طريق التنمية.. مشروع عراقي يعيد رسم خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا

"تحقيق ذلك يحتاج إلى دولة قوية قادرة على ضمان الأمن"
لم يعد "طريق التنمية" مجرد مشروع للنقل، يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا، بل أصبح مشروعا يمكن أن يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للعراق والمنطقة.
ونشرت صحيفة “يني شفق” التركية مقالا للكاتب أيوب كرم، ذكر فيه أن "العراق يمتلك موقعا مهما بين الخليج وتركيا، وبين آسيا وأوروبا، لكنه لم يتمكن طوال سنوات طويلة من تحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة اقتصادية".
لذلك تكمن أهمية طريق التنمية في قدرته على تحويل الموقع الجغرافي للعراق إلى قيمة اقتصادية، وذلك من خلال ربط ميناء الفاو بشبكات النقل والتجارة المتجهة نحو الشمال وأوروبا.

بوابة التجارة
وأوضح الكاتب التركي أن ميناء الفاو الكبير يمثّل نقطة البداية الأساسية للمشروع؛ فقد بدأ العراق بناء الميناء عام 2010، بهدف الاستفادة من موقعه على الخليج العربي، وَربطه بشبكات النقل المتجهة نحو الشمال.
وأكد أن السلطات العراقية تطمح إلى أن تصل طاقة الميناء في مرحلته النهائية إلى 25 مليون حاوية سنويا، وهو ما يعكس حجم التطلعات العراقية المرتبطة بالمشروع.
لكن بناء ميناء كبير لا يعني وحده نجاحه، فالمشكلة الأساسية ليست عدد الحاويات التي يمكن للميناء استقبالها، وإنما القدرة على جلب هذه الحاويات ونقلها إلى وجهاتها.
ومن هنا تظهر أهمية طريق التنمية الذي يقوم على نقل البضائع من الخليج عبر العراق باتجاه الشمال، ثم إلى أوروبا عبر تركيا.
بهذا المعنى، يمكن عدّ الفاو بوابة العراق البحرية، بينما يمثل طريق التنمية المنطقة الاقتصادية واللوجستية التي تربط هذه البوابة بالداخل والأسواق الخارجية.
وإذا نجح هذا الترابط، لن يظلّ العراق مجرد دولة تعتمد على تصدير النفط، بل يمكن أن يتحول إلى اقتصاد عبور يقدم الخدمات اللوجستية، وينشئ المناطق الصناعية، ويستفيد من التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهنا بالذات تبرز تركيا بوصفها الحلقة الأساسية في المشروع، وفق الكاتب كرم، فالممر الممتد من الفاو شمالا يمكن أن يصل إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، كما يمكن أن يرتبط بشبكات النقل التركية المتجهة نحو القوقاز وآسيا الوسطى.
لذلك فإن دور تركيا لا يقتصر على الدعم السياسي فحسب، بل يرتبط بالمنطق الجغرافي والاقتصادي للمشروع نفسه.
إعادة تشكيل
وأشار الكاتب إلى أن طريق التنمية يمكن أن يغير طبيعة العلاقات بين تركيا والعراق، فقد كانت ملفات الإرهاب وأمن الحدود والمياه والنفط لسنوات طويلة في مقدمة العلاقات بين أنقرة وبغداد.
أما الآن، أُضيف إليها السكك الحديدية والطرق والموانئ والمناطق الصناعية والطاقة والتجارة العابرة، وهذا يعني إمكانية انتقال العلاقة من تعاون يركز على مواجهة التهديدات إلى شراكة تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
في المقابل، يطرح بعض الباحثين العراقيين فكرة إيجاد مسارات عبر سوريا للوصول إلى البحر المتوسط، وذلك من أجل ألّا يعتمد العراق على ممر شمالي واحد يصل إلى تركيا.
لكن، من الناحية الاقتصادية واللوجستية يتمتع المسار عبر تركيا بميزة مهمة، وهذا إذا كانت الوجهة النهائية هي أوروبا.
فالبضائع القادمة من الفاو يمكن نقلها من البحر إلى السكك الحديدية أو الطرق البرية، ثم مواصلة طريقها عبر تركيا إلى أوروبا.
أما المرور عبر سوريا إلى أحد الموانئ المتوسطية فيتطلب عمليات إضافية من النقل وإعادة التحميل، وهو ما يعني زيادة في الوقت والتكلفة والمخاطر التشغيلية.
لكن هذا لا يعني بالضرورة بقاء سوريا خارج المنظومة الإقليمية، فإعادة إعمارها تتطلب ربط بنيتها التحتية بالنقل والطاقة والتجارة الإقليمية، ويمكن للتكامل الاقتصادي بين تركيا وسوريا والعراق أن يكون جزءا من منظومة أوسع للترابط الإقليمي، بدلا من النظر إلى هذه المسارات بِعدّها متنافسة بالضرورة.
كما أن رغبة تركيا في الحفاظ على طريقها الرئيس والمتواصل إلى أوروبا عبر أراضيها تمثل مصلحة جيو-اقتصادية، وهذا لأن قيمة الممرات لا تقاس فقط بإيرادات العبور، وإنما أيضا بالمناطق التي تتركز فيها التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.

حسابات متشابكة
وقال كرم: إن حسابات طريق التنمية تتداخل أيضا مع المنافسة الاقتصادية في الخليج، فقد تطورت خلال العقود الماضية مراكز لوجستية قوية في المنطقة، فيما أصبحت الموانئ والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية جزءا أساسيا من الخطط الاقتصادية لدول الخليج.
وبهذا، يمكن أن يمثل طريق التنمية فرصة لهذه الدول، وليس مجرد منافس لموانئها.
فإذا نجح المشروع، فإنه سيفتح طريقا تجاريا جديدا عبر العراق وتركيا إلى أوروبا، بالإضافة إلى القوقاز وآسيا الوسطى عبر شبكات النقل التركية، لذلك يمكن أن ترى دول الخليج في المشروع فرصة للاستثمار والوصول إلى أسواق جديدة.
وقد اكتسب المشروع بالفعل بعدا إقليميا، عندما وقّعت تركيا والعراق وقطر والإمارات في 22 أبريل/نيسان 2024 مذكرة تفاهم رباعية بشأن تطوير طريق التنمية وميناء الفاو.
وبهذا لم يعد المشروع مجرد مشروع تركي عراقي، بل أصبح مبادرة تشارك فيها دول خليجية مهمة، يؤكد كرم.
ويرى الكاتب أن طريق التنمية قد يؤثر في موقع إيران كدولة عبور، فالمشروع يمكن أن يسمح للبضائع القادمة من الخليج بالوصول إلى أوروبا عبر العراق وتركيا دون المرور بالأراضي والموانئ الإيرانية.
لكن في الوقت نفسه، لا ينفصل ميناء الفاو عن مضيق هرمز؛ لأن السفن القادمة من المحيط الهندي تحتاج إلى المرور منه للوصول إلى الخليج، لذلك فإن المشروع يمكن أن يقلل من أهمية إيران كممر بري، لكنه لا يلغي أهمية هرمز بالنسبة إلى حركة التجارة المرتبطة بالفاو.
الاختبار الحقيقي
ولفت الكاتب النظر إلى أن أكبر تحد أمام طريق التنمية قد لا يكون تركيا أو إيران أو دول الخليج، بل قدرة العراق نفسه على إدارة المشروع، فنجاح ممر تجاري بهذا الحجم يحتاج إلى دولة قادرة على اتخاذ القرار، وضمان الأمن، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار.
ويجب التمييز بين إقامة علاقات جيدة مع إيران وبين السماح لأي دولة بالتأثير الحاسم في القرارات الداخلية للعراق. فالمستثمر لا يهتم بالشعارات السياسية، وإنما يبحث عن الأمن والاستقرار والتكلفة المناسبة والوقت والقدرة على التنبؤ.
لذلك فإن طريق التنمية يمثل أيضاً اختبارا لسيادة الدولة العراقية وقدرتها على تحديد مصالحها بنفسها.
وشدد كرم على أن العراق لا يحتاج إلى الدخول في مواجهة مع إيران، وإنما يحتاج إلى بناء قدرة دولة تمكنه من التعامل مع إيران والولايات المتحدة وغيرهما، وذلك انطلاقا من مصالحه الخاصة، دون أن يصبح معتمدا على أي طرف.
كما أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بحجم الإيرادات التي سَيحققها، وإنما بمدى استفادة المدن والمجتمعات التي يمر بها.
واستدرك الكاتب أن مسألة مشاركة التركمان تكتسب أهمية خاصة في شمال العراق، حيث تمثل مناطق مثل كركوك والموصل وتلعفر جزءا مهما من الجغرافيا الاقتصادية والتجارية.
وتشير الخطط الحالية للمسار الشمالي إلى انتقال الطريق من الموصل إلى ربيعة، ثم دهوك وفيشخابور وصولا إلى أُوفاكوي، وهو مسار يمر بدرجة كبيرة بعيدا عن المناطق التركمانية.
ومن هنا يبرز مقترح مسار الموصل–تَلعفر–أُوفاكوي، الذي يمكن أن يوفر نحو 100 كيلومتر في بعض الحالات.
وشدد كرم على أن مقارنة المسارين بشكل رسمي من حيث المسافة والتكلفة وطبيعة الأراضي والأمن والكفاءة اللوجستية هو أمر ضروري.
وأوضح أن اختيار مسار يمر عبر تلعفر لا يمكن أن يكون مسألة اقتصادية فقط، بل يمكن أن يساعد أيضا في إشراك التركمان في الفوائد الاقتصادية للمشروع، وتحقيق توازن أكبر بين المناطق العربية والكردية والتركمانية.
وتابع: "يمثل طريق التنمية فرصة للعراق لإعادة تعريف قيمة موقعه الجغرافي. فقد تحول موقع العراق في الماضي إلى مصدر للحروب والصراعات، رغم وجوده بين الخليج وتركيا وآسيا وأوروبا".
أما اليوم، فيمكن استخدام الموقع نفسه لبناء شبكة تجارية تربط الخليج بتركيا وأوروبا، وتمتد في الوقت ذاته نحو القوقاز وآسيا الوسطى.
واستدرك كرم: “لكن تحقيق ذلك لا يتوقف على بناء ميناء أو سكة حديد، بل يحتاج إلى دولة قوية قادرة على ضمان الأمن، وبيئة تمنح المستثمرين الثقة، وتوزيع الفوائد الاقتصادية على مختلف مكونات المجتمع”.
واستطرد: "من الجانب التركي فإن نجاح المشروع لا يعني فقط عائدات العبور، بل يمكن أن يعزز موقعها كمركز لوجستي، يربط محاور التجارة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب.
وختم كرم مقاله بالقول: “بذلك، فإن القيمة الحقيقية لطريق التنمية لا تكمن في تغيير حدود المنطقة، وإنما في تغيير قيمة الجغرافيا دون تغيير الحدود”.

















