باب المندب في قلب الحسابات.. هل تدفع إيران والصين واشنطن للاعتراف بأرض الصومال؟

“مزايا الجغرافيا والنفع العسكري يجعل الاعتراف بالإقليم الانفصالي أرجح من أي وقت مضى"
في زاوية القرن الإفريقي، تنسج دولة، لم تعترف بها الأمم المتحدة بعد، شبكة تحالفات تمتدّ من الكيان الإسرائيلي إلى تايبيه، مرورا بأبو ظبي، فيما يطرق قائد أميركي بابها في هرجيسا لبحث التعاون الأمني.
إنها "أرض الصومال" (صوماليلاند)، الكيان الانفصالي، غير المعترف به رسميا الذي أعلن استقلاله عن الصومال عام 1991، غير أن هذا قد يتغيّر قريبا. بحسب معهد هندي.
ورصدت مؤسسة "أوبزرفر ريسيرش فاونديشن"، في تحليل حديث، أن الاعتراف الأميركي بأرض الصومال بات أقرب من أي وقت مضى، مع اضطراب أمن الملاحة من هرمز إلى باب المندب.
وأوضحت أن إسرائيل كانت أول من اعترف رسميا بأرض الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2025، بينما سبق للأخيرة أن أنشأت علاقات دبلوماسية مع تايوان وإثيوبيا دون بلوغ مستوى الاعتراف الرسمي.
وأفادت المؤسسة الهندية بأن لقاء رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، مع اللواء كلود ك. تيودور جونيور، قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية في إفريقيا، مطلع أغسطس/آب 2026، لبحث التعاون الأمني والمصالح الإستراتيجية في القرن الإفريقي، يشي بأن اعتراف واشنطن بات أكثر ترجيحا.
وأكدت أن استمرار أزمة إيران واللايقين حول مضيق هرمز، مع اضطراب التجارة والأمن العالميين، يرفع الشراكة الأميركية مع أرض الصومال من احتمال دبلوماسي إلى ضرورة جيوسياسية.

باب المندب
وأشار التقرير إلى أن أزمة إيران التي بدأت حول البرنامج النووي، تحوّلت تدريجيا إلى صراع أوسع على الهيمنة البحرية في الشرق الأوسط، وبينما يبقى هرمز نقطة الثقل، يتحرك الصراع باطّراد نحو مضيق باب المندب.
وباب المندب من أبرز نقاط الاختناق البحرية إستراتيجيا في العالم، ويربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ويمرّ عبره نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، بما فيها ملايين البراميل من النفط يوميا.
وأيّ اضطراب في المضيق سيرفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين واستهلاك الوقود وسلاسل التوريد، على غرار ما جرى إبّان أزمة شحن البحر الأحمر بين 2024 و2025.
ولفت التقرير إلى أن المصدر الرئيس للتهديد هو الحوثيون في اليمن المدعومون من إيران، وقد حوّلوا الإكراه البحري على مدى العامين الماضيين إلى أداة نافذة، مسلَّحين بصواريخ باليستية مضادة للسفن ومسيّرات وألغام بحرية.
ورأت المؤسسة أن ضمان الوصول الآمن إلى البحر الأحمر يستلزم شركاء إقليميين موثوقين قادرين على دعم عمليات عسكرية ولوجستية مستدامة، وفي هذا السياق تحديدا تبرز "أرض الصومال" شريكا إستراتيجيا متنامي الجاذبية.
ونوّهت إلى أن أرض الصومال تحتلّ أحد المواقع الجغرافية الأكثر امتيازا في المنطقة؛ إذ تمتدّ على أكثر من 850 كيلومترا على خليج عدن، وتُطلّ على أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.
وذكرت أن أعظم أصولها الإستراتيجية ميناء بربرة الذي خضع خلال العقد الماضي لتحديث جذري، حوّله إلى أحد أقدر الموانئ العميقة المياه على الساحل الشرقي لإفريقيا، بجواره مطار عسكري قديم يستقبل طائرات كبرى.
ونبّهت المؤسسة الهندية إلى أن بربرة توفّر لواشنطن مزايا عملياتية عدّة؛ إذ يمكن إعادة تزويد السفن الحربية العاملة على تأمين باب المندب دون الاعتماد الحصري على منشآت جيبوتي، وتنفيذ عمليات المراقبة والاستهداف ضد الحوثيين من موقع أقرب إلى مسرح العمليات.
وأضافت أن وجودا أميركيا أوسع في بربرة سيُنوّع البصمة العسكرية لواشنطن في القرن الإفريقي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإستراتيجية مع الصين وروسيا.

مواجهة الصين
وشدّد التقرير على أن أهمية بربرة تتضاعف أمام النفوذ الصيني المتوسّع في المنطقة؛ حيث عزّزت بكين موقعها الإستراتيجي عبر قاعدتها العسكرية في جيبوتي، واستثمارات ضخمة في البنى التحتية، وانخراط سياسي عميق مع الصومال.
وحذّر من أن بكين قد تستخدم القيود على المجال الجوي أداة لعزل أرض الصومال، مستدلّا بمحاولتها أخيرا منع رئيس تايوان من السفر إلى إسواتيني عبر تقييد استخدام الطائرات التايوانية لممرات دول مجاورة.
ورأى التقرير أن حادثة إسواتيني قد تكون تحذيرا من الأساليب التي قد تلجأ إليها الصين للحدّ من انخراط الغرب مع أرض الصومال، بما يشمل تضييق الحركة الجوية للمسؤولين الأميركيين، وضوابط تأشيرات أكثر تشدّدا، وحصارا دبلوماسيا.
وأبرز أن اعتراف واشنطن قد يكون ردّا مضاعف الأثر على النفوذ الصيني؛ إذ أنشأت أرض الصومال علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان عام 2020، رغم معارضة صينية مكثفة.
وأفادت التقارير، بحسب المؤسسة، بأن الصين حاولت إقناع أرض الصومال بالتراجع عبر حوافز مالية ضخمة، تجاوزت ربع مليار دولار، غير أن هرجيسا تحدّت الضغط الصيني.
ومنذ ذلك الحين، اصطفّت أرض الصومال بصورة متزايدة إلى جانب شركاء كتايوان والإمارات وإسرائيل، وقاومت الضغوط السياسية الصينية، لتُصبح، من منظور واشنطن، من الفاعلين القلائل المؤيّدين للغرب علنا في منطقة لم يترسّخ فيها النفوذ الصيني بعد.

مقوّمات الشراكة
واستعرض التقرير التقديرات الاقتصادية التي تعزّز الحُجّة الإستراتيجية؛ إذ تمتلك أرض الصومال احتياطيات غير مستثمرة من المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، وهي موارد تتزايد أهميتها مع سعي الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على سلاسل توريد تحت السيطرة الصينية.
ولاحظ أن الاعتراف الأميركي قد يفتح أبوابا للشركات الغربية في التعدين واللوجستيات والبنى التحتية، مع تكثيف واشنطن جهودها لتنويع سلاسل توريد المعادن الإستراتيجية عالميا.
وعرض التقرير عاملا ضاغطا آخر، هو مكافحة الإرهاب، فرغم أن أرض الصومال ذات أغلبية مسلمة ساحقة، رفضت باستمرار "التطرّف الإسلامي" -وفق وصفه- على خلاف جارتها الصومال التي لا تزال تصارع "حركة الشباب" المسلّحة.
وقارن التقرير هذا الوضع بشراكات واشنطن السابقة مع فاعلين محليين في أنحاء أخرى من الشرق الأوسط؛ إذ باتت تعمل بشكل متصاعد مع فاعلين محليين مقتدرين يشاركونها الأهداف الأمنية، عوض الاتكاء على حكومات مركزية هشّة.
واستطرد: “توفّر مؤسسات الأمن والاستقرار السياسي في أرض الصومال قاعدة محتملة لشراكة قيّمة في عمليات مكافحة الإرهاب على امتداد القرن الإفريقي”.
وخلصت المؤسسة الهندية إلى أنه “إذا واصل الصراع حول إيران توسّعه غربا، وتحوّل باب المندب إلى الساحة الجيوسياسية المقبلة، فإن واشنطن ستحتاج شركاء موثوقين في قلب هذا المسرح البحري الناشئ”.
وتقدّم أرض الصومال، بحسب التقرير، “مزايا جغرافية واستقرارا سياسيا ونفعا عسكريا وتعاونا في مكافحة الإرهاب، وإمكانيات في المعادن الحرجة، وتوافقا مع مصالح واشنطن الإستراتيجية في مواجهة إيران والصين معا، ما يجعل الاعتراف بها أرجح من أي وقت مضى”.

















