هجوم أنبوب السعودية يكشف مأزق بغداد.. من يملك قرار محاسبة المليشيات؟

الزيدي لا يبدو منشغلا كثيرا بمحاسبة الميليشيات التي ربما تسببت في هذه الأزمة الاقتصادية الكبيرة
بينما أثار استهداف أنبوب النفط السعودي مخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية، كان رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، يستعد لجولة أوروبية تشمل ألمانيا وفرنسا، في وقت تزايدت فيه التساؤلات حول محاسبة الجهة التي نفذت الهجوم انطلاقًا من الأراضي العراقية.
فالزيدي لا يبدو منشغلًا كثيرًا بمحاسبة المليشيات التي ربما تسببت في هذه الأزمة الاقتصادية الكبيرة، وفق تقرير لصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية.
وأوضح التقرير أن الزيارة الأوروبية جاءت في وقت تصاعدت فيه داخل العراق التساؤلات حول سبب استمرار المليشيات المدعومة من إيران في شن هجمات على دول مجاورة، كان آخرها استهداف أنبوب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب.
ورأى التقرير أن الهجوم على الأنبوب قد يشكّل كارثة على الاقتصاد العالمي، ناقلًا عن هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن الأنبوب، الممتد لمسافة 1200 كيلومتر، يساعد السعودية، أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، على تجاوز مضيق هرمز.
وذكر أن الهجوم وقع في 11 سبتمبر/أيلول، وأن العراق أعلن إقالة قائد عسكري وفتح تحقيقًا بعد إقراره بأن هجوم المسيّرة على الأنبوب السعودي انطلق من إحدى محافظاته المتاخمة لإيران.
وأضاف، نقلًا عن "بي بي سي"، أن السعودية سبق أن اتهمت مليشيات مدعومة من إيران في العراق بشن هجمات على منشآتها النفطية.

جولة أوروبية
ولفت التقرير إلى أن رئيس الوزراء لا يبدو معنيًا كثيرًا بعواقب قد تترتب على الميليشيات التي ربما تسببت في هذا الإرباك الاقتصادي الضخم للعالم.
ونقل عن مكتبه قوله، في عطلة نهاية الأسبوع، إنه يجري الأحد، 13 سبتمبر/أيلول، جولة أوروبية على رأس وفد رفيع المستوى تشمل فرنسا وألمانيا، بدعوة رسمية من حكومتي البلدين.
والتقى خلالها الزيدي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، لبحث طائفة من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وعلّق التقرير بأن البيان يمكن أن يُقرأ وكأن كل شيء يسير بصورة طبيعية في بغداد، وأن الهجوم على السعودية سيُطوى تحت البساط.
وبيّن أنه ليس الحادث الأمني الوحيد في العراق؛ إذ عثرت قوات وزارة الداخلية أيضًا على عشرات المسيّرات في غرب البلاد، ويبدو أنها مسيّرات تستخدمها مليشيات مدعومة من إيران كذلك.

"الداخلية" موضع شك
وذكر التقرير أنه طالما اعتُقد أن وزارة الداخلية مخترقة من عناصر قريبة من "منظمة بدر" المقربة من إيران.
وأشار إلى أن ذلك يثير تساؤلات عمّا إذا كانت الوزارة تريد التباهي بـ"العثور" على المسيّرات، بينما تلقت في الواقع معلومات من مصادر تابعة للمليشيات القريبة منها.
وفي بغداد، نقل التقرير عن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي إدانته، في اتصال مع رئيس مجلس الشورى السعودي، للهجمات على السعودية التي انطلقت من العراق، فيما تواصل الحكومة العراقية تحقيقها المشترك مع إيران، وفق ما أوردته وكالة "رووداو".
وأوضح التقرير أن الحلبوسي سياسي سُنّي، خلافًا للسياسيين الشيعة الموالين لإيران الذين يشكّلون معظم الطبقة السياسية العراقية اليوم.
وبيّن أن العراق، مثل لبنان، اختار توزيع الأدوار السياسية على أساس الاختلافات الطائفية؛ فرئيس الوزراء شيعي، ورئيس الجمهورية كردي، ويُعيّن السُّنّة عادة في منصب رئيس البرلمان.
ولفت إلى أنه ليس مستغربًا أن يكون منصبا الرئيس ورئيس البرلمان أضعف بكثير من منصب رئيس الوزراء.
ونقل عن المكتب الإعلامي لرئيس البرلمان قوله: إنه أعرب عن إدانته للهجمات التي استهدفت المملكة العربية السعودية الشقيقة، مجددًا موقف العراق الرافض استخدام أراضيه أو أجوائه لتهديد أمن المملكة الشقيقة أو أي من دول الجوار.
وأضاف البيان، وفق "رووداو"، أن ذلك "لا يتوافق مع سياسة العراق ولا علاقاته بأشقائه أو جيرانه".

تحقيق بلا محاسبة؟
وذكر التقرير أن الهجوم على السعودية جاء من محافظة ميسان العراقية، وأن الحكومة تحركت حتى الآن لاستبدال مسؤول محلي، وزعمت أنها عثرت على منصة الإطلاق المستخدمة في هجوم المسيّرة.
ونقل عن "رووداو" أن رئيس الوزراء أقال قائد عمليات ميسان، وأغلق منفذي الشلامجة والشيب الحدوديين مع إيران احترازيًا، قبل أن تعلن الخلية الإعلامية الأمنية إعادة فتحهما تدريجيًا أمام المسافرين بدءا من الأحد، 13 سبتمبر/أيلول، واستمرار التجارة في الشلامجة الاثنين، وفي الشيب الخميس.
وأوضح أن "تحقيقًا مشتركًا" يُفترض أن يجري الآن، وأنه ليس واضحًا أي مليشيا نفذت الهجوم.
وبيّن أن "كتائب حزب الله" عادة ما تقف وراء الهجمات البارزة على دول الجوار، وأنها قتلت ثلاثة جنود أميركيين في الأردن عام 2024، وأن عدة ميليشيات رئيسة تنضوي في "المقاومة الإسلامية في العراق" المدعومة من إيران.
ونقل عن "رووداو" أن فصائل هذه المقاومة، وهي "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، تخضع حاليًا لضغوط للالتزام بمهلة حكومية عراقية تنتهي في 30 سبتمبر/أيلول لحصر السلاح بيد الدولة.
وأورد أن بعض السياسيين العراقيين يودّون كبح المليشيات، ناقلًا أن رئيس الجمهورية العراقي وزعيم "تيار الحكمة" عمار الحكيم جددا موقف الحكومة بأن العراق لا ينبغي أن يُستخدم منصة انطلاق ضد دول الجوار.
وتعكس هذه الحادثة معضلة متكررة في العراق؛ إذ تتحرك الحكومة سريعًا نحو إجراءات شكلية، كإقالة مسؤول محلي أو إغلاق منفذ حدودي، بينما يبقى مصدر القرار الفعلي خارج قبضتها.
فالفصائل المتهمة تحتفظ بترسانة وشبكة تمويل ونفوذ سياسي يجعل محاسبتها كلفة قد لا تقوى عليها بغداد، لا سيما أن بعضها ممثّل داخل مؤسسات الدولة نفسها.
وختم التقرير بأن السؤال الكبير لكل من العراق والسعودية هو ما إذا كان أحد سيُحاسب فعلًا.


















