من الصبر إلى المبادرة.. كيف غيرت الحرب السياسة الإقليمية لإيران؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتسمت السياسة الإقليمية الإيرانية بحالة من الاستقرار الهش؛ إذ واصلت طهران تبني إستراتيجية "الدفاع الاستباقي"، القائمة على الاعتماد على القوى الحليفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، بالتوازي مع تطوير قدراتها الصاروخية وتعزيز أدوات الردع غير المتكافئة. 

وفي الوقت نفسه، مثّل استئناف العلاقات مع السعودية بوساطة صينية مؤشراً على توجه نحو خفض جزئي للتصعيد الإقليمي، كما أتاح لإيران إظهار استمرار تأثيرها في معادلات المنطقة رغم العقوبات والضغوط الأميركية والإسرائيلية.

غير أن موقع "مجلس الشؤون الخارجية الروسي" (RIAC) يرى أن الحرب في غزة أحدثت تحولاً جذرياً في هذه التوجهات، وأعادت تشكيل المشهد الإقليمي بصورة جوهرية.

فقد أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى صدارة أجندة الشرق الأوسط، وعززت الدور الأيديولوجي لإيران بوصفها راعية "محور المقاومة"، لكنها في المقابل قلّصت هامش المناورة الذي كانت تستفيد منه طهران عبر نموذج الانخراط المحدود وغير المباشر في الصراعات.

كذلك، "أدى تصاعد نشاط حزب الله، وهجمات الحوثيين على خطوط الملاحة البحرية، وعمليات الفصائل الموالية لإيران في العراق وسوريا، ثم تبادل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل، إلى طمس الحدود الفاصلة بين "المنطقة الرمادية" للمواجهة وبين الصراع المباشر بين الدول".

وجاء التحول الحاسم في عام 2025، حين انتقلت المواجهة إلى صراع مباشر شاركت فيه الولايات المتحدة، قبل أن يدخل النزاع خلال عام 2026 مرحلة أكثر حدة.

وفي ظل هذه التطورات، أثارت الضربات التي استهدفت الأراضي الإيرانية تساؤلات لم تعد تقتصر على مستقبل نفوذ طهران الخارجي، بل امتدت إلى صورة الجمهورية الإسلامية بوصفها قوة قادرة على الردع.

كما برزت بصورة متزايدة قضايا انتقال السلطة ودور الحرس الثوري ومضيق هرمز الذي تحول من ورقة ضغط محتملة إلى إحدى الساحات الرئيسية للمواجهة العسكرية والدبلوماسية.

ومن ثم، يقدّر التقرير الروسي أنه "بحلول مايو/أيار 2026، لم يعد الهدف الأساسي لإيران توسيع نفوذها، بل إعادة بناء منظومة الردع، والحفاظ على حلفائها الرئيسين، والحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجوم، ومنع قيام هيكل أمني إقليمي دائم يستند إلى ائتلاف معاد لإيران تشكل بفعل الظروف الجديدة".

وفي هذا السياق، تناول الموقع أبرز التهديدات والتحديات التي تواجه الجمهورية الإسلامية في ظل تحول موازين القوى، مسلطاً الضوء على الإستراتيجية الجديدة لطهران، التي أطلق عليها اسم "الفوضى المدارة".

أربعة تحديات

ويرى الموقع أن "المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة أصبحت الإطار الجديد الذي يحكم السياسة الإقليمية الإيرانية".

وتابع: "فقبل عام 2023، كانت طهران تسعى إلى تجنب الصدام المفتوح، عبر نقل جانب كبير من الضغط على إسرائيل إلى القوى الحليفة، مع النأي بنفسها رسميا عن تلك العمليات".

واستدرك: "لكن تطورات الأعوام الأخيرة أضعفت فعالية هذا النموذج بصورة كبيرة، بعدما انتقلت إسرائيل والولايات المتحدة من استهداف دوائر النفوذ الإيراني الخارجية إلى ضرب البنية العسكرية والسياسية والنووية داخل إيران نفسها".

فقد أصبحت "الإستراتيجية الإسرائيلية في الحرب تركز على تقويض عدة ركائز من منظومة الردع الإيرانية، تشمل البنية التحتية الصاروخية، وأنظمة الدفاع الجوي، ومراكز القيادة، ومنشآت إنتاج الصواريخ الباليستية، وشبكات دعم الحلفاء".

فيما "أسهم التدخل الأميركي في تعميق هذا التأثير؛ إذ انتقلت واشنطن عمليا من دور الضامن الخارجي لأمن إسرائيل ودول الخليج إلى طرف مباشر في النزاع".

ولفت التقرير إلى أنه "إذا كان الرد على إسرائيل يمكن احتواؤه ضمن الأطر الإقليمية التقليدية، فإن مواجهة الولايات المتحدة جعلت القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وخطوط الملاحة البحرية، والبنية التحتية لدول الخليج أهدافا للهجمات الإيرانية، بما يزيد احتمالات اتساع نطاق الحرب".

في موازاة ذلك، "لم يعد الملف النووي بندا منفصلا على طاولة المفاوضات، بل أصبح جزءا من الحرب، إن لم يكن أحد أسبابها الرئيسة".

وتشمل المطالب القصوى للولايات المتحدة وإسرائيل وقف تخصيب اليورانيوم أو فرض قيود صارمة عليه، ونقل مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج إيران أو تدميرها، إضافة إلى فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية. 

في المقابل، تنظر طهران إلى الحفاظ على قدراتها النووية بصفته "دعامة لسيادتها وضمانة تحول دون توسع الحرب"، قال الموقع.

وأردف: "وبعد الضربات التي استهدفت البنية التحتية النووية وتراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق من الأنشطة الإيرانية، لم تعد الحلول التقنية تطرح بوصفها إجراءات لمنع الانتشار النووي، بل أصبحت جزءا من النقاش حول الضمانات الأمنية التي تطالب بها إيران".

في الوقت ذاته، أبرز التقرير أمام طهران "تحديا آخر يتعلق بـ"محور المقاومة" وإعادة تشكيله، فعلى مدى عقدين، مثل هذا المحور الأداة الأساسية لإستراتيجية "الدفاع الاستباقي" الإيرانية؛ إذ نقل خط الردع إلى خارج حدود الجمهورية الإسلامية، وربط الساحات الفلسطينية واللبنانية والعراقية والسورية واليمنية ضمن إطار موحد مناهض للولايات المتحدة وإسرائيل".

"ومع أن الحرب الحالية أظهرت أن هذه الشبكة ما زالت تحتفظ بأهميتها، لكنها لم تعد المنظومة المترابطة التي تمتلك خطوط إمداد مستقرة وتوزيع واضح للأدوار كما كانت في السابق"، وفق تقيمه.

وأضاف أن "أكبر تغيير في هذه البنية حدث في سوريا، فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى حرمان إيران من أهم حليف "شرعي" لها، كما تسبب بصورة غير متوقعة في قطع الطريق البري الرئيس لإمداد حزب الله عبر العراق وسوريا".

فيما لا تزال الساحة اللبنانية تحتل موقعا محوريا؛ إذ يمثل حزب الله أكثر حلفاء الجمهورية الإسلامية تنظيما وقدرة عسكرية في العالم العربي، لكنه في الوقت نفسه يشكل، بحسب التقرير، "مصدر خطر يتمثل في احتمال اندلاع تصعيد واسع".

واستطرد: "من شأن تكثيف الضربات الإسرائيلية أن يدمر البنية التحتية للنقل ويزيد الضغوط على المجتمع الشيعي".

أما الساحة العراقية، فيعتقد الموقع أنها "تكشف عن معضلة مختلفة؛ إذ إن العديد من القوى المحلية ليست مستعدة للانخراط دون شروط في الرؤية الإيرانية؛ لأن تحويل العراق إلى ساحة مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل يهدد مواقعها والنظام السياسي العراقي بأكمله".

"وفي المقابل، تعكس الساحة اليمنية تنامي قدر من الاستقلالية؛ إذ لا يزال الحوثيون يمثلون أداة ضغط على الملاحة البحرية، لكنهم يتحركون وفق حساباتهم الخاصة، ولا يعدون أداة تخضع لسيطرة كاملة من جانب طهران". بحسب تحليله.

أما التحدي الثالث، فيرى أنه يرتبط بدول الخليج العربي، وقال: "بعد استعادة العلاقات مع السعودية، كانت إيران تراهن على فصل الحوار مع جيرانها عن المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى تعقيد مسار التوسع في اتفاقيات أبراهام".

واستدرك: "لكن حرب عام 2026 أضعفت هذه الإستراتيجية؛ إذ أظهرت الضربات الإيرانية التي استهدفت دولا تستضيف قوات أميركية أن الملكيات الخليجية لم تعد قادرة على البقاء خارج دائرة الصراع".

وأضاف: "ورغم أن هذه الدول معنية باحتواء إيران، فإنها في الوقت ذاته لا ترغب في تعرضها لهزيمة عسكرية كاملة؛ لأن استمرار الحرب أو حدوث اضطرابات واسعة داخل إيران يهدد قطاع الطاقة، والبنية التحتية للموانئ وحركة الطيران والاستثمارات والاستقرار الداخلي لهذه الدول".

في غضون ذلك، أشار الموقع إلى أن "مضيق هرمز أصبح محور التناقضات الرئيس في هذا السياق؛ إذ يشكل مضيق هرمز ورقة ضغط مؤثرة على دول الجوار والولايات المتحدة والأسواق العالمية واضحة؛ إذ مر عبره خلال الربع الأول من عام 2025 نحو 20.1 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من الوقود السائل".

وتابع: "مع ذلك، فإن استخدام المضيق كورقة ضغط يعزز أيضا النظرة السلبية إلى إيران، حتى لدى الدول المجاورة التي لا تسعى إلى إلحاق الهزيمة بها".

من هنا، لفت التقرير إلى أنه "كلما طال أمد القيود المفروضة على الملاحة وإغلاق الموانئ وتصاعد مخاطر استهداف البنية التحتية؛ زادت استثمارات دول الخليج في مسارات بديلة للنقل، وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة وأمن الملاحة والضمانات الأمنية الخارجية".

على الصعيد الداخلي، يقدر الموقع أن "السياسة الإقليمية الإيرانية تواجه قيودا ناتجة عن الكلفة الداخلية للمواجهة، فقد عززت الحرب قدرة السلطة الحالية على تعبئة الداخل، لكنها في المقابل ضيقت هامش المناورة".

وبحسب وجهة نظره، "فبعد انتقال السلطة، أصبحت عملية صنع القرار أكثر تركيزا داخل دائرة أمنية ضيقة، يبرز فيها دور الحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد الأعلى، بينما تراجع دور الرئيس والحكومة ومجلس الشورى".

ويعتقد التقرير أن ذلك "يدفع السياسة الإيرانية نحو مزيد من التشدد؛ إذ حتى في حال أبدت الحكومة ووزارة الخارجية اهتماما بإيجاد مخرج دبلوماسي، فإن المؤسسة الأمنية ستسعى إلى الحفاظ على سيطرتها على القدرات الصاروخية، والبرنامج النووي، ومضيق هرمز".

وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن "القاعدة الاقتصادية التي تستند إليها السلطة تظل هشة؛ إذ تؤدي العقوبات والتضخم وتراجع قيمة الريال والاحتجاجات والقيود المفروضة على الملاحة البحرية، وارتفاع الإنفاق العسكري، إلى زيادة الكلفة الداخلية للصراع".

وهو ما عدَّه "يعزز الطابع الأمني والاستخباراتي للسياسة الداخلية"، ونتيجة لذلك، خلص إلى أن "القيادة الإيرانية تجد نفسها أمام معادلة صعبة".

وأوضح مقصده: "فالتنازل في ملفات البرنامج النووي أو مضيق هرمز أو الصواريخ أو القوى الحليفة قد يفسّر بوصفه نتيجة للهزيمة، في حين أن استمرار المواجهة يزيد الضغوط الاقتصادية ويجعل السياسة الخارجية أكثر خضوعا لمنطق الأمن الداخلي".

’’تعديل انتقائي’’

ورغم التغيرات التي شهدها ميزان القوى الإقليمي والخسائر الكبيرة التي تكبدتها إيران، فإنها لا تزال -وفق الموقع- تمتلك فرصا لتحقيق قدر من الاستقرار. 

وبحسب رأيه، "لا ترتبط الفرصة الأبرز بتحقيق تقارب سريع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الملكيات العربية، بل بتحويل المواجهة المفتوحة إلى مسار يقوم على ممارسة (المساومة المدارة)".

ويقدر التقرير أن "ملامح هذا المسار الدبلوماسي بدأت تتشكل بالفعل؛ إذ يمكن أن يشكل فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي، والتزامات إيران بشأن برنامجها النووي، وإمكانية تخفيف العقوبات، والإفراج الجزئي عن الأصول الإيرانية المجمدة، مقدمة لاتفاق أوسع".

واستطرد: "بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، يتيح هذا الإطار تحويل الخسائر العسكرية إلى ضمانات أمنية".

ورغم تأكيده أن طهران "لن تقبل باتفاق يبدو وكأنه استسلام"، إلا أنها في الوقت ذاته "معنية بوقف الهجمات، واستعادة صادراتها، وتقليص مخاطر التعرض لضربات جديدة"، بحسب قوله.

وعليه، يشدد على أنه "ينبغي التعامل مع قضايا مضيق هرمز، والبرنامج النووي والعقوبات والأصول المجمدة وضمانات عدم الاعتداء والحد من استهداف القوى الحليفة، باعتبارها عناصر ضمن صفقة واحدة متكاملة".

في هذا السياق، يرى أن "مضيق هرمز يحظى بأهمية خاصة، فقد تحول إغلاقه أو فرض قيود على الملاحة فيه إلى أقوى أدوات الضغط التي تمتلكها إيران، لكنه في الوقت نفسه أضر بعلاقاتها مع دول الجوار وألقى بظلاله السلبية على الأسواق العالمية".

ومن ثم، فإنه يعتقد أن "إعادة فتح المضيق جزئيا مقابل وقف الضربات ورفع الحصار وتهيئة مناخ للمفاوضات، قد يساعد إيران على الاحتفاظ بورقة ضغط مؤثرة، مع تقليص كلفة المواجهة".

وأردف: "قد يتجسد التطبيق العملي لذلك في استئناف الملاحة البحرية وفق بروتوكولات ولوائح جديدة، أكثر منه في إنشاء "نظام أمني للخليج" بصيغته العامة، تشمل الامتناع عن استهداف ناقلات النفط، ووضع قواعد تفتيش قابلة للتحقق، وإنشاء قنوات اتصال بين القوات العسكرية، وآلية للوساطة في التعامل مع الحوادث الطارئة".

وأضاف أن "الفرصة الثانية ترتبط بدول الخليج العربي، فرغم أن السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان والكويت لا تثق بإيران، فإنها أيضا لا ترغب في حدوث اضطرابات أو حالة من عدم اليقين قد تنجم عن تغيير السلطة في البلاد".

وتابع: "بالنسبة إلى طهران، تبرز أهمية فصل العلاقات مع دول الجوار عن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال تثبيت التزام بعدم استهداف أراضي دول الخليج ما دامت لا تستخدم لشن هجمات ضد إيران، والعمل في المقابل على إقناع هذه الدول بعدم تحويل بنيتها التحتية إلى قواعد دائمة للعمليات المعادية لإيران".

ورغم اعتقاده أن ذلك "لن يبدد انعدام الثقة"، فإنه "قد يحد من خطر اتساع رقعة الحرب بصورة تلقائية"، وفق تحليله.

"أما الفرصة الثالثة، فتتمثل في استعادة قدر محدود من الرقابة الدولية على البرنامج النووي"، قال الموقع.

وأردف: "غير المرجح سياسيا أن توافق إيران على إخراج كامل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب؛ إذ سيُنظر إليه داخليا على أنه تفريط في آخر الأوراق الإستراتيجية".

ومع ذلك، فإنه يقدر أن "الحلول الوسطية مثل عودة المفتشين، وإخضاع أجزاء من المخزونات للأختام الرقابية، وخفض مستوى التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو الاحتفاظ بالمواد داخل الأراضي الإيرانية تحت رقابة مشددة، يمكن أن تقلص من احتمالية شن ضربات "استباقية" جديدة دون أن تبدو تنازلا أحادي الجانب عن البرنامج النووي".

على المستوى الإقليمي، وفي إطار العلاقة مع "محور المقاومة"، يرى التقرير أنه على إيران إجراء عملية "تصحيح الانتقائي".

وقال: "لن تتخلى الجمهورية الإسلامية عن هياكلها الحليفة لكونها تظل عنصرا أساسيا في منظومة ردعها، غير أن الحرب أثبتت أن الإفراط في تفعيل دور حزب الله أو الفصائل العراقية أو الحوثيين قد يحول هذه الشبكة من رصيد إستراتيجي إلى مصدر ضغط إضافي على إيران نفسها".

من هنا، يقدر أن "إستراتيجية الاحتواء المقنن تبدو الخيار الأكثر جدوى، وذلك عبر الحيلولة دون اندلاع حرب واسعة في لبنان، وتقييد الهجمات التي تشنها المجموعات العراقية واليمنية ضد البنية التحتية الأميركية والعالمية".

فضلا عن "إدراج ضمانات تتعلق بضبط أنشطة القوى الحليفة ضمن أي مفاوضات مستقبلية بشأن الترتيبات الأمنية".

وبشكل عام، "تتمثل الفرصة الأساسية أمام إيران في الانتقال من سياسة الرد الانتقامي العلني إلى خفض التصعيد بصورة مدروسة، من دون التخلي عن مكانتها كقوة إقليمية".

وأضاف: "يتمثل الهدف الأدنى في تثبيت وقف الهجمات، واستعادة الملاحة عبر مضيق هرمز، واسترداد جزء من عائدات النفط، واستعادة السيطرة على مسار المفاوضات المتعلقة بالملف النووي".

وتابع: "بينما يتلخص الهدف الأوسع في الحيلولة دون تشكيل بنية إقليمية مستقرة معادية لإيران تضم الولايات المتحدة وإسرائيل والملكيات العربية".

مرحلة التكيف

انطلاقا من هذه المعطيات، استنتج الموقع أن "السياسة الإقليمية الإيرانية انتقلت من مرحلة المنافسة غير المتكافئة التي كانت تدار بصورة محسوبة إلى مرحلة التكيف مع الأزمات، عقب اندلاع المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة".

في الوقت ذاته، شدد على أن "إستراتيجية (الدفاع الاستباقي) لم تختفِ؛ إذ لا تزال طهران تمتلك قوى حليفة، وقدرات صاروخية وطائرات مسيرة، ورصيد رمزي يرتبط بالقضية الفلسطينية، إضافة إلى أدوات ضغط على خطوط الملاحة البحرية".

واستدرك: "لكن الحرب كشفت أيضا حدود هذه الإستراتيجية؛ إذ إن "محور المقاومة" قادر على رفع كلفة ممارسة الضغوط على إيران، لكنه لا يوفر ضمانة لحماية أراضيها، أو بنيتها القيادية، أو منشآتها النووية".

في ظل هذه المتغيرات، قال الموقع: إن "المسار الأكثر ترجيحا خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في مصالحة إستراتيجية، ولا في عودة سريعة إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب، وإنما في خفض تصعيد تفرضه الضرورات".

وتابع: "تشير التفاهمات التي يجري بحثها بشأن وقف الحرب وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار، ثم استئناف المفاوضات حول الملف النووي، إلى أن الأطراف لا تبحث عن تسوية نهائية، بل عن صيغة مؤقتة لتقليص المخاطر".

وأردف: "ولذلك، يظل كل من مضيق هرمز والملف النووي محور المساومات الجارية".

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "التحدي الأكبر أمام إيران يكمن في التوفيق بين ثلاث مهام أساسية: الحفاظ على صورتها بوصفها قوة قادرة على الصمود بعد الضربات التي استهدفت أراضيها، ومنع مزيد من التدهور الاقتصادي، والحيلولة دون تحول الائتلاف المعادي لإيران، الذي نشأ بفعل الظروف، إلى هيكل أمني دائم".

وعليه، رجح أن "تدمج طهران بين الخطاب المتشدد، والشفافية النووية المحدودة، والإدارة الحذرة للهياكل الحليفة، والحوار البراغماتي مع دول الخليج".

واستطرد: “ستعتمد استدامة هذا النهج على تحويل مضيق هرمز والبرنامج النووي وضمانات عدم الاعتداء إلى تسويات قابلة للتحقق بأدنى حد ممكن”.