وريث أغنى العائلات الأميركية.. من هو فيرغي تشامبرز المتهم بتمويل حماس؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في مسار نادر داخل واحدة من أغنى العائلات الأميركية، فكّ جيمس "فيرغي" كوكس تشامبرز جونيور ارتباطه المالي بإمبراطورية "كوكس" ووجّه جزءًا من ثروته إلى تمويل حركات يسارية ومشاريع سياسية واجتماعية. 

وبعد عملية حركة المقاومة الإسلامية حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت فلسطين القضية الأكثر حضورًا في نشاطه، فقد دعم ناشطين يستهدفون شركات السلاح الإسرائيلية، وتبرع لمشاريع صحية وإغاثية تعمل مع الفلسطينيين في غزة.

وعبّر تشامبرز علنًا عن تأييده للمقاومة الفلسطينية، قبل أن يتحول نشاطه المالي والسياسي إلى محور قضية أميركية انتهت باعتقاله في إسبانيا وفتحت معركة قضائية لمنع تسليمه إلى الولايات المتحدة.

الثروة والتمويل

ينتمي تشامبرز إلى الجيل الرابع من العائلة التي تعود ثروتها إلى جيمس ميدلتون كوكس، مؤسس الشركة التي أصبحت لاحقًا "كوكس إنتربرايزز" عام 1898. وتعد المجموعة اليوم من أكبر الشركات العائلية الخاصة في الولايات المتحدة، وتنشط في قطاعات الاتصالات والسيارات والإعلام والاستثمار.

كانت جدته آن كوكس تشامبرز من كبار ورثة المجموعة، فيما تقدر مجلة "فوربس" الاقتصادية الأميركية حصة والده جيمس كوكس تشامبرز بنحو 17 بالمئة من الشركة إلى جانب شقيقتيه كاثرين راينر ومارغريتا تايلور. 

أما حجم حصة تشامبرز فيرغي الشخصية وبنية الصناديق والمصالح التي استفاد منها داخل العائلة فلم تخضع لإفصاح عام يسمح بتحديدها بدقة.

انفصل والداه وهو في الثانية تقريبًا، ونشأ في نيويورك بعيدًا عن المقر الرئيس لإمبراطورية كوكس في أتلانتا، وقد درس في مدرسة "سانت آنز" الخاصة في بروكلين، ثم التحق بكلية "بارد" من دون إكمال مسار جامعي تقليدي. 

وفي تقرير نشرته مجلة "فانيتي فير" الأميركية في مايو/أيار 2024، تحدث تشامبرز عن سنوات مراهقة مضطربة مر خلالها بتجارب إدمان وعلاج متكرر، كما روى أنه لم يدرك في طفولته الحجم الحقيقي لثروة عائلته إلا تدريجيًا عندما صادف اسمها في تصنيفات الأثرياء.

وفيما يخص تحوله الفكري، قال لصحيفة "لوموند" الفرنسية في مايو 2025: إن أحد مدرسيه دفعه في سن المراهقة إلى قراءة كارل ماركس، الفيلسوف والاقتصادي الألماني وأحد أبرز منظري الشيوعية، وفلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية ومؤسس الدولة السوفيتية، ثم مرّ بمراحل فكرية ودينية مختلفة قبل أن يعرّف نفسه بالماركسية اللينينية.

شارك لاحقًا في احتجاجات “ستاندنغ روك” التي قادتها قبائل من السكان الأصليين وناشطون ضد خط أنابيب النفط "داكوتا أكسس" خشية تأثيره على أراضيهم ومصادر المياه. وبعد ذلك اشترى أرضًا في ولاية جورجيا وحاول إنشاء تجمع سكني مشترك للناشطين.

ثم انتقل إلى منطقة نيو إنغلاند شمال شرقي الولايات المتحدة، حيث أسس مجموعة "بيركشاير كوميونيستس" الشيوعية ومشروعًا ريفيًا في بلدة ألفورد بولاية ماساتشوستس، ضم مساكن ومركزًا مجتمعيًا وصالة للفنون القتالية ودروسًا في الفكر الشيوعي.

تابعت المخرجة الإيرلندية سينيد أوشي هذه التجربة على مدى عامين تقريبًا في فيلمها الوثائقي “كل شيء عن المال” الذي عُرض في مهرجان صندانس عام 2026.

وتحولت القطيعة الفكرية مع عالم العائلة إلى انفصال مالي في صيف 2023، عندما دخل تشامبرز بقوة في حملة معارضة مركز تدريب الشرطة والأمن العام في أتلانتا المعروف لدى معارضيه باسم "كوب سيتي".

وفي 19 يوليو/تموز 2023، ذكر موقع “أكسيوس” الأميركي أن تشامبرز تعهد بنحو 600 ألف دولار لدعم حملة تسعى إلى فرض استفتاء على المشروع، وقال حينها: إن لديه مئات الملايين من الدولارات التي يريد استخدامها في بناء تنظيمات ثورية.

اكتسب موقفه حساسية إضافية بسبب ارتباط مصالح وشخصيات من محيط عائلة كوكس بالمشروع، وربط تشامبرز لاحقًا خروجه من شبكة مصالح العائلة بمعارضته له.

تزامن ذلك مع تسوية مالية أنهت ارتباطه بمصالح "كوكس إنتربرايزز"، شملت دفعة أولى بقيمة 250 مليون دولار بحسب "فانيتي فير"، بينما قال تشامبرز لاحقًا لـ"لوموند": إن المبلغ الإجمالي كان أكبر.

بعد الانفصال برز "تجمع بابوتشكي" بوصفه الشبكة التي استخدمها في توجيه أمواله إلى مشروعات وحركات سياسية واجتماعية، من الحملات المناهضة للشرطة داخل الولايات المتحدة إلى مبادرات مرتبطة بفلسطين.

فلسطين مركز نشاطه

بعد 7 أكتوبر 2023 أخذ نشاط تشامبرز منحى أكثر تركيزًا على فلسطين، فقد شارك في احتجاجات استهدفت شركة “إلبيت سيستمز” للصناعات العسكرية الإسرائيلية.

كما موّل أتعابًا قانونية وكفالات لناشطين مرتبطين بحركة "فلسطين أكشن" التي تستهدف شركات ومنشآت مرتبطة بصناعة السلاح الإسرائيلية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، شهد مصنع لـ"إلبيت" في ميريماك بولاية نيوهامبشر احتجاجًا تخلله تخريب للمبنى وانتهى باعتقالات.

يقول فريق دفاع تشامبرز: إن تهمتي الشغب والتآمر للشغب الواردتين في القضية الأميركية ضده ترتبطان بهذه الواقعة، ويؤكد أن موكله موّل الكفالات والدفاع القانوني ولم يكن حاضرًا في الاحتجاج نفسه.

رافق النشاط المالي خطاب سياسي صريح، فقد نشر تشامبرز بعد هجوم 7 أكتوبر مواقف مؤيدة للفصائل الفلسطينية، ووصف حماس بأنها "حركة مقاومة"، كما تحدث عن عملية طوفان الأقصى بوصفها مصدر إلهام لمن يسعون إلى العدالة لفلسطين.

غادر تشامبرز الولايات المتحدة في الفترة التالية واتجه إلى تونس بعد اعتناقه الإسلام، وقد ربط في حديثه إلى "لوموند" انتقاله بانخراطه في فلسطين وشعوره بتصاعد الضغط عليه بسبب نشاطه المناهض للسياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل.

استقر في سيدي بوسعيد وتعلم العربية، وواصل ممارسة وتعليم الفنون القتالية، ثم دخل مجال الرعاية الرياضية عندما أصبح في الأول من يوليو 2024 راعيًا رئيسا للنادي الإفريقي التونسي عبر شركته “جيه آي آي”.

وبحلول مايو/أيار 2025 كان قد دفع نحو 3.5 ملايين يورو من أصل أربعة ملايين موعودة، وأسهمت الأموال في تسوية نحو 90 بالمئة من ديون النادي التي كانت تقترب من ستة ملايين يورو.

دخلت هذه المدفوعات لاحقًا في رواية الدفاع عن تحويلاته الدولية؛ إذ تضع واشنطن تحويلًا إجماليًا بنحو 7.5 ملايين دولار من الولايات المتحدة إلى تونس في قلب قضية غسل الأموال.

ولكن يقول محاموه: إن تشامبرز كان يعيش في هذا البلد العربي وينقل أمواله الشخصية إليه حيث يدير منه مشروعاته، وإن جانبًا منها ذهب إلى النادي الإفريقي وأنشطة أخرى يمكن تحديدها، إلى جانب تمويل مشاريع فلسطينية.

اتسع تمويله لفلسطين خلال السنوات التالية، ففي تحقيق نشرته صحيفة "إل باييس" الإسبانية في 16 أغسطس/آب 2026، قدم محاموه قائمة بخمس جهات قالوا إنه دعمها بمبلغ إجمالي يصل إلى 1.52 مليون دولار.

شملت القائمة 550 ألف دولار لـ"تحالف أطفال الشرق الأوسط"، وهي منظمة إغاثية أميركية تدعم برامج غذاء ودواء ومياه للفلسطينيين، و370 ألف دولار لـ"مشروع سمير" العامل داخل غزة.

وكذلك 300 ألف دولار لـ"حركة صحة الشعوب" الصحية الدولية، و200 ألف دولار لـ"صندوق غسان أبو ستة للأطفال" الذي يدعم علاج الأطفال الفلسطينيين المصابين، و100 ألف دولار لـ"مشروع زينب" المخصص للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من الحرب.

امتد نشاط تشامبرز الفلسطيني إلى الحركات السياسية أيضًا، فقد تحدث في فترة سابقة عن تمويل شبكة "صامدون" الداعمة للأسرى الفلسطينيين، قبل أن تصنفها وزارة الخزانة الأميركية في 15 أكتوبر 2024 كجهة تجمع الأموال لصالح "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". 

وأفاد تحقيق نشره موقع "ذا فري برس" الأميركي بأن تشامبرز أعلن تبرعًا من ستة أرقام لمبادرة بحرية دولية متجهة إلى غزة. 

يكتسب هذا التمويل أهمية في سياق التدقيق الأميركي في شبكات دعم أساطيل كسر الحصار؛ إذ قالت وزارة الخزانة الأميركية في 21 يناير/كانون الثاني 2026: إن "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج" يخضع سرًا لسيطرة حماس وإنه كان من الداعمين الرئيسين لعدد من الأساطيل المتجهة إلى القطاع.

لكن الوثائق المنشورة لا تربط المبادرة التي موّلها تشامبرز بهذه الأساطيل، ولا تظهر أن أمواله مرت عبر المؤتمر الشعبي أو أي جهة صنفتها واشنطن على صلة بحماس.

من التحقيق إلى السجن 

تعود أقدم إشارة علنية لاهتمام السلطات الأميركية بنشاط تشامبرز الفلسطيني إلى خريف 2023، عندما نقلت مجلة "لوس أنجلوس" الأميركية عن مصدر اتحادي في إنفاذ القانون أنهم كانوا ينظرون في نشاطه المالي والسياسي المرتبط بـ"فلسطين أكشن".

أصبح العنصر المالي الأوضح في القضية هو تحويل مبلغ الـ 7.5 ملايين دولار من حساب مصرفي أميركي إلى تونس خلال الفترة التي كان تشامبرز يقيم فيها هناك.

وتقول السلطات الأميركية: إن التحويل ارتبط بقصد تقديم دعم لحماس، لكن لم يُكشف حتى الآن عن اسم البنك الأميركي أو التونسي أو صاحب الحساب المستفيد، كما لم يظهر تحويل لاحق من تونس إلى غزة أو اسم وسيط مالي أو شخص من حماس تلقى الأموال.

مع تقدم التحقيق، انتقلت القضية من المتابعة الأميركية إلى طلب توقيف دولي، وأظهرت مواد اطلعت عليها صحيفة "إل باييس" الإسبانية أن مذكرة صادرة عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" تضمنت ثلاثة اتهامات رئيسة بحق تشامبرز هي غسل الأموال الدولي والشغب والتآمر للشغب.

وبناء على هذا الطلب، أوقفت الشرطة الإسبانية تشامبرز صباح 10 يوليو 2026 في ريف شمال إيبيزا، بينما كان يقود سيارته برفقة زوجته، الممثلة ستيلا شنابل، وكانا يبحثان عن مدرسة لابنهما تمهيدًا للاستقرار في الجزيرة.

في اليوم التالي مثُل عبر الاتصال المرئي أمام قاضي التحقيق المركزي رقم 6 في المحكمة الوطنية الإسبانية، وأمر القاضي أنطونيو بينيا بإبقائه في الحبس الاحتياطي من دون كفالة ريثما تنظر إسبانيا في طلب تسليمه.

تولى الدفاع عنه مكتب "إيلوكاد" الذي يقوده القاضي الإسباني السابق بالتاسار غارثون، المعروف بعمله في ملفات حقوق الإنسان والاختصاص القضائي العالمي. 

وقال غارثون بعد زيارة موكله: إن القضية تحمل خلفية سياسية مرتبطة بمواقفه من الولايات المتحدة وفلسطين. وبعد الاعتقال بأيام فتش عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي المنزل الذي كان تشامبرز يستأجره في إيبيزا. 

ونقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية في 25 أغسطس عن غارثون قوله: إن التفتيش لم يسفر عن العثور على أدلة، بينما لم تنشر السلطات الأميركية محضرًا للمضبوطات.

ويقول الدفاع: إن الأموال شخصية ومشروعة ولها وجهات معلنة في تونس ومشاريع فلسطينية، كما يرى أن مواقف تشامبرز من فلسطين والسياسة الأميركية تقف خلف الملاحقة.

وينص قانون التسليم الإسباني على استبعاد الإرهاب من نطاق الجرائم السياسية التي تمنع التسليم، لكنه يجيز رفض طلب يتعلق بجريمة عادية إذا توافرت أسباب جدية للاعتقاد بأن الغرض الحقيقي منه ملاحقة الشخص بسبب آرائه، كما يشترط أن تكون الوقائع محل الطلب قابلة للعقاب في إسبانيا أيضًا.

ويتولى القضاء الإسباني أولًا فحص قانونية التسليم، وتبقى للحكومة سلطة نهائية في حال أجازته المحكمة، ولهذا تتحرك حملة تشامبرز قضائيًا وسياسيًا في آن واحد.

وفي 5 سبتمبر/أيلول طالبت إيونى بيلارا، الأمينة العامة لحزب "بوديموس" اليساري، الحكومة الإسبانية برفض تسليمه، بينما بقيت القضية أمام المحكمة الوطنية من دون قرار نهائي حتى كتابة التقرير.

وكان التطور الإجرائي الأهم قد ظهر في الثاني من سبتمبر، عندما أفادت أحدث التقارير بأن واشنطن أرسلت أوراق التسليم إلى إسبانيا قبل انتهاء المهلة القانونية البالغة 45 يومًا، وأن السلطات الإسبانية بدأت فحص الطلب.

وبذلك انتقلت القضية إلى مرحلة سيحدد فيها القضاء الإسباني وزن ما قدمته الولايات المتحدة ومدى انطباق شروط التسليم على الوقائع المنسوبة إليه.