منح كاملة وتأشيرات مرفوضة.. كيف تعطل أوروبا وإسرائيل سفر طلاب غزة؟

التأخير قد يعني خسارة فصل أو عام كامل أو انتهاء التمويل الذي التزمت به الجامعة
خلال نحو 3 سنوات من العدوان الإسرائيلي، نجح عشرات الطلاب في قطاع غزة في الحصول على منح وقبولات من جامعات أوروبية، لكن الطريق إلى مقاعدهم توقف عند أبواب أخرى.
رُفضت تأشيرات بعضهم رغم أن منحهم تغطي الرسوم والسكن والمعيشة، وسط شروط تتعلق بالمال والسجل الدراسي والوظيفي والوثائق و"نية العودة"، فيما بقي آخرون داخل غزة بعد تجاوز إجراءات التأشيرة، ينتظرون موافقات الخروج من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

طلاب عالقون
قبل عام واحد فقط، أثبتت أيرلندا قدرتها على نقل طلاب غزة إلى جامعاتها، ففي 28 أغسطس/آب 2025 أعلنت وزارة الخارجية الأيرلندية وصول أول دفعة ضمن مجموعة من 52 فلسطينيًا من غزة يحملون منحًا من مؤسسات تعليمية أيرلندية.
وجاء ذلك بعد عملية نسقتها بعثاتها الدبلوماسية مع سلطات الاحتلال ودول العبور. وفي سبتمبر/أيلول رتبت الوزارة خروج 15 طالبًا إضافيًا يحملون تأشيرات دراسة طويلة الأجل.
مع اقتراب العام الدراسي الجديد، أصبح رفض التأشيرة عقبة أمام عدد من أصحاب المنح، ففي تحقيق بثته هيئة الإذاعة الأيرلندية في 14 أغسطس، قالت روني غرينوود أستاذة علم النفس بجامعة ليمريك: إن 9 من أصل 11 طالبًا من غزة حصلوا على منح كاملة رُفضت طلباتهم، فيما كان طالبان ينتظران القرار.
وفي جامعة كلية دبلن، تلقى عشرة طلاب غزيين من أصحاب المنح قرارات رفض. وفي 24 أغسطس، كتبت إيما ستوكس، نائبة رئيس كلية ترينيتي دبلن لشؤون المشاركة العالمية، في صحيفة "آيرش تايمز" الأيرلندية أن لدى الجامعات 61 طلبًا لطلاب موجودين في غزة، رُفض منها 52.
وتظهر بيانات وزارة العدل الأيرلندية حجمًا أوسع لقرارات العام؛ إذ سجلت حتى 21 أغسطس 130 طلب تأشيرة دراسة طويلة الأجل قدمها فلسطينيون خلال 2026، وأصدرت 39 تأشيرة وسجلت 103 قرارات رفض.
وأوضحت الوزارة أن بعض القرارات تخص طلبات قدمت في سنوات سابقة، فيما تشمل أرقامها فلسطينيين من غزة والضفة الغربية، خلافًا لحصيلة الجامعات التي تتبع طلابًا موجودين داخل القطاع.
وخارج أيرلندا، ظل 13 طالبًا وباحثًا فلسطينيًا من أصحاب المنح عالقين في غزة رغم قبولهم في جامعات بلجيكية حتى 3 سبتمبر، وفق صحيفة "بروكسل تايمز" البلجيكية.
ومن بينهم عصام أبو عمرو، 26 عامًا، الذي حصل في يونيو/حزيران 2025 على منحة "VLIR-UOS" لدراسة ماجستير الإدارة المستدامة للأراضي في جامعة غنت، لكن تعذر سفره دفع الجامعة إلى تأجيل المنحة عامًا كاملًا.
وقال أبو عمرو للصحيفة في 3 سبتمبر: إن العام الدراسي الجديد بدأ وهو يواجه المشكلة نفسها من دون أن يعرف إن كان تأجيل ثانٍ ممكنًا.
وكان قد بدأ قبل العدوان دراسة ماجستير في هندسة المياه داخل غزة، ثم تعطلت دراسته مع تدمير المنشآت الجامعية وانقطاع الكهرباء والإنترنت، ويأمل أن يوظف تخصصه لاحقًا في إعادة بناء الآبار ومحطات التحلية وشبكات المياه التي دمرها الاحتلال.
وتكرر الانتظار في إيطاليا من زاوية أخرى، إذ كانت الحكومة قد نجحت في نقل مئات الطلاب، لكن نحو 50 من أصحاب المنح ظلوا داخل غزة في أغسطس 2026 بحسب الجهات التي تتابع ملفاتهم، بعدما توقفت عمليات الإجلاء الجديدة منذ مطلع يونيو.
ومع اقتراب مواعيد الدراسة، يمكن أن يعني التأخير خسارة فصل أو عام كامل، أو انتهاء التمويل الذي التزمت به الجامعة قبل أن يتمكن صاحبه من مغادرة القطاع.
ومنذ سيطرة جيش الاحتلال على الجانب الفلسطيني من معبر رفح في 7 مايو/أيار 2024، فقد المعبر دوره كمنفذ اعتيادي للسفر من غزة إلى مصر.
أعيد تشغيل المعبر خلال 2026 بصورة محدودة ومتقطعة ولأعداد مقيدة، خصوصًا في عمليات الإجلاء الطبي وعودة الفلسطينيين، فيما اتخذت عمليات إخراج طلاب نظمتها حكومات أوروبية مسارًا آخر عبر كرم أبو سالم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، ثم جسر اللنبي إلى الأردن ومنه إلى المطارات.

شروط التأشيرة
في أيرلندا، تحدد دائرة خدمات الهجرة الأيرلندية، التابعة لوزارة العدل، متطلبات مالية مفصلة لطالب الدراسة الطويلة، بينها إثبات الوصول إلى عشرة آلاف يورو للسنة الأكاديمية الأولى والقدرة على توفير مبلغ مماثل للسنوات اللاحقة.
كما تطلب كشف حساب يغطي الأشهر الستة السابقة وتفسير الإيداعات وتوثيق المستندات المصرفية وفق الشروط المحددة.
ويمتد الملف إلى المسار الدراسي والوظيفي؛ إذ تطلب الإرشادات شرح الفترات التي انقطع فيها الطالب عن التعليم، وتقديم تاريخه الوظيفي والشهادات الأكاديمية وإثبات مستوى اللغة ووثائق أصلية أو موثقة، إلى جانب بيان خطته بعد الدراسة وتعهد بالمغادرة.
وتكتسب هذه الشروط وزنًا مختلفًا في قطاع غزة بعد أن دمر العدوان الذي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، المؤسسات التي تصدر كثيرًا من تلك الأوراق وتحفظها.
وفي تقييم نشرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كان 195 مبنى جامعيًا من أصل 206 جرى تقييمها قد دمر أو أصيب بأضرار شديدة، إلى جانب نحو 120 ألف حاسوب و105 خوادم جامعية.
وتظهر آثار هذا الدمار في ملفات الطلاب على شكل انقطاع في الدراسة أو نقص في الأوراق والسجلات التي تطلبها سلطات الهجرة.
أحمد أبو حسن (22 عامًا)، كان يدرس علوم الحاسوب عندما دمرت جامعته في 2023، وقد استعار حاسوبًا من أحد أقاربه وواصل الدراسة عبر الإنترنت من داخل خيمة، وسط البحث عن الكهرباء والاتصال.
قال لصحيفة "آيرش تايمز" في 17 أغسطس 2026: إنه حصل على منحة كاملة من جامعة كلية دبلن تغطي الرسوم والسكن وعشرة آلاف يورو سنويًا للمعيشة.
لكنه جرى رفض تأشيرته مع وضع ملاحظات على التمويل واللغة والوثائق وروابط العودة، رغم أن الجامعة أكدت تغطية تكاليفه واستيفاءه متطلبات الإنجليزية.
وبعد الرفض، احتاج أبو حسن إلى تقديم استئناف خلال شهرين، واضطرت منظمة حقوقية أيرلندية إلى إيصال أوراقه داخل أيرلندا بسبب تعطل البريد في غزة، فيما يهدد تأخر القرار فرصته في اللحاق بأي عملية خروج للطلاب.
وتبرز قضية "زينب عيد" جانب الوثائق ونية العودة، فهذه الشابة البالغة 30 عامًا، أخصائية علاج طبيعي عملت سابقًا لدى منظمة أطباء بلا حدود، وحصلت على منحة لدراسة ماجستير الصحة العامة في جامعة كلية كورك.
تلقت “عيد” قرار رفض في أغسطس 2026 بينما كانت تعيش في خيمة مع زوجها محمد وابنهما كريم. ونقلت صحيفة "آيرش إكزامينر" الأيرلندية في 13 أغسطس أن القرار أشار إلى قصور في إثبات التاريخ الدراسي والوظيفي والوثائق الأصلية والروابط التي تدعم عودتها.
بعد يومين، قالت المحامية ألانا فولكنر من مكتب “فينيكس لو” الذي يمثل عدة طلاب: إن سلطات الهجرة تطلب وثائق أصلية من أشخاص دمرت مصارفهم وجامعاتهم ومؤسسات عملهم، فيما كانت زينب تجمع أجزاء من تاريخها المهني من رسائل إلكترونية ونسخ احتفظت بها خلال النزوح.
وامتدت العراقيل إلى أكاديميين حصلوا على فرص عمل خارج القطاع، إذ يقول محمد عمر لـ"الاستقلال" إنه حصل على قبول من جامعة برشلونة للعمل في تدريس الصحافة والإعلام ضمن عقد مدته 9 أشهر، قبل أن ترفض السلطات الإسبانية طلب استقدامه.
ويقول عمر: “رفعت الجامعة طلبًا إلى الحكومة الإسبانية للموافقة على استقدامي للتدريس، لكنه قوبل بالرفض”. مرجحًا أن يكون التخوف من عدم عودته إلى غزة أحد أسباب القرار.

الاحتلال يتحكم بالخروج
بعد حسم التأشيرة أو الوصول إلى مرحلة متقدمة منها، ينتقل الطالب إلى عقبة ترتبط بالقدرة على مغادرة قطاع غزة بفعل إغلاق المعابر التي تسيطر عليها قوات الاحتلال وتقييد عملها.
ويحتاج الخروج في المسارات الأوروبية التي أنشئت خلال العدوان إلى تنسيق حكومي وإدراج اسم الطالب على قائمة تحتاج إلى موافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل مغادرة القطاع.
في بريطانيا، ظهرت المشكلة بوضوح في صيف 2025؛ إذ كان مركز طلبات التأشيرة داخل غزة مغلقًا، بينما تشترط الإجراءات حضور الطالب إلى مركز معتمد لتسجيل بصمات أصابعه والتقاط صورته قبل إصدار التأشيرة.
وكان أكثر من 80 فلسطينيًا يحملون عروضًا من جامعات بريطانية، بينهم نحو 40 صاحب منحة كاملة، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مركز خارج القطاع من دون الحصول أولًا على فرصة لمغادرة غزة.
وبعد ضغط من الجامعات وأعضاء في البرلمان، وضعت وزارة الداخلية البريطانية مسارًا يسمح بإجراء الفحوص الأمنية أولًا، ثم تسجيل بصمات الطالب والتقاط صورته في بلد ثالث قبل إصدار القرار النهائي بشأن التأشيرة.
وفي 22 سبتمبر 2025 وصل 34 طالبًا من أصحاب المنح الكاملة إلى لندن ومانشستر بعد خروجهم عبر الأردن، ثم وسعت الحكومة لاحقًا آلية التعامل مع بعض أفراد أسر الطلاب بعدما كان السفر يفرض على بعضهم ترك الزوج أو الأطفال في غزة.
وفي 2026 أبقت الحكومة البريطانية المسار الخاص بأصحاب المنح الكاملة الموثقة، واشترطت أن تغطي المنحة الرسوم ومصاريف المعيشة وأن يستوفي الطالب قواعد الهجرة.
وتقول الإرشادات الحكومية: إن لندن تستطيع دعم ترتيبات المغادرة والتنسيق بشأنها، بينما يبقى خروج الطالب من غزة مرتبطًا بموافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي وترتيبات العبور مع الدول المعنية.
أما إيطاليا فأنشأت "ممرات جامعية" ضمن مبادرة الجامعات الإيطالية للطلاب الفلسطينيين، وبدأت سفاراتها في “تل أبيب” وعمان وقنصليتها في القدس تنسيق قوائم الطلاب وتصاريح مرورهم. وبين سبتمبر وديسمبر/كانون الأول 2025 خرج 157 طالبًا في 4 عمليات نظمتها روما بالتعاون مع الجامعات.
واستمرت العمليات في 2026، فغادر 72 طالبًا غزة عبر كرم أبو سالم في 11 مايو ثم انتقلوا إلى الأردن، وتبعهم 17 آخرون في الأول من يونيو.
وبحلول يونيو 2026، قالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية: إن 246 من أصحاب المنح وصلوا إلى إيطاليا وسان مارينو منذ سبتمبر 2025، قبل أن تتوقف العمليات مجددًا.
وفي أغسطس، قدرت الجهات التي تساعد الطلاب بقاء نحو 50 شخصًا مستوفين للشروط داخل غزة. وقالت الخارجية الإيطالية: إن استئناف عمليات الإجلاء يرتبط بتصاريح السلطات الإسرائيلية والأردنية.
في بلجيكا، أوضح المركز الفيدرالي للهجرة “ميريا” في 15 يوليو/تموز 2026 أن طلب تأشيرة الدراسة يتطلب في الأصل حضور المتقدم إلى بعثة دبلوماسية، بينما لا توجد بعثة بلجيكية داخل غزة يمكن للطلاب إيداع ملفاتهم لديها، ولا يشمل التقديم عن بعد المتاح لبعض حالات لم الشمل تأشيرات الدراسة.
وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو أمام البرلمان: إن منح التأشيرة يسمح لصاحبها بالإقامة في بلجيكا، أما إخراجه من غزة فيحتاج إلى قرار حكومي وترتيب مستقل.
وحتى 3 سبتمبر، بقي 13 طالبًا وباحثًا من أصحاب المنح داخل القطاع، في وضع يفرض عليهم الوصول إلى الخارج لاستكمال الإجراءات، بينما يحتاج وصولهم إلى الخارج أصلًا إلى تدخل حكومي وموافقة الاحتلال على المغادرة.
وفي فرنسا، أوقفت الحكومة عمليات إخراج الطلاب والباحثين في أغسطس 2025 بعد قضية طالبة نُسبت إليها منشورات صنفت بأنها "معادية للسامية"، ثم استأنفتها لاحقًا مع تدقيق أمني أشد. وفي أكتوبر نُقل نحو 20 طالبًا وفنانًا عبر كرم أبو سالم إلى جسر اللنبي ثم الأردن، قبل توجههم إلى فرنسا.
وأفادت صحيفة "لوموند" الفرنسية، استنادًا إلى مصادر دبلوماسية تابعت العمليات، بأن سلطات الاحتلال شطبت في بعض الحالات أسماء من قوائم قدمتها السفارات بعد الفحص الأمني، فيما فرض الأردن شروطًا تتعلق بالعبور والوجهة.
وفي أواخر أغسطس 2026 تحرك المسار الفرنسي مجددًا، وأفادت "بروكسل تايمز" في 3 سبتمبر بخروج 44 طالبًا وباحثًا خلال الأسبوع السابق.
وتظهر هذه المسارات حدود ما تستطيع الجامعة فعله بعد إصدار القبول والمنحة؛ إذ تنتقل القرارات بعد ذلك إلى سلطات الهجرة والحكومات التي تنظم الإجلاء، ثم يصل الملف إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تملك الموافقة على خروجه من غزة.
المصادر
- How to apply for long term study visa
- Information on Student Finances
- ‘Every day we wait is a gamble for us’: Palestinian students continue to face visa rejections
- The Irish Times – We can and should do better for Gaza students
- Academics criticise visa refusals for Gaza scholarship students
- 'This is the worst day in my life': Gazan woman denied visa to study Masters in UCC
- Tánaiste welcomes imminent arrival of 52 Palestinian young people from Gaza
- UNESCO presents the assessment of damage and reconstruction needs for higher education institutions in Gaza
- Seventy-two young Palestinian university students left Gaza and will study in Italy. The number of young people evacuated from the Gaza Strip since September has risen to 229
- Why Belgium is not evacuating 13 Palestinian scholarship students stuck in Gaza


















