من الشراكة التجارية إلى الدبلوماسية الغذائية.. مصر والبرازيل إلى أين؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في ظل البيئة الدولية الراهنة، أصبح التعاون بين دول "الجنوب العالمي" أداة لتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية والاقتصادية. 

فالتوسع في عضوية مجموعة بريكس، وأزمة سلاسل الإمداد، وتزايد أهمية الأمن الغذائي، تدفع عددا من الفاعلين من خارج المنظومة الغربية إلى تعزيز علاقات بديلة عن القنوات التقليدية.

وفي هذا السياق أشار معهد "تحليل العلاقات الدولية الإيطالي" (IARI) إلى تطور العلاقات بين البرازيل ومصر.

ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وبمناسبة مرور مئة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أطلق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ورئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي "شراكة إستراتيجية" بين البرازيل ومصر. 

وتتناول الشراكة، وفقا للإعلان المشترك، التعاون السياسي والتنمية المستدامة وإصلاح التعددية الدولية ومكافحة الجوع وتعزيز العلاقات بين دول الجنوب العالمي.

وبحسب تقدير المعهد، "تكتسب هذه الخطوات أهميتها؛ لأنها لا تتعلق فقط بتعزيز العلاقات الثنائية، وإنما تشير إلى احتمال انتقالها من علاقة يغلب عليها الطابع التجاري إلى تعاون جيوسياسي أوسع، تصبح فيه قضايا الغذاء والخدمات اللوجستية وبريكس ودبلوماسية الجنوب-الجنوب أدوات للقوة والنفوذ".

علاقة مهمة

وذكر التقرير أن "توقيع الشراكة الإستراتيجية بين البرازيل ومصر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 أسهم في تغيير الوضع بين البلدين؛ لأنها أضفت طابعا سياسيا رسميا على علاقة مهمة بالفعل على المستوى التجاري، وأدخلتها في إطار أوسع من التعاون متعدد الأطراف".

وتابع: "يحتل القطاع الزراعي موقعا محوريا في هذه العلاقة، ففي عام 2024، أصبحت مصر الشريك الزراعي الرئيس للبرازيل في إفريقيا".

ووفقا لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية، بلغت الصادرات الزراعية البرازيلية إلى مصر نحو 3.3 مليارات دولار، بإجمالي تجاوز 8.5 ملايين طن من المنتجات.

كما تعززت العلاقات الثنائية في وقت انضمت فيه مصر إلى مجموعة بريكس كعضو كامل بدءا من يناير/ كانون الثاني 2024. 

وعقّب المعهد: "إن التقاء التعاون الغذائي بالعضوية في المنتدى التعددي ذاته يمنح حالة البرازيل ومصر دلالة جيوسياسية مهمة".

من جهتها، "تعد البرازيل إحدى أبرز القوى الزراعية في العالم؛ إذ تتيح لها قدرتها على تصدير المنتجات الغذائية والسلع الزراعية والخبرات التقنية استخدام الزراعة كأداة دبلوماسية، لا سيما في علاقاتها مع الدول التي تعتمد على واردات الغذاء".

علاوة على ذلك، أشار المعهد إلى أن "المركز البرازيلي لأبحاث الزراعة "إمبرابا" يضيف بعدا عمليا إلى التعاون من خلال الخبرات والتقنيات الزراعية التي يمتلكها".

وفي المقابل، ذكر أن "مصر تعد فاعلا محوريا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط؛ إذ يجعل إشرافها على قناة السويس وموقعها بين البحر المتوسط والبحر الأحمر منها عقدة لوجستية أساسية تربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا".

وأردف: "وفي الوقت نفسه، تعاني مصر من مواطن ضعف هيكلية في مجال الأمن الغذائي؛ إذ يمثل القمح والخبز المدعوم عاملين بالغي الحساسية بالنسبة إلى الاستقرار الاجتماعي الداخلي، وهو ما تؤكده بيانات منظمة الأغذية والزراعة "فاو" وتحليلات أسعار الخبز المدعوم في البلاد".

انقسام وتعددية

في هذا الإطار، يرى التقرير أن "البرازيل ومصر يتحركان ضمن نظام دولي يزداد انقساما وتعددية في مراكز القوة".

ووفق اعتقاده، "تسعى البرازيل، في عهد الرئيس لولا، إلى استعادة دورها العالمي من خلال بريكس ومجموعة العشرين والتعاون بين دول الجنوب".

أما مصر، فيقدر أنها "تحاول تحقيق توازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج والصين وروسيا، مع تجنب الاعتماد المفرط على كتلة واحدة".

وأوضح المعهد أن "البعد الأول في العلاقة بين الدولتين يتمثل في الغذاء؛ إذ يمكن للبرازيل أن تصبح شريكا مفيدا لمصر في تنويع إمداداتها الزراعية وتقليل تعرضها للصدمات القادمة من مناطق أخرى، لا سيما منطقة البحر الأسود".

في هذا السياق، يرى التقرير أن "الإعلان البرازيلي بشأن فتح الأسواق المصرية أمام منتجات زراعية برازيلية جديدة يظهر أن التعاون يتعلق بسلاسل إمداد فعلية، وليس بمجرد تصريحات دبلوماسية".

وعليه، يمكن القول أن مصر "تلبي للبرازيل حاجة تتمثل في توسيع أسواقها الزراعية، وتعزيز صورتها كقوة من قوى "الجنوب العالمي"، وتوسيع حضورها في إفريقيا والشرق الأوسط".

"فيما تمثل البرازيل لمصر فرصة لتلبية احتياجات تتعلق بالأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستقلال الإستراتيجي"، قال التقرير.

وأكمل: "وفي ظل سياق يتسم بالتضخم والضغوط الديموغرافية وعدم الاستقرار الإقليمي، فإن ضمان إمدادات غذائية مستقرة يمثل أيضا قضية تتصل بالأمن الداخلي".

أما البعد الثاني، فيتسم بطابع متعدد الأطراف وإقليمي؛ إذ يقدر المعهد أن "انضمام مصر إلى بريكس يتيح لها وللبرازيل مساحة أوسع للتنسيق بشأن قضايا التنمية والأمن الغذائي وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية".

وأشار إلى أنه "بالنسبة للبرازيل، يمكن لمصر أن تمثل بوابة عبور نحو شمال إفريقيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط، بينما تمثل البرازيل للقاهرة شريكا خارج الإقليم يمكن الاستفادة منه لتنويع علاقاتها الخارجية".

ومع ذلك، نوّه إلى أن "هذا التعاون يأتي في نطاق مأهول بالفعل بقوى كبرى مثل الصين، وروسيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج؛ ولهذا السبب سيتعين عليه تحقيق نتائج ملموسة حتى لا يبقى مجرد خيار ثانوي".

أداة للنفوذ

في السيناريوهات المستقبلية، تناول المعهد ثلاثة افتراضات قائلا: "في أسوأ السيناريوهات، تظل الشراكة ذات طابع خطابي إلى حد كبير".

وأرجع ذلك إلى أن "عدم الاستقرار الإقليمي، والتوترات في البحر الأحمر، والحرب في غزة، والأزمة الاقتصادية المصرية، ومنافسة قوى أكثر نفوذا؛ تحد من نطاق التعاون الفعلي".

واستطرد: "صحيح أن البرازيل ستبقى موردا زراعيا مهما، لكنها لن تنجح في تحويل التجارة إلى نفوذ جيوسياسي مستدام".

وفي مثل هذه الحالة، يقدر أن مصر من ناحيتها "ستواصل اعتمادها بصورة أساسية على شركاء آخرين في مجالات الأمن والتمويل والطاقة والواردات الإستراتيجية".

وخلص إلى أنه "في هذا السيناريو، ستظل العلاقات بين البلدين مهمة تجاريا، لكنها لن تتجاوز حدود التأثير المحدود في أنماط اعتماد مصر على الخارج، أو في تعزيز الحضور الفعلي للبرازيل".

وعلى النقيض، رجح التقرير أنه "في أفضل السيناريوهات، ستتجاوز الشراكة إطارها الرمزي، مع نمو التجارة الزراعية وتطوير اتفاقيات في مجالات الخدمات اللوجستية والأسمدة والتكنولوجيا الزراعية والأمن الغذائي".

فضلا عن ذلك، "ستعزز البرازيل حضورها في شمال إفريقيا، وتستخدم مصر منصة للوصول إلى القارة السمراء والبحر المتوسط والشرق الأوسط".

وتابع: "وفي المقابل، تنوع مصر مصادر إمداداتها، وتقلل جزءا من هشاشتها الغذائية، وتكتسب هامشا أكبر للمناورة في المفاوضات".

وخلص إلى أنه "في هذا السيناريو، ستعزز الشراكة المكانة الإستراتيجية لمصر، ليس على المستوى العسكري، وإنما على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي".

بين ذاك وذاك، تفترض فرضية أخرى أن "الشراكة بين البرازيل ومصر يمكن أن تحول العلاقة التجارية إلى تعاون جيوسياسي بين دول الجنوب".

وأوضح المعهد أنه "وفق هذا المنظور، يصبح الغذاء أداة للنفوذ الجيوسياسي، فالبرازيل لا تصدر السلع الزراعية فحسب، وإنما تقدم أيضا الموثوقية والخبرات التقنية والثقل الدبلوماسي".

على الجانب الآخر، تقدر هذه الفرضية أن مصر "لا تبحث عن مصادر جديدة للإمدادات الغذائية فحسب، وإنما تسعى أيضا إلى بناء شبكة أوسع من الشركاء لتقليل تعرضها للصدمات الخارجية".

ومن ثم، "توضح الحالة البرازيلية المصرية أن الجغرافيا السياسية المعاصرة لا تقتصر على التحالفات العسكرية والقواعد أو النزاعات المسلحة، وإنما تدور أيضا حول السيطرة على إمدادات الغذاء، وتنويع الشركاء، والوصول إلى الأسواق، وبناء منصات متعددة الأطراف بديلة".

وعليه، يرى المعهد أن "الأشهر المقبلة ستكشف مدى رسوخ هذه الشراكة من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسة، في مقدمتها استمرار تدفق المنتجات الزراعية؛ إذ إن مواصلة الصادرات البرازيلية إلى مصر نموها ستمنح الشراكة قاعدة تجارية أكثر متانة".

فيما يتمثل المؤشر الثاني، وفقا له، في "فتح قنوات لوجستية ترتبط بالموانئ والطرق البحرية ومنشآت تخزين المواد الغذائية".

أما المؤشر الثالث فأوضح أنه "يتعلق بالتنسيق الدبلوماسي، إذ ستكون قدرة البلدين على تبني مواقف متقاربة بشأن التنمية والأمن الغذائي وإصلاح الحوكمة العالمية مؤشرا مهما".

بعبارة أخرى، "سيكون توقيع اتفاقيات تنفيذية في مجالات الخدمات اللوجستية أو التخزين أو الأسمدة مؤشرا إيجابيا، بينما سيكون تراجع التبادل التجاري أو غياب المبادرات العملية بعد الإعلان السياسي لعام 2024 مؤشرا سلبيا".

في المحصلة، يشدد المعهد على أن "الشراكة بين البرازيل ومصر تمثل نموذجا للجغرافيا السياسية غير العسكرية".

وبحسب قرأته، "لا تكمن أهميتها فقط في حجم التبادل التجاري، وإنما في إمكانية تحول الأمن الغذائي وبريكس ودبلوماسية الجنوب-الجنوب إلى أدوات لتعزيز الاستقلال الإستراتيجي".

ومن ثم، يؤكد على أن "النقطة الحاسمة لا تكمن في توقيع الاتفاق بحد ذاته، وإنما في قدرة البلدين على تحويل التقارب الدبلوماسي إلى تعاون ملموس ومستمر وقابل للقياس".

واختتم لافتا إلى أنه "في غياب هذه العناصر، ستظل الشراكة مفيدة على المستوى التجاري وبارزة على الصعيد الدبلوماسي، لكنها ستبقى محدودة في قدرتها على تغيير أوجه الاعتماد الإستراتيجي لمصر وتعزيز الحضور الدولي للبرازيل".

الكلمات المفتاحية