من المستفيد من قصف سفن الغاز بميناء دمياط المصري.. إسرائيل أم إيران؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثار تأخر السلطات المصرية في الإعلان عن حقيقة الهجوم الذي استهدف وحدة تسييل الغاز الأميركية "إنرجس وينتر"، وامتد إلى وحدة التخزين اليونانية "جاسلوج سالم" في ميناء دمياط يوم 29 يوليو/تموز 2026، ثم إقرار مجلس الوزراء في اليوم التالي بأن الحادث نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة، تساؤلات واسعة حول أسباب التأخر في الكشف عن طبيعة الهجوم والجهة التي تقف وراءه.

فقد كانت شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري، إلى جانب شركة "كبلر" المتخصصة في متابعة حركة الملاحة والطاقة، قد كشفتا أن السفينة الأميركية في ميناء دمياط تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى خروجها من الخدمة، قبل أن تمتد النيران إلى السفينة اليونانية المجاورة، وهو ما جعل تفاصيل الحادث معروفة قبل أن تضطر السلطات المصرية إلى تأكيدها رسمياً.

وأرجع محللون مصريون، في تصريحات لصحيفة "الاستقلال"، هذا التأخر إلى عدة أمور.

أولها، الحرج الذي سببته الواقعة للسلطات المصرية؛ إذ جاءت بعد 25 يوماً فقط من افتتاح رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، في 4 يوليو/تموز 2026، مقر "الأوكتاغون" العسكري، الذي رُوِّج له بصفته الحصن الذي سيحمي البلاد من مختلف التهديدات، لا سيما في ظل استعراض منظومات الدفاع الجوي وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيّرة.

أما السبب الثاني، فيرتبط بانشغال القيادة المصرية بإجراء اتصالات مع عدد من الدول التي تمتلك قدرات متقدمة في الرصد بالأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة الإقليمية، في محاولة لتتبع مسار الطائرة المسيّرة وتحديد نقطة انطلاقها والجهة المحتملة المسؤولة عن الهجوم، قبل إصدار أي موقف رسمي أو اتخاذ قرار بشأن طبيعة الرد.

لكن بطء وصول المعلومات إلى جانب خطورة الحادث والضغوط الداخلية المتزايدة بسبب غياب الرواية الرسمية، دفع السلطات إلى الإعلان سريعاً أن الهجوم نُفذ بواسطة طائرة مسيّرة، مع إبقاء الأسئلة الأساسية معلقة، وفي مقدمتها: من أين انطلقت؟ ومن يقف وراءها؟ وكيف سيكون الرد المصري؟

ومع غياب رواية رسمية حاسمة، تعددت الفرضيات التي طرحها خبراء ومحللون وسياسيون، إلى جانب تقديرات إعلامية متباينة، تراوحت بين تحميل المسؤولية لإيران أو حلفائها، أو لإسرائيل وربما أوكرانيا، أو حتى فرضية وجود منفذين من داخل مصر. وذهب بعض المغردين المصريين إلى حد ترجيح أن المسيّرة أُطلقت من أحد أسطح المنازل في مدينة دمياط.

كما رجَّحت تقديرات مصرية أخرى أن الهجوم ربما نُفذ من سفينة في البحر المتوسط، وليس من أراضي دولة بعينها، أو بواسطة عناصر تعمل من داخل مصر، وهو ما ألمح إليه الصحفي المقرب من السلطة أشرف أبو الهول، رداً على سؤال عبر حسابه على "فيسبوك" بشأن غياب منظومات الدفاع الجوي عن التصدي للهجوم.

ورغم تعدد هذه السيناريوهات، ظلت غالبية التقديرات التي تداولها سياسيون ودبلوماسيون وخبراء أمنيون مصريون تدور حول أن إسرائيل هي المستفيد الأول من استهداف ميناء دمياط، انطلاقاً من اعتبارات إستراتيجية وسياسية، أبرزها سعيها ــ وفق تلك التقديرات ــ إلى توسيع دائرة المواجهة مع إيران عبر جرّ دول عربية إلى الانخراط بصورة مباشرة في الصراع، وهو هدف يرى أصحاب هذه القراءة أن الإمارات تشارك إسرائيل في السعي إليه.

من المستفيد؟

فتح الهجوم بالطائرة المسيّرة على ميناء دمياط، والذي استهدف وحدة تخزين الغاز الأميركية "إنرجوس وينتر" وامتدت آثاره إلى السفينة اليونانية "جاسلوج سالم"، باب التساؤلات حول الجهة القادرة على نقل دائرة الحرب إلى الداخل المصري، والدوافع التي قد تجعلها تستفيد من مثل هذا الهجوم.

وبحسب تقديرات عدد من الخبراء والمحللين، فإن استهداف منشآت الطاقة في مصر قد يحقق مجموعة من النتائج التي يمكن أن تساعد في فهم الجهة الأكثر استفادة منه، من بينها توسيع نطاق الحرب ليشمل دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة، وزيادة الضغوط الاقتصادية على مصر في ظل اعتمادها المتزايد على واردات الغاز خلال فترات الذروة، فضلاً عن رفع كلفة تصدير واستيراد الغاز في شرق المتوسط، وإرباك منظومة أمن الطاقة في المنطقة.

لذلك، انصبّ السؤال الرئيس في الأوساط المصرية، عقب تأكيد أن طائرة مسيّرة استهدفت سفن الغاز في ميناء دمياط، على تحديد الجهة المستفيدة من توسيع رقعة الصراع الإقليمي لتشمل مصر، والسيناريوهات المرتبطة بالأهداف التي قد تسعى إلى تحقيقها من وراء هذا التصعيد.

وجاءت هذه التساؤلات في ظل تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ودخول السعودية على خط العمليات العسكرية ضد الفصائل الحليفة لطهران في العراق، إلى جانب محاولات سابقة لجرّ دول أخرى، مثل العراق والبحرين والكويت، إلى أتون المواجهة، عبر هجمات بطائرات مسيّرة نفت إيران مسؤوليتها عنها، واتهمت إسرائيل بالوقوف خلفها.

ويكتسب هذا السؤال أهمية؛ خاصة لأن ميناء دمياط لا يُعد مجرد ميناء تجاري، بل يمثّل أحد أهم مراكز استقبال وإسالة وتصدير الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، كما يضم وحدات عائمة لتخزين الغاز وإعادة "تغييزه"، تعتمد عليها مصر بصورة متزايدة لتعويض تراجع الإنتاج المحلي وتلبية ارتفاع الطلب، لا سيما خلال فصل الصيف.

ومن ثم، فإن استهداف هذا الميناء لا يقتصر تأثيره على الداخل المصري، بل يمتدّ ليهدد أمن الطاقة المصري، ويؤثر في منظومة أمن الطاقة الإقليمي، وسلاسل إمداد الغاز إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح الهجوم أبعاداً تتجاوز الخسائر المباشرة إلى تداعيات جيوسياسية واقتصادية أوسع.

إيران أو حلفاؤها

في سياق الهجوم على ميناء دمياط، يطرح بعض المحللين فرضية وقوف إيران أو أحد حلفائها وراء بصفتها العملية بصفتها أحد السيناريوهات المحتملة. فمن الناحية العسكرية، يندرج استهداف منشآت الغاز ضمن سياسة توسيع ساحات الردّ على الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما إذا كانت المنشآت المستهدفة تضم أصولاً أو مصالح أميركية.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن استهداف سفينة الغاز المملوكة لشركة أميركية داخل ميناء دمياط قد ينسجم مع مصالح إيران في سياق المواجهة الإقليمية، إلا أنه، حتى الآن، لا توجد أدلة معلنة تربط طهران أو أيّاً من حلفائها بصورة مباشرة بالهجوم، كما لم تتبنَّ أي جهة العملية رسمياً، في حين سارعت إيران وجماعة الحوثي إلى نفي المسؤولية عنها.

وفي هذا السياق، حاولت صحيفة "نيويورك تايمز"، في 29 يوليو/تموز 2026، ربط الهجوم بإيران، عندما نقلت عن مصدرين إيرانيين مجهولين – يُرجَّح أنهما من أوساط المعارضة الإيرانية وليس من الحكومة – أن طهران تقف وراء استهداف السفينة الأميركية التي تستأجرها مصر.

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتهما: إن الانفجار نجم عن هجوم بطائرات مسيّرة، ويهدف إلى "إظهار أن إيران قادرة على توسيع نطاق تعطيل حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة إذا قررت تصعيد الصراع".

لكن المصدرين لم يحددا ما إذا كانت إيران نفسها أو إحدى الجماعات المتحالفة معها هي التي نفذت الهجوم، وهو ما أبقى الرواية في إطار التقديرات غير المؤكدة.

وفي تطور آخر، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، في 30 يوليو/تموز 2026، أن التلفزيون الإيراني كان قد أشار، قبل ثلاثة أيام فقط من الهجوم، إلى ميناء دمياط باعتباره هدفاً محتملاً للرد على المصالح الأوكرانية، عقب الهجوم غير المسبوق الذي شنته كييف على سفينة إيرانية في بحر قزوين نهاية الأسبوع السابق.

وقالت الصحيفة إن التلفزيون الإيراني عرض خريطة تضمنت عدداً من الأهداف المحتملة في الشرق الأوسط وخارجه تحت عنوان: "ما هي أهداف انتقام إيران من أوكرانيا؟"، وكان ميناء دمياط من بين المواقع المشار إليها؛ حيث وُصفت منشأة الغاز الطبيعي المسال فيه بأنها تمتلك طاقة إنتاجية سنوية تبلغ 5.2 ملايين طن، وتمثل بوابة رئيسة لتصدير الغاز إلى أوروبا.

في المقابل، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في أول تعليق رسمي من طهران على حادث دمياط، أي مسؤولية لبلاده عن الهجوم.

وكتب عراقجي، باللغتين العربية والإنجليزية، عبر حسابه الرسمي: "مصر تعد صديقاً وشريكاً مهماً في المنطقة، ويشكّل أمنها أهمية قصوى لنا، ويجب علينا جميعاً أن نكون يقظين تجاه المخططات الإسرائيلية وعمليات "العلم الزائف" التي تهدف إلى تقويض السلام الإقليمي"، في إشارة إلى ما عده محاولة إسرائيلية لإلصاق الهجوم بإيران.

كما نفت وزارة الخارجية الإيرانية مسؤولية طهران عن استهداف وحدة التخزين العائمة للغاز في ميناء دمياط، مؤكدة عدم وجود أي نية لتنفيذ مثل هذه العملية.

وقال مصدر في الخارجية الإيرانية، لصحيفة "النهار" اللبنانية، في 30 يوليو/تموز 2026: إن إيران "لم تنفذ هذه العملية إطلاقاً، ولا توجد أي نية لديها للقيام بمثل هذا العمل". مشدداً على أن العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية مصر العربية، وكذلك بين الشعبين الإيراني والمصري، "علاقات راسخة ومتينة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".

وبالتوازي مع النفي الإيراني، نفى أيضاً مصدر مسؤول في وزارة الخارجية التابعة لجماعة الحوثي استهداف الجماعة لأي سفينة في ميناء دمياط، مؤكداً، في تصريح لوكالة "سبأ" التابعة للجماعة، أنه "لا صحة للشائعات بشأن استهداف اليمن للسفينة".

هل فعلتها إسرائيل؟

تتجه غالبية الاتهامات التي يطرحها عدد من المحللين والخبراء نحو إسرائيل، انطلاقاً من فرضية مفادها أن تل أبيب وواشنطن تسعيان، منذ اندلاع المواجهة مع إيران، إلى زيادة الضغوط على طهران عبر توسيع رقعة الصراع، وإشراك دول عربية فيه، بما يؤدي إلى توسيع شبكة الدعم الإقليمي وتوريط أطراف جديدة في الحرب.

وفي هذا السياق، ظهرت تكهنات على منصات التواصل الاجتماعي وبعض الوسائل الإعلامية تربط الهجوم بإسرائيل، استناداً إلى أنها المستفيد الأكبر من توسيع المواجهة الإقليمية، أو من تصعيد الضغوط العسكرية والسياسية على إيران وحلفائها.

وتعزز هذه الفرضية تقارير سابقة تحدثت عن امتلاك إسرائيل قاعدتين سريتين في صحراء الأنبار العراقية، كانت قد كشفت عنهما صحيفتا "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" في مايو/أيار 2026، قبل أن يؤكد مسؤولون عراقيون وجودهما، مشيرين إلى استخدامهما في تنفيذ عمليات ضد إيران.

ومن هنا برزت فرضية مفادها أن إسرائيل ربما نفذت الهجوم على ميناء دمياط انطلاقاً من الأراضي العراقية، أو من موقع قريب، باستخدام أسلوب يوحي بأن إيران تقف وراء العملية، بما يخدم هدفاً يتمثل في جرّ مصر إلى دائرة المواجهة عبر تحميل طهران المسؤولية.

وفي السياق ذاته، يرى خبير اقتصادي مصري – فضل عدم الكشف عن هويته – أن امتلاك مصر عدداً متزايداً من وحدات تغويز الغاز، التي بلغ عددها خمس وحدات حتى الآن، يتعارض مع المصالح الإسرائيلية؛ لأن هذه الوحدات تمنح القاهرة قدرة أكبر على استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، بدلاً من الاعتماد على الغاز الإسرائيلي الذي يصل مباشرة عبر خطوط الأنابيب.

وأوضح الخبير أن مصر تستورد حالياً نحو 75 بالمئة من احتياجاتها من الغاز المستورد عبر الخطوط القادمة من إسرائيل، مضيفاً أن زيادة عدد سفن ووحدات التغويز والتخزين تعني، مستقبلاً، امتلاك القاهرة خيارات أوسع لتأمين احتياجاتها من مصادر متعددة، وهو ما يقلل تدريجياً من اعتمادها على الغاز الإسرائيلي.

وأشار إلى أن وحدات التغويز تقوم باستقبال الغاز الطبيعي المسال المستورد، ثم تحويله إلى حالته الغازية تمهيداً لضخّه في الشبكة القومية، وهو ما يمنح مصر مرونة أكبر في تنويع مصادر الطاقة.

وفي السياق نفسه، قال خبير الطاقة وعضو مجلس النواب عن حزب "العدل"، الدكتور محمد فؤاد، في تدوينة عبر منصة "إكس"، إن وحدات التغويز العاملة في مصر، رغم أنها مستأجرة، تُعد من الأصول الإستراتيجية المرتبطة مباشرة بأمن الطاقة، بل وبالأمن القومي بصورة أشمل.

ورأى فؤاد أن استهداف ميناء دمياط وسفن الغاز بطائرة مسيّرة يمثل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة المصري، ولإحدى أهم البنى التحتية الإستراتيجية في البلاد.

وأضاف أن المستفيد الأول، من الناحية الفنية، من إلحاق الضرر بسفينة التغويز هو إسرائيل، مستبعداً في الوقت نفسه أن تكون إيران أو جماعة الحوثي قد أقدمتا على تنفيذ مثل هذا الهجوم؛ لأن توسيع دائرة الصراع لتشمل دولة بحجم ومكانة مصر لا يخدم مصالحهما، فضلاً عن أن مصر لا تستضيف قواعد عسكرية أميركية.

ويرى أصحاب هذه الفرضية أن للهجوم أهدافاً أخرى تصب أيضاً في مصلحة إسرائيل.

فاستهداف منشآت الغاز في ميناء دمياط بطائرة مسيّرة يفتح، بحسب هذه القراءة، جبهة جديدة محتملة ضمن المواجهة الأمريكية الإيرانية، ويزيد المخاوف بشأن أمن الملاحة في قناة السويس، وهو ما قد يعيد مصر إلى دائرة الضغوط الاقتصادية، خاصة في ظل استمرار هجمات الحوثيين في باب المندب، وما ترتب عليها من تراجع حركة السفن عبر القناة، وفق ما أشارت إليه وكالة "رويترز" في 30 يوليو/تموز 2026.

كما أن استهداف ميناء مصري يقع بالقرب من قناة السويس يسلط الضوء على هشاشة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويبرز مدى تأثر حركة التجارة الدولية بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما أشار إليه خبراء نقلت عنهم صحيفة "نيويورك تايمز" في 30 يوليو/تموز 2026، معتبرين أن اتساع رقعة الصراع قد يؤدي إلى مزيد من الاضطراب في حركة التجارة العالمية.

عملية "العَلَم الكاذب"

طرح عدد من المحللين والإعلاميين فرضية أن يكون الهجوم من نوع "العَلَم الكاذب" (False Flag)، أي تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن طرفاً معيناً يقف وراءها، بهدف دفع خصومه إلى رد فعل معين أو تبرير تصعيد سياسي أو عسكري. واستند أصحاب هذا الطرح إلى ما وصفوه بسوابق لإسرائيل، وأحياناً أوكرانيا، في تنفيذ مثل هذه العمليات، مقدرين أن ذلك يجعل فرضية ارتباطهما بهجوم دمياط مطروحة للنقاش.

وقد أشار إلى هذا الاحتمال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، كما ألمح إليه مصدر في وزارة الخارجية الإيرانية، في تصريحات لصحيفة "النهار" اللبنانية في 30 يوليو/تموز 2026؛ إذ رأى أن "الكيان الصهيوني يمتلك سجلاً طويلاً في تنفيذ عمليات التضليل والحرب النفسية، بما في ذلك ما يُعرف بعمليات العَلَم الكاذب (False Flag)".

وأضاف المصدر: "خلال الأشهر الماضية، انخرطت أوكرانيا أيضاً في هذا النوع من عمليات العَلَم الكاذب، وقد كشف مستشار الأمن القومي العراقي عن نشاط عناصر مرتبطة بأوكرانيا لتنفيذ عمليات تضليل في المنطقة، بالتعاون مع الكيان الصهيوني، بهدف توسيع نطاق الحرب."

ويُستخدم مصطلح "العَلَم الكاذب" في السياسة والعلاقات الدولية والاستخبارات لوصف عملية سرية تنفذها جهة ما، لكنها تتعمد إظهارها وكأنها نُفذت من قبل طرف آخر، بهدف تضليل الرأي العام، أو تبرير رد فعل سياسي أو عسكري أو أمني.

ويعود أصل المصطلح إلى الحروب البحرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما كانت السفن الحربية ترفع أعلام دول أخرى لخداع خصومها قبل الاشتباك، ومن هنا جاءت تسمية "العَلَم الكاذب".

وتعتمد هذه العمليات على إخفاء هوية المنفذ الحقيقي وإلصاق المسؤولية بطرف آخر، عبر وسائل متعددة، من بينها استخدام أسلحة أو معدات مرتبطة بالطرف المراد اتهامه، أو ترك أدلة وشعارات توحي بمسؤوليته، أو تنفيذ الهجوم من منطقة أو بأسلوب ينسجم مع نمط عملياته، إضافة إلى استغلال الغموض الإعلامي أو بطء التحقيقات لتوجيه الاتهامات قبل ظهور النتائج الرسمية.

وتهدف مثل هذه العمليات، وفق الأدبيات الأمنية، إلى تهيئة بيئة تبرر شن حرب أو توسيع نزاع قائم، أو دفع دولة أو جماعة إلى رد فعل يخدم الجهة المنفذة، أو جر أطراف محايدة إلى دائرة الصراع.

ويستشهد أنصار هذه الفرضية بعدد من السوابق التاريخية، أبرزها عملية سوزانا عام 1954، المعروفة لاحقاً باسم "فضيحة لافون"، وهي عملية إسرائيلية سرية نُفذت داخل مصر، استهدفت تفجير منشآت غربية بهدف إلصاق المسؤولية بجهات مصرية، بما يؤدي إلى إفساد العلاقات بين القاهرة والدول الغربية.

كما سبق لإيران أن حذرت السعودية، في 20 مارس/آذار 2026، من أن إسرائيل تخطط لتنفيذ هجوم من نوع "العَلَم الكاذب" يستهدف منشآت شركة أرامكو، بهدف تحميل طهران المسؤولية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا".

ورغم تداول هذه الفرضية على نطاق واسع، فإنها، حتى الآن، تبقى في إطار التحليلات والتقديرات السياسية والإعلامية، من دون صدور أدلة معلنة أو نتائج تحقيقات رسمية تثبت أن هجوم دمياط نُفذ وفق هذا السيناريو.

هل تقف الإمارات خلف الهجوم؟

رُصدت على بعض منصات التواصل الاجتماعي منشورات تربط بين الهجوم والإمارات، مستندة إلى ما تصفه بخلافات اقتصادية ومنافسة في قطاع الطاقة بين أبوظبي والقاهرة.

ويرجح أصحاب هذا الطرح، في إطار تحليل المصالح، وجود تقاطع بين الموقف الإماراتي والإسرائيلي في ما يعدونه مخططًا يهدف إلى جر دول عربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ويرون أن أي اضطراب يطال موانئ أو منشآت الطاقة المنافسة قد يصب في مصلحة مراكز وموانئ أخرى في المنطقة.

ويذهب هؤلاء إلى أن الإمارات تسعى، من خلال دعم هذا التوجه، إلى دفع القاهرة والرياض إلى الاصطفاف ضمن ما يصفونه بـ"الحرب الإبراهيمية"، بما يضع الدول العربية في مواجهة إيران والقوى الحليفة لها في المنطقة.

كما تداولت حسابات إماراتية على منصات التواصل منشورات علقت على الهجوم بعبارات من قبيل: "إيران أوصلت الرسالة"، مرجحة أن تكون طهران قد نفذت العملية لإظهار قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الشحن العالمية إذا اتجهت الولايات المتحدة إلى توسيع الحرب ضدها.

وفي سياق متصل، يربط بعض المحللين فرضية ضلوع الإمارات، بدعم إسرائيلي، بفرضية أخرى تتعلق بإمكانية تكليف قوات الدعم السريع السودانية بتنفيذ مثل هذه العمليات، استنادًا إلى تقارير سابقة تحدثت عن وجود قاعدة عسكرية تابعة للدعم السريع داخل إثيوبيا، قيل إنها مخصصة لتشغيل طائرات مسيّرة يمكن استخدامها في تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل مصر.

ومنذ تصاعد التوتر بين القاهرة وقوات الدعم السريع، وجّه قائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" عدة تصريحات اتهم فيها مصر بدعم الجيش السوداني، ولوّح بأن استمرار هذا الدعم قد يدفع إلى استهداف المصالح المصرية. غير أنه، حتى الآن، لا توجد أي أدلة معلنة تربط قوات الدعم السريع أو الإمارات بالهجوم الذي استهدف ميناء دمياط، لتبقى هذه الفرضيات في إطار التحليلات والتقديرات غير المؤكدة.

ليلة التكهنات والارتباك

شهدت مصر، قبل وبعد إعلان مجلس الوزراء أن طائرة مسيّرة كانت وراء الانفجار والحريق اللذين استهدفا سفن الغاز في ميناء دمياط، حالة واسعة من الارتباك والتكهنات. فقد تداول صحفيون أنباء عن تعرض السفن لهجوم بطائرة مسيّرة، استناداً إلى ما نشرته وكالة "رويترز"، إلا أن لجاناً إلكترونية موالية للسلطة شنّت هجوماً حاداً عليهم، ونفت تلك الرواية في الساعات الأولى.

وامتد هذا الارتباك إلى بعض الشخصيات الإعلامية المقربة من السلطة؛ إذ نشر صحفيون وإعلاميون، من بينهم الصحفي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، معلومات منسوبة إلى مصادر أمنية تفيد بأن السفن تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة، قبل أن يقوموا بحذف ما نشروه لاحقاً. وفي المقابل، ظهر محللون عبر قنوات موالية للسلطة يتحدثون عن احتمال وقوع تصادم بين سفن بوصفه سبب الحريق، مستبعدين ومهاجمين كل من تبنى رواية شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري بشأن تعرض الميناء لهجوم بطائرة مسيّرة.

ولم يقتصر الجدل على الروايات المتضاربة، بل امتد إلى خلافات بين إعلاميين محسوبين على السلطة. فقد دعا الإعلامي عمرو أديب الذي يقدم برنامجه عبر قناة "إم بي سي مصر"، إلى رد مصري حازم، مقدرا أن تحديد الجهة التي أطلقت المسيّرة ليس بالأمر الصعب.

في المقابل، هاجمه الإعلامي نشأت الديهي، واصفاً دعوته بأنها "توجه أحمق"، مقدرا أن ما يطالب به أديب يصب في مصلحة أطراف تسعى إلى جر مصر إلى الصراع الإقليمي، وتحويلها إلى طرف مباشر في الحرب الدائرة.

وأضاف الديهي أن على مصر أن تتعلم من "حكمة قيادات دول الخليج الشقيقة التي ضربت المثل في ضبط النفس وإعلاء قيم الحكمة، وعدم الانجرار وراء من يدفعها إلى الانخراط في مستنقع الحرب المباشرة مع إيران". وأثارت تصريحاته بدورها ردود فعل متباينة؛ إذ رأى منتقدون أنها تعكس توجهاً نحو تجنب أي رد عسكري، ورأى بعضهم أن القاهرة ستكتفي باحتواء الموقف دون اتخاذ خطوات تصعيدية.

وفي ظل غياب أي بيان مباشر من رئاسة الجمهورية أو القوات المسلحة بشأن الحادث، أعادت الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة لوزارة الدولة للإعلام، نشر مقطع مصور من كلمة سابقة للرئيس عبد الفتاح السيسي، كان قد ألقاها بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو، وذلك في يوم استهداف ميناء دمياط.

وجاء في المقطع تأكيد السيسي أن "مصر، بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل شعبها العظيم، لا يستطيع أحد أن يمسها أو ينال من مقدراتها"، في رسالة رأها مراقبون محاولة لطمأنة الرأي العام في ظل تصاعد الغموض المحيط بالحادث.

ولم يصدر التوضيح الرسمي إلا في اليوم التالي، عندما أعلن مجلس الوزراء المصري، في 30 يوليو/تموز 2026، أن التحقيقات الأولية التي أجرتها الجهات المختصة أظهرت أن الحادث "ناتج عن طائرة مسيّرة"، مع تأكيده أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عن الهجوم.

وأضاف البيان أن الجهات المعنية تواصل استكمال التحقيقات للوقوف على جميع ملابسات الواقعة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي.

وفي تفسيره لتأخر الإعلان الرسمي، أرجع الرئيس الأسبق لجهاز الاستطلاع بالقوات المسلحة وأستاذ العلوم الإستراتيجية، اللواء نصر سالم، الأمر إلى حاجة الجهات المختصة إلى مراجعة منظومة الدفاع الجوي، والتحقق مما إذا كانت هناك ثغرة رادارية استُغلت في تنفيذ الهجوم.

وأوضح، في تصريحات لموقع "مدى مصر" بتاريخ 30 يوليو/تموز 2026، أن هذه المراجعة تستهدف التأكد من وجود أي خلل في منظومة الرصد، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجته إذا ثبت وجوده، أو رفع درجات الاستعداد إذا تبيّن عدم وجود أي ثغرات.

وأشار سالم إلى أن البروتوكول المتبع في مثل هذه الحوادث لا يقتصر على جمع المعلومات الفنية والأمنية، بل قد يشمل أيضاً اتصالات دبلوماسية مع الدولة المشتبه بها، للتحقق مما إذا كان الهجوم وقع عن طريق الخطأ أو كان يحمل أهدافاً سياسية، تجنباً لاتخاذ خطوات قد تؤدي إلى إشعال أزمة أو حتى مواجهة عسكرية بين الدول.

وأضاف أن الطائرات المسيّرة تتميز بانخفاض بصمتها الرادارية، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة مقارنة بالطائرات التقليدية، فضلاً عن إمكانية إطلاقها من أي نقطة، بما في ذلك سفينة في البحر المتوسط، كما يمكن تعديل بعض المسيّرات التجارية الصغيرة لتزويدها بشحنات متفجرة قادرة على استهداف السفن والمنشآت البحرية.

أين الأوكتاغون؟

ورغم صدور الرواية الرسمية بشأن الهجوم، ظل سؤال آخر يتردد بقوة في الأوساط المصرية: أين القدرات العسكرية ومنظومات الرصد والإنذار المبكر التي جرى الترويج لها خلال افتتاح مجمع "الأوكتاغون" العسكري قبل نحو 25 يوماً فقط من استهداف ميناء دمياط؟

وتساءل كثير من المصريين عن فاعلية تلك المنظومات، بعدما تعرض الميناء لهجوم بطائرة مسيّرة، في وقت استغرق الإعلان الرسمي عن طبيعة الهجوم نحو 16 ساعة، قبل أن يؤكد مجلس الوزراء أن الانفجار نجم عن طائرة مسيّرة.

وتداول ناشطون تعليقات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، مقدرين أن الإعلام الرسمي قدّم "الأوكتاغون" بصفته أحدث مركز للقيادة والسيطرة والرصد والاتصالات والإنذار المبكر في العالم، بينما تمكنت طائرة مسيّرة من الوصول إلى هدفها داخل ميناء دمياط دون اعتراض، لتظل السلطات لساعات طويلة تتحقق من طبيعة ما جرى.

وفي السياق ذاته، قالت شركة "فانغارد" البريطانية للأمن البحري: إن الهجوم يثير تساؤلات جوهرية بشأن مصدر الطائرة المسيّرة، والطريق الذي سلكته، وكيف تمكنت من الوصول إلى هدفها من دون أن يتم رصدها أو اعتراضها. بحسب ما نقلته قناة "الحرة" الأميركية في 30 يوليو/تموز 2026.

وتتقاطع هذه التساؤلات مع تقديرات غربية وإسرائيلية تحدثت، منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإيرانية أواخر فبراير/شباط 2026، عن وجود رغبة لدى إسرائيل والولايات المتحدة في توسيع رقعة الحرب، ودفع دول عربية، لا سيما الخليجية منها، إلى الانخراط بصورة أكبر في المواجهة مع إيران.

وفي هذا الإطار، أشارت تقارير إعلامية غربية، من بينها تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" بتاريخ 30 يوليو/تموز 2026، إلى أنَّ الإدارة الأميركية ناقشت مع حلفائها الخليجيين توسيع أوجه التعاون العسكري خلال الأزمة، إلا أن معظم هذه الدول فضلت الاكتفاء بتقديم دعم دفاعي أو لوجستي، مع تجنب الانخراط المباشر في العمليات القتالية، خشية اتساع نطاق الحرب وانعكاساتها على أمن المنطقة واستقرارها.