الاتفاق النووي الأميركي السعودي.. كيف يغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

"الاتفاق النووي أثار ردود فعل واسعة داخل إسرائيل"
يثير "الاتفاق النووي المدني” بين الولايات المتحدة والسعودية تساؤلات واسعة حول مستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، في ظل رهانات واشنطن والرياض على التعاون التكنولوجي، ومخاوف إقليمية من تداعياته على سباق الانتشار النووي.
ونشرت وكالة “الأناضول” التركية الرسمية مقالا للكاتب جوكهان إيريلي، تحدّث فيه عن اتفاق التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية، وكيف أنه يمثّل تحولا مهما في معادلات الطاقة والأمن في الشرق الأوسط.
وأفاد الكاتب التركي بأنه “تمّ الإعلان عن موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاتفاق الذي تمتد مدته 30 عاما وتبلغ قيمته عشرات مليارات الدولارات”.
ورأى أن “هذا الاتفاق ليس مجرّد شراكة اقتصادية بين البلدين، بل هو أساس مرحلة جديدة من العلاقات الأميركية-السعودية في مجالات التكنولوجيا النووية والطاقة المتقدمة”.
بالإضافة إلى أنه يمنح واشنطن “فرصة لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويساعد الرياض على تطوير قدراتها وتحقيق أهدافها التنموية والإستراتيجية”.
في الوقت نفسه، قد يسهم الاتفاق في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، فهو يعكس توجها أميركيا واضحا للحد من نفوذ إيران والصين وروسيا في الشرق الأوسط، وفق الكاتب إيريلي.
وهكذا فإن هذا الاتفاق يشير إلى أن واشنطن تسعى لبناء منظومة أمنية جديدة، تعتمد على التكنولوجيا والتعاون الإستراتيجي مع حلفائها، إلى جانب الشراكات العسكرية التقليدية.

شراكة نووية
وأكد الكاتب التركي أن "المشروع النووي السعودي ليس وليد اللحظة، بل هو جزء من إستراتيجية طويلة الأمد، عملت عليها الرياض منذ سنوات بهدف تطوير قدراتها في مجال الطاقة النووية السلمية".
وأوضح أنه “خلال الإدارات الأميركية المتعاقبة، أبدت الرياض رغبة واضحة في إقامة تعاون نووي مع واشنطن، وقد خاض الطرفان مفاوضات مطولة بذلك، غير أن الاضطرابات الإقليمية والانقسامات داخل الولايات المتحدة بشأن العلاقات مع المملكة حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي”.
وأشار الكاتب إلى أن “الاتفاق الحالي يعكس إدراكا أميركيا لأهمية ربط البنية التكنولوجية السعودية بالولايات المتحدة لعقود مقبلة، وذلك بشكل يضمن استمرار الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، ويحول دون انتقال الرياض إلى منافسين دوليين مثل الصين أو روسيا”.
واستطرد: “كما تسعى الولايات المتحدة من خلال الاتفاق إلى تعزيز التوازن الإقليمي في مواجهة إيران؛ حيث يأتي ذلك بالتزامن مع توسع التعاون الأميركي مع دول الخليج في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة”.
ومن هذا المنطلق، يُعَدّ التعاون النووي خطوة جديدة تستكمل مسار الشراكة التكنولوجية بين الجانبين.
في المقابل، ينسجم الاتفاق مع رؤية السعودية لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، وذلك عبر الاستثمار في مصادر الطاقة الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، بشكل يدعم أهدافها التنموية بعيدة المدى ويعزز مكانتها الاقتصادية والإقليمية.
وقال إيريلي: إن “هذا المسار يعكس تحولا أوسع في منطقة الخليج، التي لم تعد تركز فقط على إنتاج النفط والغاز، بل تسعى أيضا للتحول إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والطاقة النظيفة، فهي تستفيد اليوم من علاقاتها الوثيقة مع واشنطن وقدرتها على استقطاب التقنيات المتقدمة”.
واستدرك: “رغم أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ النهائي ولم تُحسم جميع تفاصيله، إلا أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن الشركات الأميركية ستتولى الدور الرئيس في إنشاء البنية التحتية النووية السعودية، بما يضمن بقاء البرنامج تحت إشراف تقني أميركي مباشر”.
ويتمثل أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل في احتمال السماح للشركات الأميركية، إذا خلصت التقييمات المشتركة إلى ضرورة ذلك، بإنشاء منشآت لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية.
وتعد إدارة ترامب أن وجود الشركات الأميركية داخل البرنامج النووي يوفر مستوى أعلى من الرقابة، ويمنع إساءة استخدام التكنولوجيا لأغراض عسكرية، وذلك لأن المشاركة المباشرة تمنح واشنطن قدرة أكبر على متابعة البرنامج من الداخل مقارنة بالرقابة الخارجية أو العقوبات.

القلق الإسرائيلي
ولفت الكاتب النظر إلى أن هذا الاتفاق النووي أثار ردود فعل واسعة داخل إسرائيل، والتي تعده تحولا يمس التوازنات الأمنية في المنطقة ويحد من قدرتها على التأثير في القرارات الأميركية.
كما رأت الأوساط الإسرائيلية أن واشنطن ارتكبت خطأ عندما لم تربط نقل التكنولوجيا النووية إلى السعودية بإحراز تقدم في مسار التطبيع، وهو ما يعني، من وجهة نظرها، خسارة إحدى أهم أوراق الضغط التي كانت تمتلكها.
وأضاف أن مسؤولين إسرائيليين أبدَوا اعتراضهم على احتمال السماح بتخصيب اليورانيوم داخل السعودية؛ حيث رأوا أن هذه الخطوة قد تشكل تهديدا مستقبليا للأمن القومي الإسرائيلي.
من جهة أخرى، عكست التغطية الإعلامية العبرية حجم القلق من تراجع النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، وشبهت هذا الجدل بالنقاشات التي صاحبت احتمال بيع مقاتلات "إف-35" لتركيا.
وأشار الكاتب إلى أن الاتفاق يحمل رسائل مباشرة إلى إيران، إذ إن منح السعودية حق تخصيب اليورانيوم قد يُفسر في طهران على أنه ازدواجية في المعايير، خاصة في ظل استمرار الضغوط الأميركية على البرنامج النووي الإيراني.
وقد يدفع ذلك إيران إلى تسريع برنامجها النووي، فقد أصبح بهذا ضرورة لتحقيق التوازن مع منافسيها الإقليميين، وهو أمر يزيد من تعقيد الصراع القائم بين الجانبين، ويجعل معالجة جذوره أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.
وأوضح إيريلي أن “الاتفاق حاليا بانتظار عرضه على الكونغرس الأميركي لاستكمال إجراءات المصادقة، إلا أن تداعياته الإقليمية تبدو أكثر أهمية من مساره القانوني”.
وأضاف “فالسماح للسعودية بخيار تخصيب اليورانيوم قد يطلق سلسلة من المطالب الإقليمية المشابهة، خصوصا أن الإمارات كانت قد وقعت سابقا اتفاقا نوويا مع الولايات المتحدة لكنها تخلت طوعا عن هذا الحق”.
وشدد على أنه “في حال حصول السعودية على استثناء يسمح لها بالتخصيب، فمن المرجح أن تطالب دول أخرى تمتلك طموحات إقليمية، مثل مصر وتركيا، بالحصول على امتيازات مماثلة حتى لا تجد نفسها خارج معادلة الردع والتوازن الإستراتيجي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انطلاق سباق نووي غير مسبوق في الشرق الأوسط”.
وختم الكاتب مقاله قائلا: "يبدو أن الولايات المتحدة تراهن على تحقيق أهداف متعددة في آن واحد؛ فهي تسعى إلى تأمين عقود اقتصادية ضخمة للصناعة الأميركية، وتعزيز ارتباط السعودية بالمنظومة التكنولوجية الغربية، والحد من النفوذ الإيراني والصيني والروسي في المنطقة".
واستدرك: "لكن هذه المكاسب قد تقابلها مخاطر إستراتيجية؛ تتمثل في إطلاق تأثير (الدومينو النووي)، بشكل تتدافع فيه دول الشرق الأوسط إلى السعي لامتلاك برامج نووية متقدمة، وهكذا فإن السيطرة على تداعيات هذا السيناريو ستكون أكثر تعقيدا من تحقيق المكاسب التي دفعته للواجهة".


















