مسيّرات الجيش اليمني في قلب المعركة.. محاولة لكسر التفوق الحوثي

بدأت القوات الحكومية اليمنية مؤخرًا إدخال أنواع أكثر تطورًا من الطائرات المسيّرة إلى عملياتها القتالية
تفرض المعارك الأخيرة في اليمن معطيات ميدانية جديدة، اختصرها ناشطون في وسم #مسيرات_الجيش_تفتك_بالحوثي الذي تصدّر منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع عودة لغة السلاح إلى واجهة المشهد، بعد سقوط قتلى وجرحى من طرفي الصراع في هجمات وتسللات متبادلة.
وفي أبرز التحولات الميدانية، بدأت القوات الحكومية اليمنية أخيرًا إدخال أنواع أكثر تطورًا من الطائرات المسيّرة إلى عملياتها القتالية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في طبيعة المواجهة مع جماعة الحوثي، التي لطالما امتلكت أفضلية نسبية في توظيف الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
وخلال أغسطس/آب الجاري، برز استخدام الطيران المسيّر التابع للقوات الحكومية في عدد من جبهات القتال، بالتزامن مع نشر القوات المسلحة مشاهد قالت: إنها توثق عمليات استهداف لمواقع وتحركات حوثية.
وتكشف المعطيات الحديثة عن امتلاك الجيش اليمني منظومة متدرجة من الطائرات المسيّرة، تبدأ بمنصات صغيرة تستخدم في الاستطلاع وتصحيح نيران المدفعية وتنفيذ الهجمات القريبة، مرورًا بمنصات أثقل متعددة المهام دخل بعضها ميدان المعركة، وصولًا إلى طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن، وفق المعطيات المتاحة.
وتكتسب هذه القدرة الجديدة أهميتها من اقترابها من المجال الذي ظل الحوثيون يمتلكون فيه أفضلية نسبية طوال سنوات الحرب، لا سيما في استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية والصواريخ بعيدة المدى.
ووفق منصة "شيبا إنتلجنسي"، فإن الطائرتين اللتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية تحت اسمي "عيبان" و"نقم" هما من طراز "دبور السماء" (SKYWASP)، القادر على الوصول إلى مدى يصل إلى 1,500 كيلومتر، وحمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 30 و50 كيلوغرامًا.
وعشية 23 أغسطس/آب 2026، أعلن الجيش اليمني أن قواته شنت غارات بطائرات مسيّرة على تجمعات وثكنات للحوثيين في مختلف جبهات القتال.
وقال موقع "سبتمبر نت"، الناطق باسم الجيش: إن "الطيران المسيّر التابع للقوات المسلحة استهدف تجمعات وتحركات وثكنات مليشيا الحوثي الإرهابية في مختلف جبهات القتال"، عارضًا مقاطع فيديو قال إنها توثق استهداف تجمعات وتحركات للحوثيين، من دون تحديد مواقع العمليات.
ولم يذكر الجيش اليمني نتائج هذه العمليات، كما لم يصدر عن الحوثيين تعليق فوري بشأنها.
وشهد اليمن، في اليوم السابق، تصعيدًا عسكريًا بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، بينهم مدنيون.
وأعلن الجيش اليمني مقتل ضابطين من قواته وعدد من عناصر الحوثيين في معارك وهجمات بين الطرفين على عدد من جبهات القتال، فيما قالت وسائل إعلام حكومية يمنية: إن خمسة مدنيين أصيبوا جراء قصف حوثي على محافظتي الضالع والحديدة.
واتهمت قناة "اليمن" الفضائية الحوثيين بقصف سيارتين تقلان مدنيين أثناء مرورهما في الطريق الرابط بين مريس ودمت بمحافظة الضالع بقذيفة هاون، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم امرأة.
ونقلت القناة عن موقع الجيش "سبتمبر نت" أن المصابين نُقلوا على الفور إلى أحد مستشفيات منطقة مريس لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، مشيرة إلى أن اثنين منهم في حالة خطيرة ونُقلا إلى العاصمة المؤقتة عدن لتلقي العلاج.
وفي السياق ذاته، أفادت القناة الرسمية بإصابة امرأة وشاب إثر قصف حوثي بقذائف الهاون استهدف منازل مواطنين في منطقة الحيمة الساحلية بمديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة. ولم يصدر عن الحوثيين تعليق فوري بشأن ما أوردته القناة الحكومية.
وبالتزامن مع ذلك، قال المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية: إن الطيران المسيّر التابع للقوات المسلحة لعب دورًا محوريًا في رصد واستهداف التعزيزات الحوثية خلف خطوط المواجهة، محققًا إصابات مباشرة في عمق مناطق تمركز الجماعة.
وجاء الإعلان عقب ساعات من حديث المركز عن شن هجمات بطائرات مسيّرة على مواقع وآليات للحوثيين في جبهات محافظة مأرب.
وبث الجيش مشاهد قال إنها توثق عمليات استهداف تجمعات وعربات إمداد تابعة للحوثيين في جبهات الكسارة والعريقات وغرب مأرب.
من جهتها، قالت قوات العمالقة التابعة للحكومة إنها استهدفت عددًا من ثكنات الحوثيين في جبهة محافظة البيضاء، مشيرة إلى مقتل عدد من عناصر الجماعة، إلى جانب تدمير معدات حفر تستخدم في استحداث الخنادق وإنشاء التحصينات.
وفي المقابل، أعلن الحوثيون إسقاط ما قالوا إنها طائرة تجسس سعودية أثناء تحليقها في أجواء محافظة حجة الواقعة تحت سيطرتهم، وفق وكالة سبأ التابعة لحكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًا.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه عدة جبهات عودة للمواجهات بين الجيش اليمني والحوثيين، وسط تزايد مشاهد الاستهداف بالطائرات المسيّرة، بعد فترة من التهدئة النسبية سادت منذ أبريل/نيسان 2022.
كما يأتي التصعيد الأخير في ظل جمود العملية السياسية وتوقف المفاوضات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في اليمن.
ويستغل أطراف الصراع هذا الانسداد السياسي لمحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة وتحسين شروط التفاوض المستقبلية، عبر السيطرة على مواقع حاكمة، لا سيما في المناطق الغنية بالثروات مثل مأرب، أو الممرات الاستراتيجية المحيطة بمدينة تعز المحاصرة.
ويشير هذا التطور إلى أن الطائرات المسيّرة قد تتحول من مجرد أداة مساندة للعمليات البرية إلى عنصر أكثر تأثيرًا في معادلة الردع بين أطراف الصراع، خصوصًا إذا انتقلت القوات الحكومية من استخدام المنصات الصغيرة للاستطلاع والإسناد إلى تشغيل طائرات هجومية ذات مدى وقدرات أكبر.
ويعود تاريخ المواجهات بين الجيش اليمني وجماعة الحوثي إلى سنوات طويلة من النزاع المسلح، إذ تمثل جبهات مأرب والساحل الغربي وتعز نقاط اشتعال رئيسية في البلاد.
وشهدت السنوات الماضية محاولات للتهدئة ورعايات دولية لهدن هشة، إلا أن الخروقات الميدانية المستمرة وحشد التعزيزات من جانب الحوثيين كانا يعيدان إشعال المواجهات بصورة متكررة، وسط تمسك كل طرف بمواقفه وأهدافه الاستراتيجية.
وفي ظل استمرار الانسداد السياسي، تبدو التطورات الأخيرة أبعد من مجرد جولة جديدة من التصعيد الميداني، إذ قد تعكس محاولة من الأطراف المتصارعة لإعادة رسم موازين القوة على الأرض، قبل أي استئناف محتمل للمفاوضات. وفي حال نجحت القوات الحكومية في تطوير قدراتها الجوية المسيّرة واستخدامها على نطاق أوسع، فقد تدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة تتغير فيها أدوات الضغط والردع، وتصبح السيطرة على السماء، ولو جزئيًا، عاملًا إضافيًا في تحديد مسار المعركة وشروط التسوية المقبلة.
مسيرات رادعة
وعبر مسؤولون وإعلاميون وناشطون عن ارتياحهم للعمليات العسكرية الأخيرة التي أطلقها الجيش اليمني. مؤكدين أن تفعيل سلاح المسيرات يمثل نقلة نوعية في استراتيجية الجيش الوطني، إذ مكنه من استهداف تجمعات وثكنات وآليات الحوثيين بدقة عالية على جبهات متعددة مثل مأرب والجوف وحجة وتعز والضالع.
ولفتوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" إلى أن سلاح المسيرات أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف المليشيا وردع هجماتها وحماية الخطوط الدفاعية، عادين المقاطع المصورة المتداولة دليلاً على تحول ميداني حاسم، حيث تحولت خنادق الحوثيين إلى "جحيم".
وأشار ناشطون إلى أن ضربات الجيش اليمني أدت إلى حالات فوضى وتصفية داخلية بين عناصر المليشيا نفسها، مؤكدين أن هذه القدرات الجوية الجديدة غيرت المعادلة وأعادت المبادرة للجيش، معربين عن تفاؤلهم باستمرار الضغط لتحقيق مزيد من التقدم.
تخبط حوثي
وتحدث ناشطون عن مؤشرات تخبط وارتباك في صفوف الحوثيين بعد اعتماد الجيش اليمني بشكل مكثف على المسيرات في الاستهدافات الدقيقة، مشيرين إلى أن المسيرات كسرت قدرة الحوثي على المناورة والإمداد، وجعلت الآليات المتحركة هدفاً سهلاً، وكشفت هشاشة التحصينات التي أنفقت عليها سنوات.
وأبرزوا مشاهد مثل هروب أو بيع عقارات قيادات، وفرار أو تصرفات فردية فوضوية (مثل سرقة سلاح وسيارة قيادي مصاب بعد ضربة مسيرة ثم دهس جثته)، عادين ذلك دليلاً على انهيار معنوي وارتباك ميداني وشعوراً بالهزيمة عندما يضيق الخناق.
وركز ناشطون على الجانب الدعائي والمعنوي، مشيرين إلى أن المقاطع الرسمية للمسيرات أقوى تأثيراً من أي تصوير ميداني آخر، وأن استمرار الخسائر اليومية في العناصر والآليات مؤشر على قرب الزوال، مع تعليقات عن وقوع الحوثيين في فخ المسيرات الرخيصة والفعالة بعد تباهيهم بمسيراتهم.
بطولة الجيش
وأشاد ناشطون بثبات أفراد الجيش الوطني اليمني وصمودهم في مختلف الجبهات، وقدرتهم على التصدي لمحاولات التسلل الحوثية وإفشال مخططاتها، عارضين صورا ومقاطع مرئية توثق عمليات استهداف لمواقع وتحصينات وعناصر المليشيا، إلى جانب مشاهد من الاقتحامات والضربات بالمسيرات والمدفعية.
ووصفوا ذلك بـ"الملامح البطولية" والتطور في الأداء والتنسيق بين الوحدات، مع التركيز على جاهزية القوات وتحييد مصادر التهديد في محاور عدة وتنفيذ عمليات نوعية يومية وصيد عناصر الحوثي بالطائرات المسيرة، مؤكدين تغير موازين القوى لصالح الجيش الشرعي بفضل التدريب والتسليح والدعم.
مسؤولية الحوثي
وحمل ناشطون مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن تصعيد الأوضاع العسكرية، مؤكدين أنها رفضت مراراً مبادرات السلام الحقيقية التي تهدف إلى استعادة الدولة والمواطنة المتساوية، واختارت بدلاً من ذلك الإصرار على خيار الحرب لفرض أجندتها الطائفية المدعومة إيرانياً بالقوة.
ورأوا أن أي مبادرات تُطرح من جانبها حالياً محاولات للمراوغة أو تفخيخ التسويات، مستذكرين دروس التاريخ التي أثبتت أن أنصاف الحلول تمنحها فرصة لإعادة التموضع ثم العودة للانقلاب والدمار، ومتحدثين عن الرسائل التي تحملها ضربات القوات المسلحة اليمنية للحوثي.
وركز ناشطون على أن الحوثيين هم من فرضوا المعركة على اليمنيين، مستخدمين الشعب وقوداً لمشروع سلالي لا علاقة له بمصلحة اليمن، داعين إلى تحريك الجبهات لاجتثاث هذا المشروع، ومحذرين من الصبر الإستراتيجي أو التسويات التي تعيد إنتاج الماضي.


















