أين صدام؟.. سوري يبحث منذ عامين عن ابنه المختفي قرب حدود إسرائيل

"حالة المواطن صدام لا تبدو استثنائية"
منذ أكثر من عامين، يواصل المواطن السوري حسن أحمد البحث عن ابنه صدام الذي اختفى في المنطقة الحدودية مع الكيان الإسرائيلي المحتل.
وتعتقد العائلة أن الشاب الذي كان يعمل راعيا، تعرض للاقتياد والاختطاف على يد جنود إسرائيليين قبل أن ينقطع أثره تماما، فيما أشارت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية إلى أن هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها في المنطقة.

انتظار مستمر
وأشارت الصحيفة إلى أنه "منذ 25 أبريل/ نيسان 2024، يوم اختفاء ابنه، لم يتوقف حسن أحمد عن حساب المدة التي مرت منذ ذلك الحين".
ففي إحدى فترات بعد ظهر أواخر يونيو/ حزيران 2026، قال الأب: "سنتان وشهران وأربعة أيام و17 ساعة مضت على اختفاء صدام".
وعقّبت الصحيفة: "هذا الحساب الدقيق للوقت لا يعكس مجرد حرص على تتبع الأيام، بقدر ما يجسد انتظارا مستمرا لم ينته منذ اللحظة التي فقد فيها ابنه".
وذكرت أنه "بحسب رواية والده، لم يكن صدام مجرد شاب اختفى دون أثر، بل تعتقد عائلته أن القوات الإسرائيلية اختطفته في جنوب غرب سوريا، قرب الحدود الإسرائيلية".
وتابعت: "ومن قرية جباتا الخشب الصغيرة، حيث تعيش العائلة، يمكن رؤية تلال هضبة الجولان التي ضمتها إسرائيل بصورة غير قانونية، إلى جانب عدد من توربينات الرياح المقامة على الجانب الآخر من الحدود".
ويستعيد حسن أحمد، من شرفة منزله، تفاصيل حياة ابنه قبل اختفائه، قائلا: "كان يأخذ الأبقار للرعي".
وبحسب الصحيفة، "كانت عائلة حسن من بين العائلات الأكثر ثراء في القرية، أو كانت كذلك لسنوات طويلة، قبل أن تنقلب أوضاع المنطقة وتتغير حياة سكانها بصورة جذرية".
وأوضحت مقصدها: "ففي عهد بشار الأسد، كانت المنطقة تعد من معاقل المعارضة السورية، ما جعل سكانها يواجهون على مدى سنوات ظروفا أمنية واقتصادية صعبة".
واستدركت: "غير أن سقوط النظام لم يُنْهِ هذه المعاناة، بل أضاف إليها مخاطر جديدة، مع تصاعد التحركات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة".
"فمنذ سقوط النظام، كثفت إسرائيل هجماتها داخل سوريا، كما أقامت قواعد عسكرية في الأراضي السورية داخل المنطقة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون منزوعة السلاح بين البلدين".
وتابع: "كما تتوغل القوات الإسرائيلية بصورة متكررة في المنطقة، فتفجر منازل، وترش مبيد الغليفوسات على الأراضي الزراعية، وتلحق أضرارا بالحقول والأشجار".
ووفقا لها، "امتدت تداعيات هذه العمليات إلى مصادر رزق حسن أحمد مباشرة، فقد اقتلع الجنود الإسرائيليون بالجرافات نحو 500 شجرة يملكها، بينها الزيتون واللوز والكرز والبرقوق والتين".
وهو ما دفعه -بحسب الصحيفة- إلى "بيع عجوله الخمسين بعدما توقف العشب عن النمو في المراعي نتيجة رشها بالمبيدات".
ومع ذلك، "يرى حسن أحمد أن خسارة أشجاره وما ترتب عليها من أضرار في مصدر رزقه، على قسوتها، تبقى أهون بكثير من فقدان ابنه".
وأضاف التقرير: "فقد اختفى صدام في وقت كان فيه آل الأسد لا يزالون في السلطة، إلا أن مصيره ظل مجهولا حتى بعد سقوط النظام".
وقال الأب: إن العائلة بأكملها تعيش منذ ذلك الحين في حالة حداد مستمر، مضيفا: "لا نشغل الموسيقى، ولا توجد حلويات في أيام الأعياد".
وعلقت الصحيفة: "بعد أكثر من عامين على اختفائه، لم تتلقَّ العائلة أي معلومات رسمية تكشف مكان صدام أو مصيره".
واستطردت: "كان الشاب يبلغ من العمر 17 عاما عندما اعتقل، وتقول الأسرة: إن الصليب الأحمر زاره مرة واحدة، فيما يتواصل معها من حين إلى آخر عبر فيسبوك سجناء سابقون في السجون الإسرائيلية، ويؤكد بعضهم أنهم رأوا صدام هناك".
اعتقال إداري
وشدد التقرير على أن "حالة صدام لا تبدو استثنائية؛ إذ تشير سلطات مدينة القنيطرة في سوريا إلى أن 47 مواطنا لا يزالون محتجزين لدى الجيش الإسرائيلي، فيما انقطعت أخبار معظمهم ولم تتوفر معلومات مؤكدة عن أماكن وجودهم أو مصيرهم".
في المقابل، ذكر أن إسرائيل "تبرر توغل قواتها داخل الأراضي السورية وعمليات الاعتقال والاختطاف بأنها تأتي في إطار مواجهة التهديدات الإرهابية، وتقول: إن هذه الإجراءات تندرج ضمن تقديرات أمنية وعسكرية".
وأوضح أنه "بحسب المعطيات المتاحة، اختفى أربعة سوريين خلال فترة حكم النظام السابق، بينما اختفى الباقون بعد الإطاحة به في ديسمبر/ كانون الأول 2024".
من جهتها، قالت الصحيفة: إن “الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع أكدت في مناسبات عدة أنها لا تريد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وأن أولويتها تتمثل في إعادة إعمار سوريا”.
وأكملت: "وحتى الآن، لم تشكل دمشق تهديدا جديا لإسرائيل، ومع ذلك تتواصل الهجمات والاعتقالات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية".
وفي هذا الإطار، ذكرت بأن "منظمة العفو الدولية تطالب بفتح تحقيق في هذه التوغلات المتواصلة، بتقدير أن بعضها قد يرقى إلى جرائم حرب".
"بدورهم، أفاد صحفيون سوريون بأن الجنود الإسرائيليين يدخلون المنازل في كثير من الأحيان برفقة كلاب، وأن بعض هذه الكلاب يهاجم السكان وهم نائمون ويعضهم في وجوههم، ومع ذلك، لم تحظ هذه التقارير باهتمام يذكر داخل سوريا"، وفقا لها.
وعقّب المحامي أحمد الموسى: “ما زلت أبحث عن المختفين قسرا، ماذا عساي أن أفعل؟”
ووفق الصحيفة، "كان المحامي الحقوقي قد فر من سوريا إلى ألمانيا بسبب الحرب الأهلية، وهو يعمل حاليا على تمثيل عائلات عدد من الأشخاص المختفين قسرا".
وأردفت: "في إطار ذلك، جمع موسى أسماء المفقودين وملفات قضاياهم، وأحالها إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري التابع لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والذي يجتمع كل بضعة أشهر".
وبحسبها، "طلب الفريق من إسرائيل معلومات حول أماكن وجود هؤلاء المختفين، إلا أن الموسى يقول: إنه لم يتلق أي رد حتى الآن".
وفي رد على استفسار من صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ"، طلب المكتب الإعلامي للجيش الإسرائيلي مزيدا من المعلومات حول هوية صدام حسن أحمد، من بينها رقم جواز سفره، لكنه لم يقدم أي تفاصيل إضافية بشأن مكان وجوده أو التهم الموجهة إليه.
وفي منزل العائلة، يجلس حسن أحمد على شرفته ويتحدث عن رسائل تصل إليه أحيانا من ابنه عبر قنوات غير مباشرة.
وأشارت إلى أنه "وفقا لما نقله أشخاص يقولون إنهم رأوا صدام، فإنه لا يزال محتجزا لأن الجيش الإسرائيلي يريد إبقاءه قيد الاحتجاز".
وأوضحت أن "هذا النوع من الاحتجاز يعرف باسم الاعتقال الإداري، وهو إجراء استخدمته إسرائيل منذ فترة طويلة بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ويبدو أنه بدأ يستخدم أيضا بحق سوريين".
من جانبها، "أفادت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان بأن الاعتقال الإداري يسمح باحتجاز شخص من دون محاكمة ومن دون اتهامه بارتكاب جريمة، استنادا إلى افتراض أنه قد يخالف القانون مستقبلا".
وتابعت المنظمة: "وبما أن الغرض المعلن من هذا الإجراء وقائي، يمكن أن يستمر الاحتجاز دون تحديد مدة واضحة".
واستطردت: "يتم الاعتقال الإداري بأوامر من القائد العسكري الإقليمي، استنادا إلى أدلة سرية لا يطلع عليها المحتجز، وبذلك يجد المعتقل نفسه في وضع لا يستطيع فيه معرفة الاتهامات الموجهة إليه أو دحضها، ولا يعرف موعد الإفراج عنه، كما لا توجه إليه تهمة رسمية ولا يخضع لمحاكمة أو إدانة".
وعقّبت الصحيفة: "يبدو أن صدام حسن أحمد يواجه وضعا مشابها، ويقول والده: إن محاميا من الأراضي الفلسطينية كان يتولى متابعة قضيته، لكنه لم يعد يجيب على اتصالاته الهاتفية".
وأضافت: "تشتبه عائلة صدام حسن أحمد في أنه قد يكون محتجزا في سجن عوفر بالضفة الغربية؛ حيث يحتجز الجيش الإسرائيلي مئات الفلسطينيين، كثير منهم من دون محاكمة".
وبحسب شهادة سجين سابق: "كانوا يجبروننا على الركوع وأيدينا مقيدة من الفجر حتى منتصف الليل، فيما كان الحراس يضربوننا بعنف. وكنت أتعرض للصعق بالكهرباء كل يومين".

عملية دفاعية
ولا يزال والد صدام يجهل مصير ابنه، وردا على استفسار، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها لا تستطيع التعليق على حالات فردية، لكنها أكدت أن "أقارب المفقودين أو المحتجزين يحق لهم، بموجب القانون الدولي الإنساني، معرفة مصير ذويهم ومكان وجودهم".
"وأضافت اللجنة أن السلطات الإسرائيلية ملزمة بإبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأسماء المحتجزين لديها والسماح لها بالوصول إليهم"، وفق ما أورده التقرير الألماني.
في المقابل، قالت الصحيفة أن "الجيش الإسرائيلي يبرر هجماته داخل سوريا بوصفها جزءا من (عملية دفاعية) تهدف إلى حماية إسرائيل من هجمات محتملة تنطلق من الأراضي السورية".
في هذا السياق، ذكّرت الصحيفة أنه "خلال عهد بشار الأسد، كان حزب الله اللبناني من أبرز حلفاء النظام السوري، وشارك مقاتلوه في عمليات قتل واسعة استهدفت آلافا من عناصر المعارضة السورية".
وادعت أنه "حتى اليوم، لا يزال الحزب يحاول نقل أسلحة من إيران إلى لبنان عبر الأراضي السورية".
واستدركت: "غير أن المنطقة ذات الغالبية السنية التي اختطف فيها صدام حسن أحمد لم تكن في السابق معقلا لحزب الله".
واستطردت: "على العكس من ذلك، يقول والده إن الحزب كان مكروها في المنطقة بسبب دعمه للنظام السوري".
مع ذلك، لفتت أنه "في أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن قوات الأمن أحبطت هجوما مشتبها به قرب الحدود الإسرائيلية، وقالت إن أنصار الأسد وأشخاصا مرتبطين بحزب الله كانوا يخططون لتنفيذه".
وأردفت: "وفي الأسابيع التالية، عادت الهجمات الإسرائيلية إلى التصاعد، فيما استمرت عمليات الاعتقال، وفي (17 أغسطس/ آب) اعتقلت القوات الإسرائيلية مزيدا من الشبان، وسط اعتقاد بأنهم نقلوا إلى إسرائيل".
واختتمت قائلة: "بعد أشهر من اختفاء ابنه، تلقى حسن أحمد رسالة يعتقد أنها من صدام، جاء فيها: (سأعود وأساعدك مرة أخرى في الحقول)".

















