الجزائر تتبنى سياسات جديدة للتقارب مع دول الساحل الإفريقي.. ما الأسباب؟

"الجزائر أظهرت سعيها الواضح لطي صفحة التوتر مع النيجر ومالي"
بعد مرحلة توتر في علاقاتها مع دول الساحل، خاصة مالي والنيجر، شرعت الجزائر في إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، وذلك بتبني سياسة جديدة للتقارب مع هذه الدول وطي صفحة التوتر.
وفي هذا الصدد، أعلنت الجزائر توجيه دعوة رسمية لرئيس الحكومة المالي، عبد الله مايغا، لزيارة البلاد، وهو ما تم في 24 أغسطس 2026.
طابع إستراتيجي
وقالت الحكومة الجزائرية في 9 أغسطس/آب 2026: إن رئيس الوزراء سيفي غريب نقل الدعوة بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، خلال اتصال هاتفي مع مايغا، أكد خلاله الجانبان رغبتهما في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية واستئناف التعاون بين البلدين.
وذكر المصدر ذاته أن الاتصال شكّل مناسبة لتجديد التأكيد على عمق العلاقات التي تجمع الشعبين الجزائري والمالي، وتمسك الطرفين بمبادئ الأخوة والتضامن وحسن الجوار، مع التعبير عن إرادة مشتركة لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات بين البلدين.
كما أكد الجانبان حرص قيادتي الجزائر ومالي على إعادة بعث التعاون الثنائي وتطويره في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وشهدت العلاقات بين مالي والجزائر خلال الأسابيع الأخيرة تحسنا، بعد أزمة اندلعت إثر إسقاط الجزائر طائرة مسيّرة مالية اخترقت أجواءها خلال أبريل/نيسان 2025، قبل أن تتجه نحو التهدئة مع استئناف الاتصالات بين الجانبين وإعادة فتح الأجواء وتبادل السفراء.
من جانب آخر، قدمت الجزائر للنيجر أربع مروحيات عسكرية، إلى جانب ذخائر وقطع غيار وتجهيزات للدعم والصيانة، في إطار ما وصفته وزارة الدفاع الجزائرية بـ"الهبة العسكرية".
وذكرت الوزارة عبر بيان في 9 أغسطس، أن المساعدات تشمل مروحيتين من طراز "MI-24V" وأخريين من طراز "MI-171" وذلك بتوجيه من رئيس الجمهورية، في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين الجزائر والنيجر.
تأتي هذه الخطوة في سياق عودة العلاقات الجزائرية–النيجرية إلى مسار التقارب، بعد توتر دبلوماسي وأمني شهدته العلاقات خلال عام 2025.
وكانت الجزائر قد أعلنت في فبراير/شباط 2026 استئناف نشاط سفيرها في نيامي، عادّة الخطوة مدخلا لإعادة إطلاق الحوار السياسي والتعاون متعدد المجالات بين البلدين.
كما شهدت العلاقات دفعا جديدا خلال زيارة رئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير، أعقبتها أعمال الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة للتعاون بين البلدين في نيامي خلال مارس/آذار 2026، حيث أكد الجانبان رغبتهما في تعميق التعاون وعدّا العلاقات بينهما ذات طابع إستراتيجي.
وفي 13 أغسطس 2026، حل رئيس وزراء الجزائر بالنيجر؛ حيث أشرف إلى جانب نظيره علي محمد لمين زين على إطلاق أعمال حفر بئر كفرا جنوب للنفط، الواقع شمال البلاد والممتد على نحو 23.7 ألف كم مربع، بمحاذاة المجال الجزائري، مقابل منطقة تفاساسيت على مقربة من حدود البلدين.
وقد سبق أن قادت أعمال الاستكشاف الجزائرية إلى اكتشاف النفط في كفرا منذ 2018، ثم إلى نتائج إضافية في 2019، قبل تجديد عقد تقاسم الإنتاج وإعادة دفع المشروع إلى الأمام.

قراءة إيجابية
خلفت الخطوات الجزائرية تجاه مالي والنيجر تفاعلات وتحليلات عديدة، ومنها تأكيد موقع "الجزائر 54"، أن هذه التحركات تجاه منطقة الساحل لا تُقرأ باعتبارها مجرد تحرك دبلوماسي ظرفي، بل هي مؤشر على عودة مدروسة لدور إقليمي فاعل.
وقال الموقع في تحليل نشره في 17 أغسطس، أن الجزائر أصبح ينظر إليها كشريك محوري في هندسة الأمن والاستقرار بالقارة الإفريقية، مستندة إلى رصيدها الدبلوماسي ومقاربتها القائمة على الحوار والحلول السياسية بدل منطق التصعيد، وهو ما يمنحها مكانة خاصة في معالجة أزمات الساحل.
وشدد المصدر ذاته على أن التقارب الذي تقوده الجزائر مع دول الساحل، يعكس رؤية إستراتيجية تتجاوز إدارة الأزمات الآنية، نحو بناء شراكات سياسية وتنموية طويلة المدى.
وأشار إلى أن نجاح الجزائر في استعادة حضورها داخل منطقة الساحل سيعزز مكانتها كفاعل إقليمي لا غنى عنه، خاصة في ظل الأزمات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
في السياق ذاته، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية في العاصمة الجزائر، حميد رامي، أن عودة هذه العلاقات مع البلدين ضرورية؛ لأن مالي مثلها مثل النيجر تمثل العمق الإستراتيجي للجزائر، وجزء لا يتجزأ من أمنها القومي.
وأضاف رامي في تصريح نقله موقع "ألترا الجزائر" في 15 أغسطس، "اليوم نحن أمام شراكة براغماتية جد متقدمة بين الجزائر والنيجر، ويبدو أن العلاقات بين البلدين تجاوزت المرحلة البروتوكولية والإجرائية الشكلية، وما يسمى بـ(تجميع الأوراق) إلى مرحلة متقدمة قائمة على مأسسة التعاون الاقتصادي والسياسي".
واسترسل، ومن مؤشرات ذلك توقيع أكثر من 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم في النصف الأول من عام 2026، تبعتها زيارات عالية المستوى للقيادة النيجرية إلى الجزائر.
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية أن “المعادلة الحالية، تهدف إلى تحويل المناطق الحدودية بين الجزائر والنيجر من مناطق أمنية عازلة، إلى مراكز استثمار وإنتاج..”.

تعاون إستراتيجي
من جانبه، أكد الباحث في العلوم السياسية والشأن الإفريقي، إدريس آيات، أنه منذ أن استعادت النيجر والجزائر دفء علاقاتهما بعد فترة من التوتر، لم تعد العلاقة الثنائية تكتفي بالعودة إلى طبيعتها الدبلوماسية؛ بل أخذت، خطوة بعد أخرى، تنتقل من ترميم العلاقة إلى إعادة تعريفها.
واللافت، يقول آيات في تحليل نشره عبر "فيسبوك" في 15 أغسطس، أنّ هذا التحول لم يبقَ في لغة المجاملات الدبلوماسية، بل وصفته وزارة الدفاع الجزائرية بـ"الشراكة الإستراتيجية".
وذكر الباحث الأكاديمي أن الجزائر لا تتحرك في دولة بعيدة عن مجالها الإستراتيجي، بل جنوب حدودها مباشرة، في فضاء ساحلي أصبح الأمن والطاقة وحركة الجماعات المسلحة والهجرة والتجارة العابرة للحدود فيه ملفات متداخلة يصعب فصل أحدها عن الآخر.
وأردف، الصورة الجيوسياسية الكبرى تُظهر أن الجزائر تحاول أن تُحول حدودها الجنوبية من هامش أمني مضطرب إلى امتداد لعمقها الإستراتيجي، بينما تحاول النيجر تحويل موقعها من دولة حبيسة في الساحل إلى عقدة عبور للطاقة والمصالح بين غرب إفريقيا وشمالها.
وأوضح آيات أن هذه التطورات الأخيرة، هي نوع من التعاون الإقليمي الذي ظللنا ندعو إليه في الساحل، فالسياسة قد تتقلب، والأنظمة تتغير، والتحالفات الدولية تأتي وتذهب، أما الجغرافيا فلا تنتقل من مكانها.
واسترسل، فالنيجر ستظل جنوب الجزائر، والجزائر ستظل البوابة المتوسطية الكبرى الأقرب إلى النيجر، وبينهما حدود تتجاوز 950 كيلومترا، وتهديدات أمنية عابرة للحدود، ومصالح متداخلة في الطاقة والتجارة والهجرة والأمن.
وخلص للقول: "لقد كررت أكثر من مرة؛ أن الجيرة قدر جيوسياسي، لكن تحويل هذا القدر إلى مكسب إستراتيجي هو قرار سياسي".

أبعاد كبيرة
من جانب آخر، يرى المحلل السياسي المختص في الشأن الإفريقي الشيخ بوسعيد، أن إعادة الجزائر لسفيرها لدى النيجر والتحركات الحالية لتعزيز العلاقات تتجاوز المستوى الدبلوماسي المباشر إلى أبعاد سياسية كبيرة.
وأضاف بوسعيد لـ"الاستقلال"، أن "الجزائر أظهرت سعيها الواضح لطيّ صفحة التوتر مع النيجر ومالي وفتح مسار جديد في العلاقات الثنائية مع البلدين، وهو ما أكّدته دعوة الجزائر للرئيس النيجري عبد الرحمن تياني لزيادة الجزائر قبل فترة".
وشدَّد المحلل السياسي على أن هذه المبادرات الجزائرية تكتسي أبعادا إستراتيجية، بالنظر إلى أنها ذات رهانات اقتصادية وسياسية متعددة، في مقدمتها سعي الجزائر إلى رفع صادراتها نحو العمق الإفريقي عبر بوابة النيجر، وتعزيز حضورها داخل الفضاء الإفريقي، خاصة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية.
ونبَّه المتحدث ذاته إلى أن تأخر الدبلوماسية الجزائرية في إدراك طبيعة التحولات الجارية في منطقة الساحل، مما يعني أن الخطوات الجزائرية تبدو الآن محسوبة، وتنطلق من قراءة مفادها إمكانية العمل على إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة بعد انسحاب فرنسا.
واسترسل، هذا المسعى يدعمه الموقع الجيوسياسي للنيجر كحلقة وصل بين أزمات ليبيا والسودان ومسارات الهجرة غير النظامية وعمق الساحل الإفريقي.
ولا يخفي بوسعيد اعتقاده بأن التحرك الجزائري يأتي أيضا في ظل تنافسها مع المغرب من أجل الحصول على مكاسب دبلوماسية وشراكات اقتصادية تزاحم ما حصلت عليه الرباط بفضل علاقاتها الإيجابية مع دول الساحل وعدم دخولها في أي صراع أو أزمة معها.
وعليه، لا يرى المحلل السياسي أي تأثير حقيقي أو سلبي للتحرك الجزائري الحالي على مكاسب المغرب وشراكاته مع دول الساحل، ومنها مع مالي والنيجر، بقدر ما يمكن أن يفيد دول الساحل نفسها، في تعزيز انفتاحها على مختلف الدول والقوى بالمنطقة.
















