صراع النفوذ والخلافة يشتعل داخل العائلة.. هل يفقد حفتر السيطرة على أبنائه؟

منذ ٣٦ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

تحت عنوان "تنافس الأبناء ينال من سطوة حفتر".. سلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية الضوء على التحديات التي تواجه الانقلابي الليبي خليفة حفتر، والتي باتت تهدد تماسك المنظومة التي بناها على مدى سنوات. 

"ورسَّخ حفتر، البالغ من العمر 82 عاما، صورته بوصفه الرجل القوي في إقليم برقة، بعدما أحكم قبضته على المنطقة وقمع مختلف أشكال المعارضة". وفق تعبيرها.

غير أن "الاستقرار في شرق ليبيا بات اليوم مهددا، في وقت يستعد فيه لترتيب خلافته، بالتزامن مع اغتيال فوزي المنصوري، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (في قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر)".

وتناولت الصحيفة في مطلع حديثها ما وقع في شرق ليبيا يوم العاشر من أغسطس/ آب 2026، قائلة: "يعد وقوع تفجير في بنغازي أمرا نادرا للغاية".

وفسَّرت حديثها: "فالمدينة، التي تعد (عاصمة) إقليم برقة في شرق ليبيا، تخضع لسيطرة حفتر بقبضة من حديد، بعدما أقام فيها خلال نحو عقد كيانًا يشبه الدولة، في صورة نظام عسكري مستلهم من النموذج المصري ومنافس للسلطات القائمة في طرابلس".

ثغرات واضحة

لذلك، لفتت الصحيفة إلى أن "حالة من الذهول خيمت على الليبيين لدى علمهم بمقتل اللواء المنصوري في انفجار سيارته، بعد أن استقلها عقب خروجه من مسجد السيدة عائشة".

وتساءلت: “كيف أمكن تصفية رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الذي يقوده حفتر، في قلب مدينة بنغازي شديدة التحصين؟”

وما يزيد من غرابة الأمر أن المنصوري لم يكن -وفق وصفها- "شخصية عابرة؛ إذ كان من أكثر المقربين إلى حفتر وولاء له".

فضلا عن "اضطلاعه بدور محوري في ترسيخ النظام الذي بناه المشير تدريجيا مع توسع نفوذه العسكري، من درنة شرقا إلى سبها جنوبا، مرورا بمنطقة الهلال النفطي الواقعة إلى الجنوب الغربي من بنغازي".

وأوضحت أنه في اليوم التالي، نسبت سلطات شرق ليبيا الهجوم إلى "خلية إرهابية"، مشيرة إلى أنها تشتبه في وجود دوافع "جهادية" وراءه، دون تقديم تفاصيل إضافية.

في السياق، ذكّرت الصحيفة أنه "منذ أن فرض حفتر سيطرته على بنغازي خلال عامي 2016 و2017 -وهي المدينة التي كانت تنشط فيها قبل ذلك جماعات مسلحة عدة ظهرت في أعقاب ثورة عام 2011- جرى القضاء على التنظيمات الجهادية فيها".

ومن ثم، ترى أن "احتمال عودة هذه الجماعات إلى الظهور في قلب منظومة حفتر التي تخضع لرقابة أمنية واستخباراتية مشددة، أثار حيرة معظم المراقبين للشأن الليبي".

وخلصت إلى أنه "سواء كان اغتيال المنصوري ناجما عن عودة التهديد الجهادي أو عن مؤامرة من نوع آخر، مثل تصفية حسابات داخلية، فإنه كشف عن ثغرات واضحة في منظومة استمدت جزءا كبيرا من شرعيتها من قدرتها على فرض النظام في مواجهة الفوضى التي أعقبت الثورة".

وفي هذا السياق، قال أسامة أسيد، مدير مركز ليبيا للبحوث والدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، وهو مركز أبحاث مقره طرابلس، إن "تفجير بنغازي يهز أسطورة الأمن التي يروج لها جيش حفتر".

وعقّبت الصحيفة: "ورغم أنه لا يزال من المبكر جدا عدّ هذا الاغتيال مؤشرا على بداية تفكك المنظومة، فإن صورة راسخة قد تعرضت للاهتزاز، وهي صورة نظام سلطوي شديد القمع بدا طويلا وكأنه لا يمكن اختراقه".

وعقد التقرير مفارقة بين قدرة منظومة حفتر على قمع خصومها والتخلص من معارضيها، وعجزها في المقابل عن منع استهداف رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية.

وقال: "لم يجد جيش حفتر صعوبة كبيرة في قمع حركات الاحتجاج الشعبي، ومنها الاحتجاجات التي شهدتها درنة في أعقاب الكارثة الإنسانية التي تسببت فيها العاصفة دانيال في سبتمبر/ أيلول 2023".

وعلاوة على ذلك، "تخلصت قوات حفتر دون تردد من معارضين بارزين، بينهم سهام سرقيوة في 2019، وحنان البرعصي في 2020، ومهدي البرغثي في 2023، وسراج دغمان في 2024، إلى جانب حلفاء سابقين تحولوا إلى مصدر إزعاج، مثل محمود الورفلي في 2021 ومحمد الكاني في 2024".

"ومع ذلك، لم تتمكن هذه المنظومة الأمنية من إحباط المؤامرة التي استهدفت رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، وهو تناقض يثير قدرا كبيرا من التساؤلات". وفق تحليله.

تضارب مصالح

ولفتت الصحيفة إلى أن "هذا الإخفاق الأمني يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى قوات حفتر، فالمشير، البالغ من العمر 82 عاما، يعمل حاليا على ترتيب خلافته وفق نموذج عائلي".

وأضافت أنه "من بين أبنائه الخمسة، اختار صدام، المولود عام 1991، ليكون وريثه، وهو الاسم الذي أطلقه عليه تكريما للرئيس العراقي الراحل صدام حسين".

واستطردت: "وقد بدأت عملية نقل السلطة فعليا منذ تعيينه عام 2025 نائبا للقائد العام لـ(الجيش)".

واستدركت: "غير أن أبناء حفتر أنفسهم منقسمون، في ظل تنافس طموحاتهم وتضارب مصالحهم".

وأوضحت مقصدها: "فقد أدى اختيار صدام وريثا لوالده إلى توتر علاقته بشقيقه خالد الذي عُين في منصب أدنى ضمن التسلسل القيادي، وهو رئيس أركان".

في المقابل، ذكرت أن "شقيقهما بلقاسم يحاول تثبيت موقعه؛ إذ يتولى مسؤولية صندوق إعادة الإعمار الذي أنشئ عقب عاصفة دانيال، والذي تحول إلى قناة إلزامية ومربحة للغاية أمام المانحين والمستثمرين الأجانب الراغبين في العمل بشرق ليبيا".

وتابعت: "أما الشقيقان الآخران، صادق، وهو شاعر يضطلع بأدوار في الوساطات القبلية، وعقبة، المتخصص في العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي؛ فقد أُسندت إليهما أدوار أقل أهمية، لكنهما لا يعتزمان التخلي عن مصالحهما".

ووفق تقديرها، فإن "حدة التنافس بين أبناء حفتر مرشحة للتصاعد مع بدء تبلور ملامح إعادة توزيع النفوذ والثروة، في أعقاب إطلاق المبادرة الدبلوماسية التي يقودها مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا".

وأوضحت أنه "رغم عدم الإعلان رسميا عن أي ترتيبات، يُطرح اسم صدام حفتر لتولي منصب رئيس دولة ليبية موحدة في المستقبل، على أن يذهب منصب رئيس الوزراء إلى أحد أفراد عائلة الدبيبة التي تسيطر على طرابلس".

وبحسب وجهة نظرها، "لا يزال هذا السيناريو نظريا إلى حد كبير، وقد لا يرى النور مطلقا، لكنه يشغل الكواليس السياسية الليبية بما يكفي لإثارة شهية مختلف الأطراف المتنافسة، بما في ذلك داخل عائلة حفتر نفسها".

في هذا السياق، شدّد التقرير على أنه "لا ينبغي الاستهانة بالتأثير السلبي لهذا التنافس على تماسك المنظومة السياسية والعسكرية في بنغازي".

ومن هنا، حذر أنس القماطي، مدير معهد "صادق"، وهو مركز أبحاث مقره طرابلس، قائلا: "بنى حفتر نظامه لرجل واحد، لا لخمسة رجال". 

وأضاف أن "محدودية الخبرة الأمنية لأبناء حفتر، رغم المناصب العسكرية التي يشغلها صدام وخالد، تزيد من المخاطر التي قد يشكلها هذا التفكك المحتمل على استقرار المنظومة".

من جهته، قال أسامة أسيد: "يميل أبناء حفتر إلى التركيز على المصالح الاقتصادية والمالية أكثر من تركيزهم على الملفات العسكرية".

انشقاقات متتالية

على الصعيد العسكري، لفتت الصحيفة إلى أنه "سواء جاء ذلك مصادفة أم لا، فإن الانتقال العائلي المرتقب للسلطة يبدأ في وقت يسجل فيه جيش حفتر انتكاسات عسكرية في إقليم فزان جنوب البلاد".

وتابعت: "وكان ترسيخ نفوذ (جيش حفتر) في هذه المناطق الصحراوية الشاسعة، الواقعة عند الحدود مع الجزائر والنيجر وتشاد والسودان، عاملا أساسيا في ترسيخ صورة حفتر في الغرب بوصفه (الرجل القوي) القادر على فرض الاستقرار في مناطق مفتوحة أمام مختلف أنشطة التهريب".

"كما أتاح له ترسيخ نفوذه في الجنوب قاعدة يمكن أن ينطلق منها نحو طرابلس، العاصمة التي لم يتخل حفتر يوما عن طموحه للسيطرة عليها"، وفقا لها.

واستدركت: "غير أن الصعوبات بدأت تتوالى منذ عام 2025، ففي ذلك العام، أُطيح بأحد زعماء قبيلة أولاد سليمان العربية، حسن الزادمة، قائد اللواء 128، الذي كان يسيطر، من بين مناطق أخرى، على الحدود مع تشاد والسودان، بسبب توتر علاقته بصدام حفتر".

وبحسب الصحيفة، "منذ ذلك الحين، تقارب الزادمة مع الحكومة المنافسة في طرابلس، حيث عُين شقيقه سالم الزادمة نائبا لرئيس الوزراء".

واستطردت: "ولم تقتصر هذه الانشقاقات على ذلك؛ إذ تلقت قوات حفتر ضربة جديدة بانشقاق محمد وردقو، وهو قيادي ميداني من قومية التبو، كان يتولى سابقا مهمة حراسة الحدود مع تشاد والنيجر لحساب قوات حفتر".

وأكملت: "وبعد تأسيسه مطلع عام 2026 مجموعته الخاصة التي أطلق عليها اسم (غرفة عمليات تحرير الجنوب)، بدأ وردقو في شن هجمات واستفزازات متواصلة ضد مواقع قوات حفتر".

وترى الصحيفة أن "هذه الانتكاسات تكشف عن هشاشة وجود جيش حفتر في جنوب البلاد".

وعلق أنس القماطي: "في الحقيقة، لم يغز حفتر فزان قط، بل اكتفى باستمالة القبائل بالوعود والأموال". 

ورغم إقرار الصحيفة أنه "نجح في الحفاظ على هذه الترتيبات لأطول فترة ممكنة"، إلا أنها تساءلت: “هل سيتمكن أبناؤه، الذين يفتقرون إلى براعته في إدارة السياسة القبلية، من الحفاظ على إرثه؟”