حلّ المجلس الانتقالي أم إعادة تشكيله.. ماذا يجري في جنوب اليمن؟

مصطفى كمال | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

صعّد المجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" وأنصاره خطابهم السياسي والإعلامي ضد السعودية، مستغلين فعاليات إحياء الذكرى الـ 55 لتأسيس الجيش الجنوبي في عدن والمكلا لرفض الترتيبات التي تقودها الرياض في الجنوب.

ورفعت هذه الفعاليات سقف المواجهة من الاعتراض على الإجراءات السعودية إلى اتهام المملكة بـ«الوصاية» و«الاحتلال»، ورفض أي ترتيبات تستهدف القوات التابعة للمجلس أو تعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المحافظات الجنوبية. 

ووصف البيان الختامي لذكرى التأسيس العملية العسكرية السعودية في يناير الماضي بأنها «غدر»، واتهم الرياض بالسعي إلى «تدمير قواتنا المسلحة الجنوبية وتفكيك وحداتها».

ولم يتوقف التصعيد عند البيانات السياسية؛ إذ لوّح القيادي في الانتقالي عبد الرب النقيب بنقل الاحتجاج إلى مركز السلطة في عدن، معلنًا أن «المليونية القادمة سوف تكون في قصر المعاشيق». واصفًا ذلك بأنه «الإنذار الأخير للسعوديين»، بالتوازي مع خطاب يتهم الرياض بمحاولة إعادة شرعنة الأحزاب اليمنية وفرض «الوصاية السعودية» على الجنوب.

أبو زرعة.. بين ترتيبات الرياض وهوية الجنوب

في خضمّ هذا التصعيد، برز موقف عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس الانتقالي عبد الرحمن المحرمي، المعروف بـ«أبو زرعة»، بصورة لافتة. فبينما كان أنصار الانتقالي يهاجمون السعودية في عدن والمكلا، كتب المحرمي من الرياض محتفيًا بذكرى تأسيس الجيش الجنوبي. واصفًا إياه بأنه «مؤسسة عسكرية وطنية رائدة» وأحد أعمدة «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية»، مؤكدًا أن بناء وتطوير «قواتنا المسلحة الجنوبية» سيستمر على أسس مؤسسية حديثة.

وتزداد دلالة الموقف بالنظر إلى موقع المحرمي نفسه، فهو قائد ألوية العمالقة الجنوبية، وعضو مجلس القيادة الرئاسي، ونائب رئيس الانتقالي، وأطلق على نفسه صفة "القائد العام للقوات المسلحة الجنوبية". وينتمي إلى خلفية سلفية تشكلت عبر مركز دماج بصعدة، فيما ارتبط صعوده العسكري بقيادة قوات مدعومة إماراتيًا، وقد عُيّن عضواً في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، قبل أن يصبح في يناير 2026 أحد أبرز الشخصيات التي راهنت عليها الرياض في إدارة الوضع الأمني في عدن. 

وعقب انتكاسة الانتقالي في حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025، غادر المحرمي عدن إلى الرياض والتقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، بعد أن كان ضمن الموقعين على بيان رافض للإجراءات السعودية، وكُلّف لاحقًا بفرض الأمن في عدن ومنع أي مواجهات داخل المدينة، ليصبح إحدى أدوات احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى صدام مسلح.

واللافت أن المحرمي، رغم موقعه داخل الترتيبات التي دعمتها الرياض، لم يخرج في منشوره عن الإطار العام للخطاب الجنوبي المتصاعد فاختار التأكيد على هوية «الجيش الجنوبي» وضرورة تطوير «القوات المسلحة الجنوبية»، وهو ما يعكس محاولة الفصل بين الانخراط في الترتيبات السعودية وبين التخلي عن البنية السياسية والعسكرية الجنوبية التي تمثل جزءًا من رصيده وموقعه. 

تمرد عسكري وإعادة بناء للقوة

رغم الإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي في 9 يناير الماضي، تكشف تحركاته عن استمرار قدرته على العمل السياسي والعسكري، خصوصًا عبر الإبقاء على تشكيلاته خارج مؤسسات الدولة ورفض إخضاعها لوزارة الدفاع.

وفي هذا السياق، أفاد موقع «ديفانس لاين» في 3 أغسطس 2026 بإعادة الانتقالي تجميع مقاتلين واستحداث معسكرات تدريب ومواقع للطيران المسيّر في مناطق جبلية مطلة على البحر العربي شرقي شبوة، مع نقل أسلحة وإمدادات وإنشاء نقاط مراقبة ومنع الوصول إلى تلك المناطق.

فيما كشف مصدر خاص لـ«المهرية» عن تهريب شحنات من الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة، بينها طائرات مسيرة، إلى معسكر مستحدث تابع للانتقالي في منطقة علكة بين حضرموت وشبوة، بالتزامن مع نقل أطقم ومدرعات إلى المعسكر.

وفي 16 أبريل، أعلنت قيادة ما يسمى القوات البرية الجنوبية رفضها خطوات الحكومة، بما فيها دمج قوات الانتقالي ضمن وزارة الدفاع، مؤكدة التزامها بالأوامر الصادرة عن قيادتها وعدم التعامل مع أي أوامر خارج هذا الإطار. 

وترافق ذلك مع استحداث محاور قتالية جديدة في أبين–يافع، وشبوة، وردفان–العند–كرش وصولًا إلى باب المندب، والضالع–مريس، مع زيارات للجبهات بهدف رفع الجاهزية القتالية وتأكيد الولاء للانتقالي ومشروعه.

ورغم شروع الحكومة الشرعية في إعادة تسمية عدد من التشكيلات التابعة للانتقالي، فإن هذه الإجراءات لم تتجاوز تغيير المسميات، من دون المساس بجوهر تلك القوات أو إعادة هيكلتها ودمجها فعليًا ضمن وزارتي الدفاع والداخلية؛ إذ أصبحت «قوات العاصفة الجنوبية» تُعرف باسم «قوات الحماية الرئاسية الجنوبية»، و«قوات الحزام الأمني» باسم «قوات الأمن الوطني»، فيما أُعيدت تسمية «النخبة الشبوانية» بـ«قوات دفاع شبوة». 

ومع ذلك، رفض الانتقالي هذه الإجراءات، كما رفضت قيادة القوات البرية الجنوبية تغيير مسميات ألوية الانتقالي، مقدرة أن الجهات التي تقف وراءها لا تمتلك صفة قانونية أو عسكرية تخول لها اتخاذ مثل هذه القرارات. وبذلك بقيت إعادة التسمية، حتى الآن، إجراءً شكليًا لم يغيّر من واقع هذه التشكيلات أو يضعها ضمن هيكل عسكري وأمني موحد تابع للدولة.

وكان أبو زرعة المحرمي قد أصدر توجيهات بإبقاء لواء بارشيد وكتيبة الدعم الأمني ضمن ما سماه «القوات المسلحة الجنوبية» خارج هيكل وزارة الدفاع، وهو ما عُدّ عرقلة لجهود اللجنة العسكرية العليا المكلفة بإعادة توحيد وهيكلة القوات ودمج التشكيلات غير النظامية في وزارتي الدفاع والداخلية.

وتكشف هذه التحركات أن معركة الانتقالي، في الجانب العسكري، باتت تتركز على مسارين متوازيين: مقاومة دمج تشكيلاته العسكرية القائمة ضمن مؤسسات الدولة، والعمل في الوقت نفسه على إعادة بناء هذه القوة وتوسيعها بعيدًا عن آليات الرقابة الحكومية والتحالف. 

فالقوة العسكرية تمثل بالنسبة له ورقته الأهم للحفاظ على وجوده كلاعب سياسي، وضمان امتلاكه أدوات ضغط تمكنه من حماية مشروعه الانفصالي والدفاع عن موقعه في أي ترتيبات سياسية مقبلة. ومن ثم، فإن إعلان حل المجلس لم يؤدِّ إلى تفكيك بنيته العسكرية، فهو يجهد لإبقائها وإعادة إنتاجها كقوة مستقلة، بما يتيح له الحفاظ على نفوذه وقدرته على التأثير في مستقبل الجنوب.

الانتقالي.. قوة فقدت السيطرة ولم تفقد التأثير

سياسيًا، واصل الانتقالي تحدي الحكومة من خلال الحفاظ على هياكله ونشاطه التنظيمي رغم قرار الحل، بالتوازي مع استمرار خطابه الداعي إلى الانفصال، مؤكداً أن استعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل 22 مايو 1990 تمثل خيارًا «سياديًا غير قابل للمساومة»، رافضًا أي تسويات تمس القضية الجنوبية، فيما استمرت هيئاته في عدن بعقد اجتماعاتها وتنظيم برامج التصعيد السلمي.

وتحوّل هذا التصعيد إلى دعوات للعصيان المدني في عدن، شملت إغلاق المحال والأسواق والمؤسسات الحكومية والتعليمية وتعليق العمل وحركة النقل، وربط المجلس ذلك بتدهور الخدمات والمرتبات والأسعار، مع توجيه انتقادات مباشرة للحكومة والتحالف بقيادة السعودية، والدعوة إلى رفض «التدخلات الخارجية».

ومع ذلك، فإن الانتقالي لم يعد في الموقع الذي كان عليه قبل يناير، فقد خسر السيطرة على حضرموت والمهرة، وغادر عيدروس الزبيدي البلاد، ومن الرياض أُعلنت قيادات انتقالية حل المجلس، لكن الزبيدي احتفظ بحضور سياسي وشعبي وشبكة من التشكيلات العسكرية والأمنية وقدرة على التأثير في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، إضافة إلى خطاب سياسي واضح يتمسك بالانفصال.

في المقابل، أصبحت السعودية أكثر قدرة على التحكم بالتمويل والرواتب وإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية وتغيير القيادات ومواقع الانتشار، بينما تقلص المجال الجغرافي الذي يتحرك فيه الانتقالي، وبرزت داخل قيادته مواقف متباينة بين تيار يرفض الترتيبات السعودية الجديدة وآخر قبل بالانخراط فيها.

وهكذا، لم يعد التحدي أمام الانتقالي هو استعادة وضعه السابق بقدر ما أصبح الحفاظ على استقلال قراره السياسي والعسكري في مواجهة مسار سعودي يسعى إلى إعادة دمج القوة الجنوبية داخل منظومة الدولة وإخضاعها لهيكل قيادة أكثر ارتباطًا بالرياض. 

التنافس السعودي-الإماراتي

لم يؤدِّ الانسحاب العسكري الإماراتي من اليمن مطلع 2026 إلى إنهاء النفوذ الذي راكمته أبو ظبي في الجنوب، لكنه غيّر طبيعته وأدواته، فقد انتقل النفوذ من الحضور العسكري المباشر إلى شبكات سياسية ومحلية أنشأتها الإمارات أو دعمتها خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، بينما أعادت الرياض خلال الأشهر الأخيرة ترتيب جزء من هذه الشبكات عبر التمويل والرواتب وتغيير القيادات ومواقع الانتشار من خلال إعادة الهيكلة.

وينطبق ذلك خصوصًا على تشكيلات كانت محسوبة تاريخيًا على أبو ظبي، مثل ألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية، والتي باتت اليوم أقرب إلى المظلة السعودية من حيث التمويل والارتباط العملياتي. 

أما العقدة الأساسية بالنسبة للسعودية، فتتمثل في التشكيلات المرتبطة مباشرة بالانتقالي، والتي لا تزال تقاوم الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، بما يبقي جزءًا من القوة العسكرية خارج التسلسل القيادي الحكومي.

وتتجاوز أهمية الإرث الإماراتي بقاء تشكيلات عسكرية محددة، إلى شبكة أوسع من العلاقات المحلية والمصالح التي بنتها أبوظبي حول الموانئ والجزر والممرات البحرية، لا سيما في الجنوب والساحل الغربي.

ومن ثم، فإن التنافس السعودي–الإماراتي لم يعد يدور بالضرورة حول وجود قوات إماراتية على الأرض، بل حول مستقبل القوى التي نشأت في ظل النفوذ الإماراتي، ومن يملك القدرة على توجيهها داخل الترتيبات الجديدة. 

وقد كشفت أحداث حضرموت والمهرة أواخر 2025 أن الخلاف تجاوز تقاسم النفوذ إلى اختلاف في تصور مستقبل الجنوب، فالرياض تتحرك نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري تحت مظلة واحدة مرتبطة بها، بينما تحاول بقايا النفوذ الإماراتي، وفي مقدمتها القوى المرتبطة بالانتقالي، الحفاظ على مراكز قوة مستقلة تمنحها قدرة على التأثير في هذا المسار.

وبذلك تبدو أبو ظبي أقل قدرة على فرض مشروعها بصورة مباشرة، لكنها لا تزال تملك إرثًا من النفوذ المحلي يمكن إعادة توظيفه أو تحريكه، في حين تمتلك الرياض أدوات أقوى للسيطرة وإعادة الهيكلة. 

لذلك بات الصراع في مرحلته الراهنة أقرب إلى صراع على إعادة توظيف الإرث الإماراتي والسيطرة على القوى التي نشأت في ظله، أكثر من كونه صراعًا على بقاء الوجود الإماراتي نفسه. 

وإجمالاً، سيبقى الجنوب اليمني ساحة تنافس محتملة تحت سيطرة سعودية راهنة، لكن قد يشهد عودة منافسة حادة إذا فشلت الرياض في امتصاص الإرث الإماراتي وحل مشاكل الحكم المحلية.

الانتقالي والحرب.. حياد معلن وتقاطعات ميدانية

أعاد الانتقالي خلال الأشهر الأخيرة تعريف موقفه من الحرب مع الحوثيين، فبعد أن كان يعلن استعداده للمشاركة في تحرير الشمال، بات يؤكد أن الحرب الدائرة خارج الجنوب ليست حربه، وأن قواته لن تتحول إلى قوة قتالية تحت قيادة الحكومة أو التحالف. 

ويعكس ذلك انتقال أولوياته من مواجهة الحوثيين ضمن مشروع عسكري يمني موحد إلى الحفاظ على قواته بوصفها الورقة الأساسية في معركته السياسية على مستقبل الجنوب. 

غير أن هذا الحياد المعلن لا يعني بالضرورة انعدام التواصل مع الحوثيين؛ إذ كشفت «ديفانس لاين» في أغسطس عن معلومات أمنية واستخبارية تفيد بتلقي عناصر مرتبطة بالانتقالي تدريبات عسكرية وفكرية في صنعاء والجوف وصعدة، بالتزامن مع إعادة تجميع قوات موالية له واستحداث مواقع للطيران المسيّر في شبوة.

ويكشف التصعيد في الضالع، في 9 سبتمبر، جانبًا آخر من موقف الانتقالي من الحرب؛ إذ تزامن وصول وزير الدفاع طاهر العقيلي إلى الجبهة لتفقد القوات التي تقاتل الحوثيين مع قطع مسلحين طرقًا رئيسة ومداخل المحافظة احتجاجًا على الزيارة، إلى جانب استهداف طقم عسكري.

وتكتسب الحادثة دلالتها من كون الضالع أحد أبرز معاقل الانتقالي ومسقط رئيسه عيدروس الزبيدي، بما يشير إلى أن موقف المجلس لا يقتصر على عدم المشاركة في حرب الشمال، بل يمتد إلى رفض إخضاع قوات ومناطق نفوذه للقيادة العسكرية الحكومية. 

وعليه، فإن السيناريو الأخطر ليس بالضرورة انتقال الانتقالي إلى تحالف معلن مع الحوثيين، وإنما نشوء تعاون أمني أو ميداني انتقائي تحكمه مصلحة مشتركة في إضعاف الحكومة والتحالف وإبقاء الجنوب خارج معركة الشمال لتعزيز موقعه التفاوضي في مواجهة الشرعية والتحالف.

في الوقت نفسه، يظل الانتقالي حذرًا من تحويل هذه التقاطعات إلى تحالف سياسي مكشوف؛ لأن ذلك سيقوض صورته كقوة جنوبية مناهضة للحوثيين ويمنح خصومه، خصوصًا السعودية والحكومة، مبررًا أقوى لتجريده من أي شرعية سياسية أو عسكرية. 

لذلك تبدو مصلحته الحالية أقرب إلى إبقاء الحرب مشتعلة بعيدًا عن مناطقه، والاستفادة من استنزاف الشرعية والتحالف، مع الاحتفاظ بقنوات اتصال يمكن استخدامها إذا تغيرت موازين الصراع.

الجنوب اليمني إلى أين؟

المعطيات الحالية ترجّح أن الجنوب يتجه إلى مرحلة طويلة من إعادة ترتيب موازين القوة، لا إلى حسم نهائي للصراع؛ فقد نجحت السعودية في تغيير المعادلة العسكرية والسياسية التي كانت قائمة قبل يناير، وأصبحت أكثر قدرة على التحكم بالتمويل وإعادة توزيع القوات والقيادات، لكنها لم تتمكن بعد من إنهاء الحضور السياسي والشعبي للانتقالي أو إغلاق ملف القضية الجنوبية.

وتبرز هنا أهمية الحوار الجنوبي–الجنوبي الذي سعت الرياض إلى عقده بوصفه المسار السياسي الموازي لإعادة الهيكلة العسكرية؛ فقد دعت إلى مؤتمر شامل يضم مختلف المكونات الجنوبية لبحث حلول للقضية الجنوبية، غير أن الحوار تعثر وتأجل، من دون وضوح بشأن موعد استئنافه أو صيغته. 

ويكشف ذلك أحد حدود المقاربة السعودية؛ فالرياض تستطيع إعادة توزيع القوة وفرض ترتيبات عسكرية جديدة، لكنها لا تستطيع بمفردها حسم قضية تتجاوز الانتقالي وتمس قوى ومكونات جنوبية متعددة.

لذلك، فإن إعادة ترتيب الجنوب لا تتوقف على دمج القوات وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بل تحتاج أيضًا إلى إطار سياسي يستوعب تعدد الرؤى الجنوبية، ويمنع انتقال الصراع من مواجهة مع الانتقالي إلى تنافس بين المكونات على تمثيل القضية الجنوبية. 

وفي هذا السياق، يبدو الاحتواء السياسي وإعادة الدمج التدريجي المسار الأقل كلفة بالنسبة إلى السعودية، من خلال استيعاب جزء من القوات والقيادات الجنوبية داخل مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إعادة إطلاق حوار جنوبي أكثر شمولًا.

أما استمرار تعطيل المسار السياسي فقد يبقي الجنوب في حالة استنزاف مفتوح، مع قابلية تصاعد الاحتجاجات واستخدام الخدمات والأوضاع الاقتصادية والقضية الجنوبية أدوات للضغط على الحكومة والرياض. 

ويظل السيناريو الأخطر انتقال الخلاف من صراع على النفوذ والهيكلة إلى مواجهة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصًا إذا ارتبطت إعادة تشكيل القوات بتغييرات قسرية في مراكز القيادة، أو فُرضت تسوية سياسية من دون توافق جنوبي كافٍ.

صحيح أن السعودية في موقع أقوى من الانتقالي، لكنها ليست في وضع يسمح لها بإلغاء القضية الجنوبية أو إعادة تشكيل الجنوب منفردة، فإعادة ترتيب موازين القوة يمكن أن تفرض واقعًا جديدًا، لكنها لا تنتج وحدها تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

وهكذا، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في عودة الانتقالي إلى وضعه السابق، بقدر ما يكمن في تحوله إلى قوة عسكرية مستقلة قادرة على تعطيل ترتيبات الدولة واستخدام السلاح كورقة تفاوضية في رسم مستقبل الجنوب. 

ومن ثم، يبدو أن الجنوب يتجه إلى مرحلة طويلة من إعادة التموضع والصراع على النفوذ، ما لم تتزامن إعادة الهيكلة العسكرية مع مسار سياسي قادر على احتواء التباينات الجنوبية ضمن تسوية أكثر استقرارًا.


المصادر