مئات الآلاف في المجهول.. سوريا أمام مهمة كشف مصير المفقودين

مصعب المجبل | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد سنوات طويلة ظل فيها مصير آلاف السوريين المفقودين مجهولًا، تواجه سوريا اليوم تحديًا يتجاوز مجرد العثور على الرفات أو جمع أسماء المختفين، ليصل إلى بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على كشف الحقيقة وتحديد مصائر المفقودين وحفظ حقوق عائلاتهم.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، بات مصير مئات الآلاف من السوريين الذين اختفوا قسرًا خلال عقود من الحكم الأمني الديكتاتوري، وسنوات القمع الممنهج التي أعقبت اندلاع الثورة، مسؤولية وطنية وإنسانية، وحقًا أصيلًا للعائلات في معرفة حقيقة ما جرى لذويها والحصول على إجابات طال انتظارها.

المفقودون في سوريا

يعد ملف المفقودين من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في سوريا، خصوصًا أن آلاف حالات الاختفاء القسري ما تزال بحاجة إلى جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالمختفين، والعمل على تحديد مصائرهم وتقديم إجابات واضحة إلى عائلاتهم.

كما يرتبط الملف بجهود العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وتجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة، إلى جانب فتح تحقيقات مستقلة وشفافة تكشف ملابسات حالات الاختفاء وتحدد المسؤوليات عنها.

وأكد المستشار القانوني في الهيئة الوطنية للمفقودين قسرًا بسوريا، أنور مجني، في 30 أغسطس/آب 2026، استمرار الهيئة في البحث عن مصير المفقودين وكشف الحقيقة ومعرفة ظروف فقدانهم، حتى في الحالات التي تمتلك فيها عائلاتهم معلومات تفيد بوفاتهم.

وأوضح مجني، في لقاء على قناة الإخبارية السورية الرسمية، أن الهيئة ترى أن ملف المفقود يظل قائمًا ما لم يُكشف مصيره، مشيرًا إلى أن واجبها يستمر في البحث وكشف المصير والوصول إلى الرفات في حال الوفاة وتسليمها إلى ذوي المفقود.

وأشار مجني إلى أن منظمات المجتمع المدني أدت خلال السنوات الماضية دورًا في توثيق حالات الفقدان، ومن أبرزها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مبينًا أن تسجيل حالات الفقدان أصبح حاليًا حصريًا لدى الهيئة الوطنية للمفقودين، بوصفها الجهة الوطنية الرسمية المعنية بالملف.

وبيّن أن الهيئة ستستفيد من أعمال المنظمات والبيانات التي وثقتها خلال السنوات الماضية، وستنسق معها لإدخال هذه البيانات في النظام الذي أطلقته الهيئة، ومتابعة الحالات مع العائلات والتحقق من المعلومات المتعلقة بالفقدان.

ولفت مجني إلى أن الهيئة لم تبدأ حتى الآن بفتح المقابر الجماعية، موضحًا أن ذلك يحتاج إلى تجهيز الكوادر، وخبراء الطب الشرعي، ومستودعات الرفات، ومختبرات تحليل الحمض النووي.

وكشف أن الهيئة استجابت حتى الآن لـ194 بلاغًا عن مقابر جماعية محتملة، موضحًا أن فرقًا تابعة لها، بالتعاون مع الجهات الأخرى، خاصة وزارة الداخلية، تتولى الكشف عن الرفات التي يُعثر عليها أثناء أعمال الحفر أو البناء، والعمل على حماية المواقع.

وأضاف أن الهيئة أنشأت بالتوازي خريطة للمقابر الجماعية، رغم أنها لا تزال غير مكتملة، وأتاحت عبر منصتها إمكانية الإبلاغ عن مقابر جماعية، بهدف تطوير الخريطة وحماية المواقع من العبث أو التخريب، تمهيدًا لفتحها عند اكتمال الاستعدادات اللازمة.

ووفق أحدث تحديث للشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادر في 30 أغسطس/آب 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177,021 شخصًا في عداد المختفين قسرًا منذ مارس/آذار 2011، بينهم 4,536 طفلًا و8,984 امرأة.

وهذا الرقم يقتصر على المختفين قسرًا، ولا يشمل جميع فئات المفقودين في سوريا.

إلا أن الانتقال من مرحلة توثيق الحالات إلى العمل المنهجي للكشف عن مصير المختفين يمثل حقًا للضحايا ولعائلاتهم في معرفة حقيقة ما حدث للمختفين، ومصيرهم، وأماكن وجودهم.

لا سيما أن عشرات الآلاف من العائلات السورية عجزت طوال أكثر من 14 عامًا عن معرفة مصير أقاربها، أو إقامة مراسم دفنهم، أو الحصول على شهادات وفاة موثوقة، أو تسوية قضايا الميراث والمسائل القانونية المرتبطة بهم.

ويشمل مفهوم الضحية الشخص المختفي وأقاربه، وكل من لحق به ضرر مباشر نتيجة الاختفاء.

كما أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/147 لعام 2005 يعترف بخمسة أشكال لجبر الضرر، هي: الرد، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.

عملية وطنية

وضمن هذا السياق، أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن المشكلة الأساسية اليوم ليست غياب القدرة السورية على العمل في ملف المفقودين، وإنما الاختلال الكبير بين حجم هذا الملف والقدرة الوطنية المتخصصة المتاحة لمعالجته علميًا وعلى نطاق واسع.

وأضاف عبد الغني أن "ثمة خبرات ومؤسسات ومرافق سورية قائمة بصورة جزئية، لكن المعطيات المتاحة لا تسمح بعد بوصفها بأنها منظومة وطنية متكاملة للاستعراف البشري".

وقال: "نحن أمام عملية وطنية طويلة الأمد، لا أمام عمليات محدودة لاستخراج الرفات يمكن التعامل معها بالقدرات التقليدية المتاحة حاليًا في مجال الطب الشرعي".

ورأى عبد الغني أن تعزيز قدرة الهيئة الوطنية للمفقودين يتطلب سبع أولويات مترابطة.

وأوضح أن الأولوية الأولى تتمثل في "إجراء مسح وطني شامل للقدرات الجنائية والطبية الشرعية".

وأضاف: "قبل التوسع في عمليات الاستخراج، ينبغي أن تمتلك الهيئة صورة دقيقة عن أعداد الأطباء الشرعيين، وخبراء الأنثروبولوجيا والآثار الجنائية، وخبراء الوراثة والحمض النووي، وفنيي المشارح، فضلًا عن القدرات المخبرية والطاقة الاستيعابية الفعلية لمستودعات الرفات في كل محافظة".

وتابع: “والمطلوب هنا ليس مجرد إحصاء الموظفين والمباني، بل قياس القدرة التشغيلية الفعلية: كم حالة يمكن فحصها وحفظها وتحليلها سنويًا؟ وأين تتركز الاختناقات الأساسية؟”

واستدرك: "وهذه الخطوة تمكننا من معرفة الإمكانيات المتاحة بهدف البناء عليها بالفعل. فقد دعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مركز الاستعراف في دمشق ومركز الطب الشرعي في دير الزور، كما استمر الدعم الفني لمراكز الطب الشرعي خلال عام 2026. غير أن وجود هذه المرافق لا يعني، في حد ذاته، وجود شبكة وطنية موحدة قادرة على التعامل مع الحجم المتوقع من الرفات".

وثانيًا، وفق عبد الغني، يجب "بناء منظومة وطنية للاستعراف البشري، وعدم اختزال الملف في مختبر للحمض النووي، خاصة أن هناك خلطًا شائعًا، حيث يتم التركيز بشكل كبير على الحمض النووي".

وأوضح أن "الحمض النووي أداة بالغة الأهمية، لكنه لا يغني عن الطب الشرعي والأنثروبولوجيا والآثار الجنائية وبيانات ما قبل الوفاة".

وتابع: "فالتحقيق في حالات الوفاة غير المشروعة يقتضي أن الاستعراف الموثوق يقوم على مقارنة بيانات ما قبل الوفاة ببيانات ما بعد الوفاة، بما يشمل الخصائص الجسدية، والسجلات الطبية وسجلات الأسنان، والإصابات والعمليات الجراحية، والمتعلقات الشخصية، والبصمات، ومعلومات موقع العثور على الجثمان، إضافة إلى الحمض النووي".

لذلك، "ينبغي أن يكون الهدف إنشاء منظومة متكاملة للاستعراف يكون مختبر الحمض النووي أحد مكوناتها، لا أن يُختزل النظام كله فيه"، وفق عبد الغني.

وأكد عبد الغني ضرورة "إنشاء بنية وطنية لحفظ الرفات وفحصها". موضحًا أنه "لا ينبغي الشروع في برنامج واسع لاستخراج الرفات من المقابر في ظل غياب قدرة كافية على استقبالها وحفظها وفحصها على نحو يمنع اختلاطها أو تلفها أو فقدان الأدلة المرتبطة بها".

وأضاف: "والمطلوب، في تقديري، إنشاء مركز وطني مرجعي للاستعراف، ومختبر جيني عالي الجودة، إلى جانب مراكز إقليمية مؤهلة لاستقبال الرفات وحفظها وإجراء الفحص الأولي لها وربط نتائجها بالنظام الوطني".

كما نوه إلى ضرورة "إعطاء الأولوية لبناء كادر سوري متعدد التخصصات"، موضحًا أن "شراء المعدات يمكن أن يتم خلال مدة محدودة، أما الخبرة المتخصصة فلا يمكن بناؤها بالسرعة نفسها".

وقال: إن سوريا تحتاج إلى "أطباء شرعيين، وخبراء في الأنثروبولوجيا والآثار الجنائية، وخبراء في الوراثة الجنائية، ومتخصصين في إدارة مواقع المقابر والرفات والبيانات".

واستدرك: "ولهذا ينبغي العمل على مسارين متزامنين: الاستعانة بفرق وخبراء دوليين للعمل إلى جانب الكوادر السورية على المدى القصير، وبالتوازي تأسيس برامج سورية للتدريب والتخصص الجامعي والمهني من شأنها بناء قدرة مستدامة على مدى السنوات المقبلة".

وأكد أن "نموذج التعاون الدولي ينبغي أن يقوم على نقل المعرفة وبناء المؤسسة الوطنية، لا على تكريس اعتماد دائم على الخبرة الأجنبية".

الآليات العملية

تواصل الهيئة الوطنية للمفقودين قسرًا توفير الآليات العملية التي تشكل للأهالي نقطة البداية في رحلة البحث عن مفقوديهم.

ولهذا، أطلقت الهيئة الوطنية للمفقودين قسرًا في 30 أغسطس/آب 2026، بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، البرنامج الوطني "أثر" للإبلاغ عن المفقودين والمختفين قسرًا في الجمهورية العربية السورية.

وأكدت الهيئة في بيان صحفي حينها أن إطلاق البرنامج يأتي في إطار جهودها الوطنية للكشف عن مصير جميع المفقودين والمختفين قسرًا في سوريا.

وأوضحت في بيانها أن البرنامج يتيح للعائلات وسيلة سهلة وآمنة للإبلاغ عن ذويها المفقودين وتسجيل المعلومات المتعلقة بهم، عبر تطبيق "أثر" المتاح على الهواتف المحمولة أو من خلال الموقع الإلكتروني للهيئة.

وخصصت الهيئة أرقامًا للمساعدة الفنية موزعة بحسب المحافظات والمناطق لتسهيل عملية التسجيل، بهدف الإجابة عن استفسارات العائلات ومساعدتها في إنشاء الحسابات واستكمال تقديم البلاغات.

وهنا يؤكد عبد الغني ضرورة "إنشاء نظام وطني متكامل لبيانات ما قبل الوفاة وما بعد الوفاة"، مقدرا أن هذه "إحدى أهم الأولويات".

وقال: إن "إطلاق برنامج أثر خطوة مهمة، لأنه يمهد لبناء سجل وطني موحد للمفقودين. غير أن القيمة الحقيقية لهذا السجل ستظهر عندما يصبح قادرًا على الربط بين البيانات التي تقدمها الأسرة عن الشخص قبل فقدانه والمعلومات المستخرجة من السجون، والسجلات المدنية، والمشافي، والمقابر، والرفات، والفحوص الجنائية".

ولفت إلى ضرورة "اعتماد سياسة مرحلية للمقابر الجماعية تقوم على الحماية والتقييم قبل الاستخراج".

ورأى عبد الغني أن "الأولوية في المرحلة الحالية هي تحديد المواقع، وحمايتها من العبث أو البناء أو النهب، وتوثيقها، وتقييم المخاطر التي تهدد كل موقع، ثم ترتيب عمليات الاستخراج وفقًا للأولويات والقدرة الفنية المتاحة".

وأضاف: "لا يعني ذلك تجميد جميع عمليات الاستخراج. فقد توجد حالات عاجلة تكون فيها الرفات معرضة للتلف أو الإزالة أو العبث، بما يستوجب تدخلًا فوريًا".

وأوضح: "غير أن التوسع المنهجي في فتح المقابر يجب أن يرتبط بتوافر سلسلة متكاملة تبدأ بإدارة مسرح الموقع، وتمر باستخراج الرفات وحفظها وفحصها والاستعراف عليها، وتنتهي بإعادتها إلى الأسرة".

وأشار إلى أن ذلك "يتفق مع متطلبات بروتوكول مينيسوتا بشأن استخدام الأساليب الأثرية المتخصصة في استخراج الرفات المدفونة والحفاظ على سياقها الإثباتي".

ونوه عبد الغني إلى أهمية "الجمع بين الوظيفة الإنسانية والوظيفة القضائية من دون الخلط بينهما"، موضحًا أن "الهدف الأول هو كشف مصير المفقود وتمكين أسرته من معرفة الحقيقة واستعادة رفاته في حال ثبوت وفاته، غير أن المقابر الجماعية والرفات قد تشكل أيضًا أدلة على جرائم قتل وتعذيب وإخفاء قسري وجرائم دولية".

لذلك، وفق عبد الغني، "يجب أن تضمن عمليات التوثيق والاستخراج والحفظ صون القيمة الإثباتية للرفات والموقع، والحفاظ على سلسلة الحيازة، بما يتيح استخدام هذه الأدلة مستقبلًا أمام القضاء".

ومضى يقول: "وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يكون حصول الأسرة على الحقيقة مشروطًا بوجود ملاحقة جنائية في كل حالة. فالبحث الإنساني والتحقيق الجنائي مساران متكاملان، لكنهما ليسا متطابقين".

وتابع عبد الغني: "الموقف الذي أراه مناسبًا في هذه المرحلة هو أن الأولوية ليست فتح أكبر عدد ممكن من المقابر، وإنما بناء القدرة التي تضمن أن يؤدي فتح المقبرة فعلًا إلى كشف المصير".

ومن ثم، يمكن اختصار التسلسل الصحيح في أربع قواعد:

لا استخراج واسعًا للرفات من دون قدرة كافية على حفظها وفحصها.

لا استعراف من دون دمج بيانات ما قبل الوفاة وما بعد الوفاة.

لا اعتماد على الحمض النووي من دون قاعدة مرجعية وطنية ونظام موثوق للمطابقة وحماية البيانات.

ولا إبلاغ نهائيا للأسرة بالهوية إلا استنادًا إلى درجة موثوقة علميًا من اليقين.