من إريتريا إلى الصومال.. كيف تعزز القاهرة نفوذها البحري في القرن الإفريقي؟

"مذكرة التعاون تعيد رسم حسابات القرن الإفريقي"
تسعى القاهرة إلى تعزيز حضورها البحري في القرن الإفريقي عبر توسيع شراكاتها مع إريتريا والصومال، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي على البحر الأحمر، في خطوة تأتي وسط تصاعد التنافس الإقليمي حول الموانئ والممرات البحرية الحيوية.
ووافق مجلس الوزراء الصومالي في التاسع من يوليو/ تموز 2026 على مذكرة تفاهم مع مصر في مجال النقل البحري وتطوير الموانئ.
وتنص الوثيقة، التي وقعتها كل من وزارة النقل المصرية ووزارة الموانئ والنقل البحري الصومالية، على تعزيز التعاون في تحديث البنية التحتية للموانئ، وتبادل الخبرات الفنية، ورفع معايير النقل البحري.
موقف حازم
ويأتي هذا القرار في أعقاب محادثات بين وزير الموانئ والنقل البحري الصومالي، عبد القادر محمد نور، ووزير النقل المصري كامل الوزير خلال القمة البحرية الخامسة لتركيا في إسطنبول يومي 2 و3 يوليو؛ حيث ناقش الجانبان توسيع نطاق الربط البحري والتعاون في مجال الموانئ.
ووصف وزير الموانئ والنقل البحري الصومالي محمد نور الاتفاق بأنه "خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الثنائي في القطاع البحري".
وأضاف أن الاتفاق "يعزز التعاون الدولي في مجال النقل البحري والموانئ، ويدعم الأولويات الإستراتيجية، ويساند الخطة الوطنية للتحول في الصومال".
وترى وكالة أنباء "رياليست" الروسية أن مذكرة التفاهم الجديدة "جاءت نتيجة مباشرة لتصاعد التوتر في منطقة القرن الإفريقي".
وتابعت: "ففي يناير/ كانون الثاني 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، الكيان غير المعترف به دوليا والمنفصل عن الصومال، تقضي باستئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترا لإنشاء قاعدة بحرية وميناء تجاري".
وفي هذا السياق، ذكرت الوكالة أن "رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وصف الوصول إلى البحر الأحمر بأنه (مسألة وجودية) بالنسبة لبلاده، التي أصبحت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، غير أن مقديشو اعتبرت الاتفاق انتهاكا لسيادتها".
من جانبها، "اتخذت القاهرة موقفا حازما دعما لوحدة أراضي الصومال، وقال عبد الفتاح السيسي: (لن نسمح لأي طرف بتهديد الصومال أو المساس بأراضيه. فالصومال دولة عربية وعضو في جامعة الدول العربية، ومن حقه الاستفادة من آليات الدفاع الجماعي)".

تحالف ثلاثي
انطلاقا من ذلك، تقدر الوكالة أن "مذكرة التفاهم مع الصومال تمثل امتدادا طبيعيا لإستراتيجية أوسع تنتهجها القاهرة في منطقة القرن الإفريقي".
وأردفت: "فقبل شهرين، وتحديدا في 16 مايو/ أيار 2026، وقعت مصر وإريتريا اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري خلال الزيارة الرسمية التي أجراها إلى العاصمة أسمرة وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير، بحسب ما أعلنته الخارجية المصرية".
وأوضحت الوزارة أن الاتفاقية تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين، ودعم التجارة والاستثمارات، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري.
وأكد ممثلو البلدين أن الوثيقة تعكس رغبتهما في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد، والاستفادة بصورة فعالة من الموقع الإستراتيجي الذي تتمتع به مصر وإريتريا على ساحل البحر الأحمر.
وترى الوكالة أن "هذا التعاون الثلاثي يأتي تنفيذا لمخرجات قمة أكتوبر/ تشرين الأول 2024، والتي جمعت قادة مصر وإريتريا والصومال في أسمرة، واتفق خلالها الأطراف على تعزيز التعاون في حماية الحدود واحترام سيادة الدول".
وبحسبها، "شمل التنسيق اللاحق بين العواصم الثلاثة مشاورات أمنية موسعة، وتعاونا عسكريا في إطار بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)، ومبادرات تدريب مشتركة، واستمرار المشاركة الدبلوماسية".
وكشف التقرير أنه "بحسب مصادر، تناقش مصر أيضا مع السعودية والصومال إنشاء تحالف عسكري ثلاثي لتعزيز الأمن في البحر الأحمر".
ومن ثم، تجدر الإشارة إلى أنه "في نفس اليوم الذي تمت فيه الموافقة على الاتفاقية البحرية بين القاهرة ومقديشو، أجرى وزير الخارجية والتعاون الدولي الصومالي، عبد السلام عبدي علي ضائي، محادثة هاتفية مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان".
وبحسب وزارة الخارجية الصومالية، ناقش الوزراء تعزيز العلاقات الثنائية وشددوا على حماية طرق الشحن الدولية وضمان حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب وخليج عدن، وهما ممران مائيان يحملان حصة كبيرة من التجارة البحرية العالمية.
بالنسبة لمصر، ترى الوكالة أن "هذه الاتفاقات تعكس إستراتيجية مصر الأوسع لتوسيع شراكاتها البحرية على امتداد أحد أكثر الممرات الملاحية أهمية على مستوى العالم".
وقد أثارت هذه التحركات ردود فعل إثيوبية، وقالت الوكالة: "ردت أديس أبابا بالفعل على تحركات القاهرة، ففي مايو/ أيار 2026، اتهمت وزارة الخارجية مصر بانتهاج سياسة (التطويق) الهادفة إلى إضعاف موقع إثيوبيا، بعدما أعلنت الأخيرة أن الحصول على منفذ بحري يمثل أولوية وطنية".

آفاق اقتصادية
من جهة الصومال، يعتقد التقرير أن الاتفاق "يفتح أمام مقديشو المجال للاستفادة من الخبرة المصرية والاستثمارات في تطوير البنية التحتية للموانئ".
وأضاف: "تمتلك البلاد أطول ساحل في إفريقيا القارية، إذ يتجاوز طوله 3300 كيلومتر، بينما تسعى الحكومة إلى تحديث الموانئ، وتحسين إدارتها، وجذب الاستثمارات إلى (الاقتصاد الأزرق)".
ويشير مفهوم "الاقتصاد الأزرق" إلى الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحار والسواحل، والتي تقوم على استغلال الموارد البحرية بصورة مستدامة لتحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على البيئة البحرية.
وفي الحالة الصومالية، يشمل ذلك تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، وتعزيز النقل البحري، وتنمية قطاع الصيد والصناعات المرتبطة به، إلى جانب جذب الاستثمارات إلى المشروعات البحرية والاستفادة من الموقع الإستراتيجي للبلاد على المحيط الهندي وخليج عدن.
ولا يقتصر التقارب بين مقديشو والقاهرة على الجانب الاقتصادي، فوفق الوكالة "سبق أن وقع رئيسا مصر والصومال، في أغسطس/ آب 2024، بروتوكولا للتعاون العسكري".
وتابعت: "وفي يوليو من نفس العام، اُفتتح المبنى الجديد للسفارة المصرية في مقديشو، كما جرى تدشين خط طيران مباشر بين القاهرة والعاصمة الصومالية، في خطوات تعكس الطابع المنهجي للتقارب بين البلدين".
في المحصلة، شدد التقرير على أن "مذكرة التعاون البحري بين مصر والصومال تعد حلقة جديدة في سلسلة المناورات الدبلوماسية في القرن الإفريقي، إذ تعمل القاهرة على تعزيز موقعها في البحر الأحمر عبر بناء تحالف مع إريتريا والصومال في مواجهة الطموحات الإثيوبية".
وبالنسبة للصومال، "يمثل الاتفاق وسيلة لتعزيز مكانتها في المنطقة، وجذب الاستثمارات، وتحديث البنية التحتية للموانئ"، وفقا له.
واختتمت الوكالة حديثها قائلة: "تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين النفوذ، حيث أصبحت الممرات البحرية وإمكانية الوصول إلى الموانئ من أبرز أدوات التنافس الجيوسياسي".


















