اليمن على صفيح ساخن عسكريا ودبلوماسيا.. ما الخيار الأنسب لتركيا؟

"السؤال الأهم ليس فقط: هل ستدخل تركيا اليمن؟ "
تحولت الأزمة في اليمن من صراع داخلي إلى جزء من معادلة إقليمية ودولية تتقاطع فيها مصالح السعودية ودول الخليج مع جماعة أنصار الله “الحوثيين” وإيران، في وقت يتزايد فيه حضور الصين وروسيا في المشهد، ما يضع تركيا أمام تساؤلات بشأن طبيعة دورها وحدوده.
وفي السياق، نشرت صحيفة إندبندنت التركية مقالاً للكاتب التركي مسعود دايار، تناول فيه تطورات الصراع في اليمن. مشيراً إلى أن أنقرة تواجه اختباراً دقيقاً يتعلق بكيفية انخراطها في الملف اليمني، دون أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب جديدة.
وأضاف الكاتب أن الخيار أمام تركيا لا يتعلق فقط بالتدخل من عدمه، وإنما بكيفية الموازنة بين مسار عسكري مباشر ومسار يقوم على الأمن البحري والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية والحفاظ على طرق التجارة.
بين الأمن والتجارة
تكتسب التطورات على ساحل البحر الأحمر أهمية خاصة، وذلك بسبب موقع باب المندب الذي يمثل أحد الممرات الأساسية للتجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن دوره في نقل الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
لذلك، فإن أي تصعيد في اليمن لا يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة والنقل البحري.
وهنا تواجه تركيا خيارين مختلفين؛ الأول يتمثل في المشاركة في معادلة اليمن من خلال حماية الأمن البحري، والإسهام في إبقاء طرق التجارة مفتوحة، وتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم المسار الدبلوماسي والحل السياسي.
أما الخيار الثاني فيتمثل في الانخراط عسكرياً على الأرض إلى جانب السعودية واتخاذ موقف مباشر ضد الحوثيين.
ويرى الكاتب أن الفارق بين الخيارين يتجاوز الجانب العسكري.
فَالانضمام إلى حرب برية واسعة قد يجعل تركيا طرفاً مباشراً في صراع يرتبط بصورة وثيقة بالتنافس الإقليمي بين إيران والسعودية، وقد يؤثر كذلك في علاقاتها مع الصين وروسيا.
أما تبني دور يقوم على الأمن البحري والدبلوماسية، فَيمنح أنقرة مساحة أوسع للحركة والتواصل مع مختلف الأطراف.

مصالح متعارضة
رغم التقارب الاستراتيجي بين إيران والصين، فإن مصالح البلدين في اليمن ليست متطابقة. فَإيران تنظر إلى اليمن في إطار توازن القوى الإقليمي، وأمنها، ومقاومة المحور الأميركي السعودي.
أما الصين فَتتعامل مع القضية من زاوية أكثر براغماتية، تركز على أمن طرق التجارة والطاقة والنقل البحري.
ويظهر هذا الاختلاف في تعامل بكين مع الحوثيين؛ فَالتقارب الصيني الإيراني لا يعني بالضرورة تأييد الصين لكل تحركات الحوثيين.
والصين، التي ترتبط بمصالح اقتصادية وتجارية واسعة، تريد قبل كل شيء ألا تتحول منطقة البحر الأحمر إلى ساحة تؤدي إلى إغلاق طرق التجارة.
وقد أجرت بكين في عام 2026 اتصالات مباشرة مع الحوثيين بهدف ضمان مرور الناقلات المرتبطة بالصين بأمان في البحر الأحمر. وهذا يعكس أولوية المصالح الاقتصادية والتجارية في المقاربة الصينية.
يرى الكاتب أنّ إيران ستكون أكثر حساسية تجاه احتمال انضمام تركيا إلى منظومة أمنية وعسكرية تتمحور حول السعودية.
ومن هنا يمكن أن تجد تركيا مساحة دبلوماسية مهمة؛ فَالدور التركي الذي يركز على أمن الملاحة والحفاظ على التجارة، وتقديم المساعدات والدفع نحو الحل السياسي سيكون أقل استفزازاً لطهران.
في الوقت نفسه يمكن أن تنظر إليه الصين بوصفه إسهاماً في حماية التجارة البحرية.
لكنّ الصورة ستتغير إذا انتقلت تركيا إلى حرب برية مباشرة. ففي هذه الحالة قد تنظر إيران إلى الدور التركي بوصفه تحركاً ضد نفوذها الإقليمي، بينما ستشعر الصين بالقلق من أن يؤدي التصعيد إلى مزيد من الاضطراب في طرق التجارة والطاقة.
ولا يمكن فصل روسيا عن هذه المعادلة. فموسكو تمتلك علاقات إستراتيجية مع إيران، لكنها لا تتحرك بالضرورة وفق حسابات طهران وحدها.
ولِروسيا حساباتها الخاصة المرتبطة بتوازن القوى في الشرق الأوسط، وموقع الولايات المتحدة، وبمصالحها الاقتصادية والإستراتيجية.
من هذا المنظور، قد لا ترغب موسكو في أن يؤدي التدخل التركي إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي والغربي في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً منفلتة تضر بمصالحها الاقتصادية والإستراتيجية أيضاً.
بالتالي، فإن مواقف إيران والصين وروسيا، رغم اختلافها، يمكن أن تخلق مجالاً للحركة أمام تركيا.
فلكل طرف دوافعه الخاصة، لكن لا يبدو أن أيّاً منها يفضل توسع حرب إقليمية جديدة تهدد الاستقرار وطرق التجارة.

حدود تحالف مكة
إنّ أهمية تركيا في هذه المعادلة تظهر من خلال قدرتها على التواصل مع أطراف متعددة في الوقت نفسه. فهي تستطيع التحدث مع السعودية، والحفاظ على قنوات مع إيران، ومواصلة علاقاتها مع روسيا، وتطوير علاقاتها الاقتصادية مع الصين.
وهذه القدرة على التواصل مع مراكز قوى مختلفة قد تكون أكثر قيمة من مجرد امتلاك القدرة على إرسال قوات عسكرية.
فَالدخول في تحالف عسكري واسع سيؤدي إلى تضييق هامش الحركة التركي. وبمجرد أن تصبح أنقرة طرفاً عسكرياً مباشراً في الحرب، سيكون من الصعب عليها الحفاظ على المسافة نفسها مع الأطراف الأخرى.
أما إذا اختارت الدبلوماسية والأمن البحري والمساعدات والحل السياسي، فإنها تستطيع الحفاظ على قنوات اتصال أوسع، وربما تحويل هذه القنوات إلى مصدر نفوذ.
ولفت الكاتب النظر إلى أنّ هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة؛ وذلك لأن اليمن ليس مجرد مواجهة بين الحوثيين والسعودية، بل ساحةً تتداخل فيها عوامل إقليمية واقتصادية ودولية. ومن الخطأ اختزال القضية في بعدها الأمني فقط.
فإنّ الموقع الجغرافي لليمن، وباب المندب، وطرق الطاقة والتجارة، تجعل الصراع مرتبطاً بحركة الاقتصاد العالمي.
من هذا المنظور، فإن أي اضطراب في البحر الأحمر يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في أسعار الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد.
لذلك، فإن اليمن بالنسبة إلى تركيا ليست قضية سياسة خارجية فحسب، بل قضية تتصل أيضاً بالتجارة والطاقة والأمن القومي.
واستدرك الكاتب أن تعزيز العلاقات التركية السعودية لا يمثل مشكلة بحد ذاته، كما أن إدانة أنقرة للهجمات الحوثية على السعودية ودعم سيادتها ووحدة أراضيها ينسجمان مع موقفها الدبلوماسي.
لكنّ المسألة الأساسية تكمن في الحفاظ على الفارق بين دعم أمن السعودية وبين التحول إلى طرف عسكري مباشر في الحرب اليمنية.
فبإمكان تركيا دعم أمن السعودية من الناحية السياسية، والمساهمة في أمن الملاحة في البحر الأحمر، وإدانة الهجمات الحوثية، في الوقت نفسه يمكنها الحفاظ على قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.

وهذا هو جوهر الدبلوماسية؛ وهو ألّا تقتصر قنوات الاتصال على الحلفاء، بل تشمل أيضاً الأطراف المقابلة.
من هنا، فإن الخيار الأكثر ملاءمة للمصالح التركية قد يكون توسيع حضورها الدبلوماسي بدلاً من الانخراط المباشر في حرب برية.
فإنّ تركيا تستطيع أن تستخدم قدرتها العسكرية كعنصر ردع، لكنها ليست مضطرة إلى جعل القوة العسكرية أداتها الأولى في التعامل مع اليمن.
وتابع الكاتب بأنّ الاختبار الحقيقي لتركيا لا يتعلّق بما ستفعله في اليمن فقط، بل بالموقع الذي تريد أن تحتله في النظام الإقليمي الجديد.
فهل ستكون جزءاً من منظومة أمنية عسكرية تتمحور حول الولايات المتحدة ودول الخليج، أم سَتسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران والصين وروسيا والسعودية في آن واحد، وتتصرف باعتبارها قوة إقليمية مستقلة؟
ويرى الكاتب أن الخيار الثاني يمنح أنقرة مساحة أكبر للمناورة. فَمخاوف إيران من توسع الدور العسكري التركي، وحرص الصين على استمرار طرق التجارة، وحساسية روسيا تجاه توازن القوى، إلى جانب حاجة السعودية إلى حماية أمنها، كلها عوامل يمكن لتركيا أن تتعامل معها دبلوماسياً.
وبذلك، قد تكون القوة التركية الحقيقية في اليمن ليست في عدد الجنود الذين يمكن إرسالهم، بل في قدرة أنقرة على أن تكون طرفاً يرغب الجميع في الحديث معه.
فإذا استخدمت تركيا هذا المجال من أجل الحرب، ستصبح جزءاً من الصراع. أما إذا استخدمته من أجل الدبلوماسية والأمن البحري والحل السياسي، فقد تتحول إلى لاعب مؤثر في إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية.
لهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل ستدخل تركيا اليمن؟
بل: هل ستصبح جزءاً من حرب جديدة، أم ستتمكن من بناء دور مستقل يجعلها قادرة على التأثير في مستقبل اليمن والبحر الأحمر دون أن تفقد قنواتها مع مختلف القوى؟ إن نجاح أنقرة في تحقيق هذا التوازن قد يكون أهم من أي تدخل عسكري مباشر.

















