معارك اليمن تفتح موجة نزوح واسعة.. عشرات الآلاف يفرون من جحيم التصعيد

احتدام المعارك في الساحل الغربي وغرب محافظة تعز
لم تعد التغيرات المتسارعة في خريطة السيطرة باليمن مجرد تطورات عسكرية بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي؛ إذ بدأت تدفع ثمنها أعداد متزايدة من المدنيين، مع موجة نزوح واسعة أجبرت عشرات الآلاف على مغادرة منازلهم والبحث عن مناطق أكثر أمانًا.
فمع احتدام المعارك في الساحل الغربي وغرب محافظة تعز، والتقدم الميداني الأخير الذي أعلنته جماعة الحوثي في عدد من المناطق، تتسع رقعة الأزمة الإنسانية بوتيرة متسارعة، وسط تقارير عن مئات الانتهاكات بحق المدنيين وسقوط ضحايا خلال محاولات الفرار.
وبينما تشير أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى نزوح ما لا يقل عن 76 ألف شخص منذ يوليو/ تموز الماضي، امتدت موجة الفرار إلى خارج البلاد، مع وصول نحو 1400 يمني عبر البحر إلى شواطئ جيبوتي خلال الساعات القليلة الماضية؛ هربًا من العمليات العسكرية المتصاعدة في الساحل الغربي.
وتتزامن هذه التطورات الإنسانية مع مستجدات عسكرية بارزة أعادت خلط الأوراق على الساحة اليمنية، في وقت تتواصل فيه المواجهات والغارات الجوية، بينما تسعى القوات الحكومية إلى إعادة ترتيب صفوفها واستعادة زمام المبادرة.
فقد تواصل التصعيد العسكري بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثي، في 12 سبتمبر/ أيلول 2026، على عدة جبهات في البلاد، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الغارات الجوية على مواقع وتجمعات للحوثيين.
وجاء التصعيد بعد أيام من تغيرات ميدانية متسارعة في الساحل الغربي، أعلنت خلالها جماعة الحوثي تحقيق تقدم والسيطرة على عدد من المناطق، بينها مدينة المخا غربي اليمن وميناؤها، فيما أكدت الحكومة اليمنية أن التطورات الأخيرة لا تعني حسم المعركة، وأنها تعمل على إعادة تنظيم جهودها واستعادة زمام المبادرة.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير حقوقية عن وقوع مئات الانتهاكات بحق المدنيين في المناطق التي شهدت تغيرًا في السيطرة، إلى جانب سقوط ضحايا مدنيين خلال موجات النزوح من مناطق المواجهات.
فقد أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، السبت، أنها رصدت 958 جريمة وانتهاكًا ارتكبتها جماعة الحوثي في محافظتي تعز والحديدة غربي البلاد منذ 3 سبتمبر/ أيلول الجاري.
وأفادت الشبكة، غير الحكومية، في بيان، بأنها رصدت "خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر/ أيلول الجاري 958 جريمة وانتهاكًا ارتكبتها جماعة الحوثي في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ومديريات الوازعية وموزع والمخا وذو باب بمحافظة تعز"، وهي المديريات التي ذكرت مصادر إعلامية وحوثية متطابقة أن الجماعة سيطرت عليها خلال الأيام الأخيرة.
وأضاف بيان الشبكة الحقوقية أن "الانتهاكات الحوثية شملت القتل والإصابة والاعتقال، وعمليات الاختطاف والمداهمات والنهب التي طالت المدنيين وممتلكاتهم والمنشآت المدنية".
وأوضح البيان أن "هذه الانتهاكات جاءت في ظل تصعيد عسكري واسع واستخدام مفرط للقوة واستهداف مناطق وقرى وأحياء مأهولة بالسكان، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، وتصفيات ميدانية، واعتقالات واختطافات وإخفاء قسري، فضلًا عن موجات نزوح واسعة وعمليات مداهمة ونهب ومصادرة للممتلكات والمنشآت المدنية والإنسانية".
نزوح متسارع
في موازاة ذلك، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، في 12 سبتمبر/ أيلول 2026، نزوح ما لا يقل عن 76 ألف شخص في اليمن منذ يوليو/ تموز الماضي، مقارنة بنحو 46 ألفًا قبل أيام، جراء تصاعد القتال في البلاد.
وقالت المنظمة، في بيان: إن بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة لها وشركائها تظهر أن أعداد النازحين "تتزايد بوتيرة سريعة"، في ظل اشتداد المعارك على جبهات الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز.
وأوضحت أن تعز كانت الأكثر تضررًا؛ حيث نزحت 8 آلاف و300 أسرة، أي نحو 50 ألف شخص، من مديريات بينها جبل حبشي والمعافر ومقبنة وموزع والوازعية.
وفي محافظة لحج، سجلت المنظمة نزوح 2819 أسرة، أي قرابة 17 ألف شخص، معظمهم من مديرية المضاربة.
أما في محافظة الحديدة، فنزحت 1374 أسرة، تضم أكثر من 8 آلاف و100 شخص، من مناطق ساحلية بينها حيس والخوخة، فيما رصدت المنظمة في محافظة عدن نزوح 191 أسرة تضم أكثر من 1100 شخص.
وفي السياق ذاته، أكدت السلطات في جيبوتي وصول ما يقارب 1400 مواطن يمني عبر البحر إلى شواطئها خلال الساعات القليلة الماضية، في موجة فرار جماعية جديدة نحو القرن الإفريقي، هربًا من العمليات العسكرية المتصاعدة في الساحل الغربي.
وأطلقت منظمات دولية، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للهجرة ومنظمة أوكسفام، نداءات استغاثة عاجلة جراء تفاقم أزمة النزوح الداخلي في اليمن بوتيرة متسارعة.
تحركات عسكرية
ميدانيًا، أعلنت القوات الحكومية اليمنية شن غارات جوية مكثفة استهدفت ثكنات ومواقع للحوثيين في جبهة الضباب بمحافظة تعز، إلى جانب تدمير منصات لإطلاق الصواريخ في محافظة البيضاء.
وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية: إن طيران الجيش نفذ 3 غارات استهدفت مواقع وثكنات تابعة لجماعة الحوثي في منطقتي "التبة السوداء" وجبل المنعم بجبهة الضباب في محافظة تعز جنوب غربي البلاد.
وفي تطور آخر، أفاد موقع "سبتمبر نت" التابع للجيش اليمني بأن القوات الجوية نفذت عمليات استهدفت عناصر وعتادًا وآليات تابعة للحوثيين في مدينة ذو باب الساحلية والجبهات الشمالية.
وأضاف الموقع أن العمليات أسفرت عن "تدمير كلي لعربات وأسلحة" تابعة للحوثيين، و"القضاء على عناصرها"، دون ذكر أعداد.
وفي تطور لاحق، أعلنت قوات درع الوطن الحكومية، الأحد، إسقاط 5 طائرات مسيرة حوثية في تعز.
وقالت، في بيان عبر منصة "إكس": إن اللواء السادس بالفرقة الأولى لقوات درع الوطن تمكن، في مواقع الأغبرة بجبهة الوازعية غربي تعز، من إسقاط المسيرات الخمس خلال "مواجهة ميدانية".
وخلال الأيام الأخيرة، أعلنت جماعة الحوثي السيطرة على عدة مديريات في محافظتي الحديدة وتعز بمنطقة الساحل الغربي، إضافة إلى جزر في البحر الأحمر.
ومن بين تلك الجزر جزيرة ميون الواقعة في مضيق باب المندب، بما يمنح الحوثيين، وفق هذه المعطيات، سيطرة فعلية على المضيق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ووفق مصادر إعلامية وحوثية متطابقة، شملت المديريات التي أعلنت الجماعة السيطرة عليها حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، والوازعية وموزع والمخا وذو باب، وما تبقى من مديرية مقبنة بمحافظة تعز.
في المقابل، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تحقيق تقدم في محافظة الجوف الحدودية مع السعودية، والاقتراب من مدينة الحزم، مركز المحافظة التي تسيطر جماعة الحوثي على أجزاء منها.
إعادة ترتيب الأوراق
وغداة إعلان الحوثيين السيطرة على مدينة المخا، وصل عضو مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، طارق صالح، إلى العاصمة السعودية الرياض.
وذكرت قناة "الجمهورية"، المملوكة لطارق صالح، عبر حسابها على منصة "فيسبوك"، مساء السبت، أن الأخير وصل إلى الرياض "لمناقشة المستجدات الميدانية وظروف المعركة ضد مليشيا الحوثي".
وأضافت أن "الزيارة تأتي بعد أيام من انتقاله من مدينة المخا إلى منطقة آمنة داخل اليمن"، لم تسمها؛ حيث أشرف على إعادة ترتيب مراكز قيادة عملياتية بالتنسيق مع التحالف العربي.
ولم يصدر تعقيب فوري من السلطات السعودية بشأن الزيارة.
وإضافة إلى عضويته في مجلس القيادة الرئاسي، يقود طارق صالح قوات المقاومة الوطنية التي كانت تسيطر على معظم مناطق الساحل الغربي لليمن، وتتخذ من مدينة المخا مقرًا لقيادتها.
نزوح جماعي
وسلط حقوقيون وإعلاميون مستقلون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي الضوء على تفاقم الكارثة الإنسانية في مناطق الحديدة وغرب تعز وغيرها من المناطق اليمنية التي شهدت تصعيدًا عسكريًا، معربين عن غضبهم من تصاعد موجة النزوح القسري وفرار آلاف الأسر بسبب الاشتباكات والقصف.
وتداولوا عبر منشوراتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #اليمن_الآن و#الحوثي و#طارق_صالح، مشاهد للفرار الجماعي للعائلات، بمن في ذلك نساء وأطفال وشيوخ، يسيرون على الأقدام أو يستخدمون وسائل بدائية للوصول إلى مناطق أكثر أمانًا، مثل جبال تعز أو مدينة عدن.
وتحدث ناشطون عن معاناة النازحين من غياب المأوى والغذاء والماء، إلى جانب البرد والمطر والعراء، مؤكدين أن أعداد الفارين من مناطق القتال تتزايد بوتيرة متسارعة.
وأشاروا إلى أن كثيرًا من النازحين تركوا منازلهم وكل ما يملكون تقريبًا، محذرين من تحول الوضع إلى مأساة إنسانية أوسع إذا استمر التصعيد من دون تدخل عاجل.
وطالب ناشطون بتدخل فوري من المنظمات الإنسانية والسلطات المحلية والدولية لتقديم المساعدات الإغاثية، وفتح ممرات آمنة، وتوفير الإيواء والغذاء والدواء للنازحين.
كما شددوا على ضرورة حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم، مشيرين إلى تقارير تتحدث عن عشرات الآلاف من النازحين الجدد خلال الأيام الأخيرة، مع التركيز على مناطق مثل مقبنة والكدحة وحيس والخوخة والمخا.
ودعوا إلى عدم ترك الأسر النازحة تواجه التشرد والمخاطر الإنسانية وحدها، في وقت يتواصل فيه التصعيد العسكري وتتسع تداعياته على المدنيين في مناطق متفرقة من اليمن.
جيبوتي ملاذ
وسلط ناشطون الضوء على نزوح المئات هربا من المعارك في الساحل الغربي باتجاه جيبوتي، وأبرزوا أن الأبرياء، خاصة النساء والأطفال، هم الخاسر الأكبر في هذه الحروب، معربين عن الحزن والدعاء بالنصر أو السلام.
ووجهوا انتقادات مباشرة للحوثيين؛ لأنهم السبب الرئيس للمأساة، مع وصف الحدث بـ"كارثة" أو التأكيد على تشتت الأسر وترمل النساء وتيتم الأطفال، معربين عن تعاطفهم الإنساني، مع دعوات لوقف النزاعات وتخفيف معاناة المدنيين.
فشل وخيانة
وتباينت ردود الفعل حول وصول نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات المقاومة الوطنية طارق صالح إلى الرياض في 12 سبتمبر 2026، بعد أيام قليلة من انسحاب قواته من مواقعها في الساحل الغربي (بما في ذلك المخا)، وسيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرة ميون وعدد من المديريات في غربي تعز والحديدة.
واتهم فريق صالح بالفشل والخيانة، وعدّوا اتجاهه للمملكة "هروباً سياسياً وعسكرياً" وتخلياً عن القوات الميدانية بعد انكسار خطوطها الدفاعية، واعتراف ضمني بالهزيمة العسكرية وفقدان السيطرة على الأرض، مستغلةً التوقيت الحرج للزيارة لتكريس رواية الانتصار الكامل وتفكك صفوف القوات المشتركة، وطالبوا بالتحقيق معه.
تراجع تكتيكي
في المقابل، أكد فريق آخر أن الزيارة تأتي في إطار مهمة عمل عسكرية ودبلوماسية رفيعة المستوى تهدف لترتيب الأوراق مع دول التحالف العربي وإنشاء مركز قيادة وعمليات بديل وتنسيق الدعم اللوجستي والعسكري الطارئ لإعادة ترتيب الصفوف وتلافي الاختراقات السابقة.
وأكدوا أن التراجع الميداني الحالي ليس إلا خطوة تكتيكية مؤقتة تفرضها ظروف المعركة لامتصاص الصدمة والاستعداد لشن عمليات عسكرية مضادة وأكثر تنظيماً.

















