكة راسخة
من منظور تحليلي أشمل، ترى الصحيفة أن "الشراكة بين الهند والإمارات لا تنشأ من المجال الدفاعي، وإنما من شبكة اقتصادية راسخة بالفعل".
وأردفت: "فالإمارات تعدّ من أبرز الشركاء التجاريين للهند، ويعيش ويعمل فيها ملايين المواطنين الهنود، فيما أسهمت الاستثمارات والطاقة والخدمات اللوجستية والموانئ والقطاع المالي والذكاء الاصطناعي في بناء علاقة عميقة بين البلدين".
في هذا السياق، تنظر الصحيفة إلى "حزمة الاستثمارات الإماراتية التي أُعلن عنها، والبالغة 5 مليارات دولار، إلى جانب التعاون في قطاع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، بوصفها مؤشرا حول الاتجاه الذي تسلكه العلاقة؛ فأبو ظبي لا تنظر إلى الهند بصفتها سوقا فحسب، وإنما بصفتها منصة إنطلاق، وفي المقابل، ترى الهند في الإمارات جسرا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط".
في ضوء ذلك، رجحت الصحيفة أن "ينشأ محور هندي إماراتي يقوم على ثلاثة أعمدة: الطاقة والتكنولوجيا والدفاع".
وتابعت: "يضمن الركن الأول استمرارية التجارة، ويدفع الثاني البلدين نحو منافسة رقمية، بينما يحوّل الثالث العلاقة الاقتصادية إلى تحالف إستراتيجي".
واستطردت: "هذا هو الاقتصاد الجغرافي الخالص: السلاح يتحول إلى صناعة، والصناعة تتحول إلى نفوذ، والنفوذ يتحول إلى أمن".
في المقابل، حذرت الصحيفة من قراءة هذا التقارب "بصفته مجرد اصطفاف ضد باكستان أو الصين"، موضحة أن "دول الخليج لم تعد تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق الاختيار بين طرفين، وإنما تتجه إلى تنويع شراكاتها".
بعبارة أخرى، "لا يتعلق الأمر باستبدال شريك بآخر، وإنما بتنويع الخيارات والاستفادة من نقاط قوة كل شريك، فالرياض تقدر باكستان لما تتمتع به من عمق عسكري وروابط تاريخية وصلات بالعالم الإسلامي، بينما تقدر أبو ظبي الهند لما تتمتع به من ثقل اقتصادي وقدرات تكنولوجية وإمكانات بحرية وقدرة متنامية على التحول إلى قوة صناعية في مجال الدفاع".
وبحسب تقديرها، فإن "النتيجة النهائية هي بناء شبكة أوسع من الشراكات تقلل اعتماد دول الخليج على ضامن خارجي واحد".
على الصعيد الجيوسياسي، يرى المقال أن "المحور الهندي الإماراتي يمثل إحدى أبرز نتائج الفوضى الدولية الجديدة، فالولايات المتحدة لا تزال دولة محورية، لكنها لم تعد الطرف الوحيد، وروسيا لا تزال مهمة، لكن دورها بات أكثر ارتباطا بالحرب والعقوبات، أما الصين فتواصل التقدم، لكن صعودها يستدعي الحذر".
"وفي هذا السياق، تدخل الهند إلى هذه المساحة بصفتها قوة أقل إثارة للتهديد، ومفيدة للجميع، ولا تعادي سوى عدد قليل من الأطراف"، وفق تحليله.
وبالنسبة إلى أبو ظبي، يعتقد المقال أن "نيودلهي تقدم مزيجا نادرا من الثقل الديموغرافي، والسوق الضخمة، والقدرات التكنولوجية المتنامية، والطموحات العسكرية، وغياب النهج الإمبراطوري التقليدي في العالم العربي".
أما الهند، فيقدر أن الإمارات تمثل لها "بوابة إلى الخليج وشرق إفريقيا وطرق الطاقة ورؤوس الأموال السيادية".
ومن ثم، تشدد الصحيفة أن "المسألة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل يمكن عدها محاولة لبناء منظومة أمنية هندية إماراتية تشمل الصواريخ والبيانات والطاقة والموانئ ورأس المال والذكاء الاصطناعي".
وبهذا المعنى، خلصت إلى أن "الاتفاق المحتمل بشأن "براهموس" و"أكاشتيير" ليس مجرد حدث عابر، وإنما مؤشر على نظام دولي لم تعد فيه القوى المتوسطة تنتظر أوامر الإمبراطوريات الكبرى، بل تبني بنفسها هامش نفوذها الخاص".
المصادر
- En vendant des armes à Israël, l'Inde risque de se rendre complice du génocide à Gaza, selon Amnesty International
- Génocide à Gaza : avec plus de 2 500 livraisons d’armes indiennes à Israël, Narendra Modi complice assumé de Benyamin Netanyahou
- DÉCRYPTAGE – Émirats et Inde, le pacte qui redessine le Golfe

















