عاد من أميركا ليحمي بيته.. كيف وجد لؤي أبو ريدة نفسه في مواجهة المستوطنين؟

9 أميركيين قضوا على أيدي مستوطنين أو قوات الاحتلال في الضفة منذ 2022
على مدى سبع ليالٍ، ظل الفلسطيني الأميركي لؤي أبو ريدة، وهو رجل أعمال يبلغ 46 عامًا من قرية قُصرة جنوب نابلس ويقيم منذ أكثر من عقدين في ولاية أوهايو، يتابع من هاتفه حصار المنزل الذي بناه في أرض عائلته.
كان يرى المستوطنين الإسرائيليين حول البيت الواقع شمال الضفة الغربية والطرق المؤدية إليه مغلقة، فيما حوصر شقيقه قُصي وابن شقيقه أحمد في الداخل مع انقطاع المياه والكهرباء وصعوبة إدخال الطعام.
وأظهرت التسجيلات جنودًا يصافحون المستوطنين ويصلون إلى جانبهم فيما بقيت المنازل الفلسطينية تحت الحصار، كما قال أبو ريدة: إن جنودًا فككوا إحدى كاميرات المراقبة وتعطلت معدات أخرى خلال وجود الجيش في المنطقة.

العودة إلى قُصرة
غادر لؤي أبو ريدة قُصرة قبل نحو 23 عامًا ليستقر في ولاية أوهايو؛ حيث حصل على الجنسية الأميركية عام 2009 وتزوج وأنشأ أسرته، لكنه أبقى جزءًا مهمًا من حياته في القرية التي تعيش فيها والدته عائشة، البالغة 83 عامًا، إلى جانب إخوته وأخواته وأبناء العائلة.
كان يعود إليها مرة في السنة على الأقل، وتحدثت عائلته عن زيارات كانت تصل قبل الحرب إلى نحو ثلاث مرات سنويًا، فيما دفعته إصابة والدته بجلطة خلال السنوات الأخيرة إلى تكثيف حضوره والبقاء أقرب إليها.
وفي الولايات المتحدة، بنى أبو ريدة مع عائلته أعمالًا واسعة تعود بدايتها إلى عام 1999، وتوسعت لاحقًا إلى شبكة من محطات الوقود ومتاجر البقالة ومغاسل السيارات في أوهايو وميشيغان وإنديانا.
أصبح لؤي رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا للمجموعة التي باتت تدير عشرات المواقع وتوظف مئات الأشخاص، إلى جانب نشاط خيري في مدينة توليدو بولاية أوهايو.
ووصف مسؤول في الاتحاد اليهودي للمدينة لؤي وشقيقه بأنهما من رجال الأعمال الذين وفروا وظائف ودعموا مؤسسات محلية وبنوا علاقات مع مكونات مختلفة من المجتمع، بما يعكس حجم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي صنعه أبو ريدة.
لكن هذا الاستقرار لم يحوّل قُصرة إلى مجرد مكان للزيارة، فعندما بلغت ابنته الكبرى السابعة، اصطحبها معه إلى القرية لمدة شهرين وسجلها في مدرسة محلية حتى تعيش المكان الذي جاءت منه عائلتها، وهي الفكرة نفسها التي حملها لاحقًا إلى مشروع المنزل الذي بدأ بناءه نحو عام 2023.
قال أبو ريدة: إنه أنفق على البيت قرابة مليون دولار وأراده مكانًا يعود إليه مع ابنتيه حتى تبقيا "جزءًا من قصة عائلتي"، ليصبح المنزل بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على صلة الجيل الذي نشأ في الولايات المتحدة بالقرية التي غادرها قبل أكثر من عقدين.
أما الأرض، فهي مرتبطة بأجداده وزرعتها عائلته لأجيال، بينما قال أبو ريدة في إفادة لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في أوهايو: إنه اشترى القطعة رسميًا عام 2014 ويحمل سند ملكيتها ورخصة البناء الفلسطينية.
ولذلك، عندما بدأ المستوطنون يقتربون منه، لم يكن أبو ريدة يتابع من أوهايو خطر خسارة عقار فقط، بل المكان الذي اختاره ليبقي الرابط بين ابنتيه وقريته قائمًا.

عاد ليحمي بيته
بدأت المضايقات المباشرة حول المنزل في يناير/كانون الثاني 2026، بحسب أبو ريدة، ومع تصاعد الخوف من محاولة الاستيلاء عليه، انتقل شقيقه قُصي في مارس/آذار للإقامة فيه وحراسته.
كانت العائلة تراقب ما وقع في جلّود المجاورة؛ حيث حوصرت أسرة فلسطينية في ظروف مشابهة قبل أن تضطر إلى الرحيل ويسيطر مستوطنون على منزلها، وهو سيناريو جعل البقاء داخل بيت أبو ريدة مسألة حاسمة بالنسبة إلى شقيقه.
في 9 أغسطس، تحول الضغط إلى حصار مباشر، فقد وصل عشرات المستوطنين إلى المنطقة، ونصبوا خيامًا وأقاموا نقطة استيطانية قرب المداخل ووضعوا الصخور على الطرق المؤدية إلى ثلاثة منازل.
كان قُصي وابنه أحمد، البالغ 18 عامًا، داخل منزل لؤي، فيما قالت الأمم المتحدة: إن نحو 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، علقوا في المنازل المتضررة مع انقطاع المياه والكهرباء وتعذر الحركة بصورة طبيعية.
اتصل لؤي بشقيقه من أوهايو وعرض عليه الانسحاب إذا شعر بالخطر، لكن قُصي رفض ترك المنزل وطلب أن يجدوا وسيلة لإدخال الطعام إليه.
منذ ذلك اليوم، تحولت كاميرات المراقبة إلى وسيلة أبو ريدة لمتابعة ما يجري ساعة بساعة، فقد أمضى، وفق وكالى رويترز، سبع ليال يكاد لا ينام، وشاهد المستوطنين يقيمون الحواجز ويتحركون بالقرب من البيت والجنود إلى جانبهم.
وتحققت شبكة "إيه بي سي نيوز" الأميركية من تسجيلات ظهر فيها جنود يصافحون المستوطنين ويتبادلون معهم الشراب ويصلون معهم، فيما قال أبو ريدة في 13 أغسطس: إن جنودًا فككوا إحدى كاميراته، وتحدث لاحقًا عن تعطل معدات مراقبة واختفاء أغراض خلال وجود الجيش في المنطقة.
وأوضح جيش الاحتلال الإسرائيلي أن حصار المنازل "غير قانوني ومستهجن وغير مقبول"، وأرسل تعزيزات وفكك نقاطًا أقامها المستوطنون، لكنه أعلن المنطقة عسكرية مغلقة وقيد حركة الفلسطينيين فيها، واستولى جنود مؤقتًا على منازل بينما ظل المستوطنون قادرين على الوصول إلى محيطها.
وزاد تسجيل يعود إلى 10 أغسطس الضغط بعدما أظهر جنودًا يصلون مع المستوطنين في الموقع، لكن قائد قوة الاحتياط الذي ظهر في المشهد بقي في موقعه حتى 1 سبتمبر/أيلول، حين أعلن الجيش إبعاده، فيما تجنب معاقبة الجنود الآخرين بحجة أنهم كانوا ينفذون تعليماته.
مع تعذر إيصال الطعام إلى شقيقه، قرر أبو ريدة الانتقال من مراقبة الحصار إلى مواجهته بنفسه، فقد ترك زوجته وابنتيه وأعماله في أوهايو، وودّع أسرته في مطار ديترويت، ثم وصل مساء 17 أغسطس إلى الطريق المؤدي إلى منزله.
وثّقت رويترز انتظاره قرابة نصف ساعة على بُعد نحو مئة متر من البوابة قبل أن ترافقه عربة عسكرية إلى الداخل، وبعد وصوله صعد إلى السطح ورفع علمًا أميركيًا كبيرًا.
شرح في اليوم التالي أن المستوطنين، إذا استولوا على المنزل، سيرفعون علمهم فوقه، ولذلك أراد أن يكون العلم الأميركي أمامهم أولًا، وهي وسيلة يقول فلسطينيون أميركيون: إن بعض أصحاب المنازل في الضفة يستخدمونها للتنبيه إلى جنسيتهم ومحاولة ردع المستوطنين والجنود.
وفي صباح 18 أغسطس، خرج أبو ريدة بين أشجار الكرز والتين المحيطة بالمنزل، فاقترب منه مستوطن يصوره بهاتفه وسأله بالعبرية إن كان قد جاء لإثارة المشاكل، فردّ عليه مالك المنزل واصفا إياه بأنه "مستوطن إرهابي".
تدخل الجنود بعد مرور دورية عسكرية عدة مرات وطلبوا من المستوطن الابتعاد لأن المنطقة مغلقة عسكريًا، لكنهم طلبوا من أبو ريدة أيضًا العودة إلى منزله ورفضوا مطلبه باعتقال الإسرائيلي الذي اقتحم أرضه.
بعد ذلك استمر خروجه من البيت وإدخال الطعام إليه مرتبطين بالتنسيق مع سلطات الاحتلال، كما استضاف عائلة مجاورة أخرجها الجيش من منزلها ومعها طفلان في الثانية والرابعة، ليقول بعد أيام لبرنامج "ديمقراطية الآن" الأميركي: إن الإدانات صدرت بينما بقي الوضع على الأرض كما هو.

من لؤي إلى 9 ضحايا
بدأ لؤي أبو ريدة اختبار ما يمكن أن توفره له الجنسية الأميركية قبل أن يغادر أوهايو، فقد تواصل مع السفارة الأميركية في القدس طالبًا التدخل لحماية منزله وعائلته، وقال: إن الرد الأول الذي تلقاه أفاده بأن القضية خارج اختصاصها وأن عليه التواصل مع السلطات الإسرائيلية أو الفلسطينية.
تغير الموقف بعدما انتشرت تسجيلات الحصار ووصلت القضية إلى وسائل الإعلام الأميركية، فوصف السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المستوطنين المشاركين في حصار منازل قُصرة بأنهم "إرهابيون" وعدّ ما جرى "عملًا إرهابيًا مروعًا"، فيما أعلنت السفارة أنها تتواصل مع جيش الاحتلال وشرطته بشأن الوضع.
وفي 20 أغسطس، ذهب هاكابي أبعد في موقفه، وقال: إن الاستيلاء على منزل أو أرض يملكهما شخص آخر وترهيب أسرته حتى ترحل يخالف القانون، ولوّح بإمكان فرض إجراءات أميركية على المتورطين، بينها منعهم من دخول الولايات المتحدة.
لكنه أقر في المقابلة نفسها بأنه لا يعلم بوجود عقوبات يجري إعدادها فعليًا، فيما لم تكن الشرطة الإسرائيلية قد أعلنت اعتقال أي مستوطن أو توجيه اتهام إليه بسبب حصار 9 أغسطس.
وفي أوهايو، دخل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية على خط القضية وضغط على ممثلي الولاية في الكونغرس، بينما قال أبو ريدة إنه تواصل مع السفارة ومكتب أحد أعضاء الكونغرس من دون أن يلمس حماية فعلية لمنزله.
امتد الضغط بعد ذلك إلى البيت الأبيض الذي طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بإدانة اعتداءات المستوطنين.
تأخر نتنياهو حتى 29 أغسطس، عندما تعرض منزل آخر في قُصرة لهجوم جديد، ليصف المهاجمين بأنهم "حفنة من مثيري الشغب". لكن ما حدث في الميدان أعاد إنتاج المشهد نفسه، فقد اعتقل جنود الاحتلال فلسطينيين كانوا داخل المنزل، بينما لم يُعتقل مستوطن في الموقع.
وحتى الأول من سبتمبر، بقيت عائلات على أطراف قُصرة بحاجة إلى تنسيق مع الجيش للخروج من منازلها، فيما قالت الشرطة: إنها جمعت أدلة وأصدرت أوامر قبض بعد هجوم 29 أغسطس من دون إعلان تنفيذ اعتقالات.
قضية أبو ريدة جاءت فوق سجل أثقل من التصريحات الدبلوماسية، ففي 26 أغسطس طالب 45 عضوًا في مجلس الشيوخ الأميركي نتنياهو باستكمال التحقيقات في مقتل تسعة مواطنين أميركيين على أيدي مستوطنين أو قوات الاحتلال في الضفة منذ عام 2022.
تضم القائمة عمر أسعد والصحفية شيرين أبو عاقلة في 2022، وتوفيق عبد الجبار ومحمد خضور وعائشة نور إزغي إيغي في 2024، وعامر ربيع وسيف الله مسلط وخميس عياد في 2025، ثم نصر الله محمد جمال أبو صيام، البالغ 19 عامًا والمولود في فيلادلفيا، الذي قضى برصاص مستوطن خلال هجوم في مخماس في فبراير/شباط 2026.
وكان الكونغرس قد طرح سؤال المحاسبة قبل أن يرتفع العدد إلى تسعة، ففي يوليو/تموز 2025 كتب 29 عضوًا في مجلس الشيوخ أن حكومة نتنياهو لم تحاسب أحدًا في الحالات السبع المسجلة آنذاك، وأن الحكومة الأميركية أخفقت في ضمان العدالة لمواطنيها.
وبعد استشهاد خميس عياد وأبو صيام وارتفاع العدد إلى تسعة، عاد أعضاء مجلس الشيوخ في أغسطس 2026 للمطالبة باستكمال التحقيقات وضمان حماية المواطنين الأميركيين في الضفة.
المصادر
- A Palestinian American's journey to his West Bank home under settler siege
- Israeli settler confronts Palestinian American at his besieged West Bank home
- US envoy Huckabee tells Israeli settlers not to take Palestinian Americans' land
- Israeli settlers’ siege of Palestinian homes draws a sharp US rebuke
- Qusra is where Israel’s lies about settler violence hit a wall
- CAIR-OH: Organizations Nationwide Stand Together to Save Toledo Man’s Home from Israeli Settlers in Occupied West Bank, Palestine

















