سقوط المخا وباب المندب.. طارق صالح ومستقبله في الحسابات السعودية!

تمكن طارق من مغادرة صنعاء إلى مأرب في 7 ديسمبر 2017 برفقة ثلاثة من معاونيه
يمثل سقوط مدينة المخا ومناطق واسعة من الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون واحداً من أكثر التحولات الميدانية خطورة في مسار الحرب اليمنية منذ سنوات؛ فالمسألة لا تتعلق بخسارة مدينة ساحلية ذات قيمة عسكرية فحسب، وإنما بانهيار الصيغة العسكرية التي ظلت تمسك بهذا القطاع طوال سنوات، وكانت قوات طارق صالح أحد أعمدتها الرئيسة.
وتكتسب هذه التطورات بعداً أكبر لأن المخا لم تكن مجرد قاعدة عسكرية لطارق صالح؛ فقد تحولت منذ عام 2018 إلى مركز الثقل السياسي والعسكري للرجل الذي انتقل إليها بعد خروجه من صنعاء عقب مقتل عمه علي عبدالله صالح، وأسس فيها قوات المقاومة الوطنية بدعم إماراتي، قبل أن يصبح عضواً في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022.
ولذلك فإن سقوط المدينة يفتح سؤالاً يتجاوز المسؤولية العسكرية المباشرة: هل انتهى الدور الذي أدّاه طارق صالح خلال السنوات الماضية، أم أن ما يجري يمثل إعادة هندسة سعودية للقوة المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي؟
روايات متضاربة
أثار خروج طارق صالح من الساحل الغربي عقب سقوط المخا وبقية المواقع المحيطة بها روايات متضاربة بشأن وجهته وطريقة وصوله إلى الرياض؛ فبينما أعلنت قناة «الجمهورية» وصوله إلى العاصمة السعودية لمناقشة التطورات العسكرية وإعادة ترتيب مراكز القيادة، تحدثت روايات أخرى عن مغادرته المخا بحراً باتجاه أرض الصومال، بل ذهبت إلى أنه وصل إلى مدينة هرجيسا قبل أن تتدخل السعودية لإعادته إلى أراضيها.
وتكتسب الرواية الأخيرة أهمية توثيقية؛ لأنها لم ترد فقط في منشورات مجهولة، وإنما أكدها الخبير العسكري السعودي سعد العمري حيث قال: إن «إعادة طارق من إقليم أرض الصومال تمت بعملية سعودية خالصة»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن طبيعة العملية أو توقيتها.
وفي المقابل، نفت الرواية المرتبطة بقناة «الجمهورية» بصورة غير مباشرة مغادرته البلاد، وقالت: إنه انتقل أولاً إلى منطقة آمنة داخل اليمن قبل وصوله إلى الرياض للإشراف على إعادة ترتيب مراكز القيادة. وبين الروايتين تبقى حقيقة وصول طارق إلى الرياض ثابتة، بينما تظل كيفية خروجه من الساحل والمرحلة التي سبقت وصوله إليها محل تضارب لم يحسمه بيان رسمي تفصيلي.

لماذا سقطت قوات طارق؟
لا يفسر التقدم الحوثي السريع في الساحل الغربي وحده طبيعة الانهيار الذي أصاب قوات طارق صالح؛ إذ ظهرت منذ الأيام الأولى لسقوط المخا روايات متعددة تتحدث عن انسحاب مفاجئ وتسليم مواقع عسكرية كانت تضم أعداداً كبيرة من القوات وكميات ضخمة من الأسلحة والمعدات، وهو ما دفع إلى طرح سؤال الخيانة أو وجود تفاهمات مسبقة.
ونقلت مواقع يمنية روايات تتحدث عن أن قوات جنوبية (العمالقة) وصلت لتعزيز جبهة المخا بينما كانت القوات التي استدعتها تنسحب منها، كما ظهرت اتهامات مباشرة لقوات طارق بـ«خذلان» القوات التي كانت تقاتل داخل المدينة.
وذهب موقع «مأرب برس» في تحقيق حول سقوط الساحل إلى طرح احتمال وجود «خيانة» أو «تفريط»؛ حيث قال صحفي يعمل في قناة الجمهورية المملوكة لطارق: إن طارق صالح اختفى في اليوم الذي كان يجب فيه ان يظهر.
وكشف الصحفي يحيى السواري جانبا من كواليس سقوط المخا وانسحاب طارق صالح مع قواته الى عدن، ويروي أن إدارة قناة الجمهورية أبلغت طاقمها عند التاسعة مساء، يوم 9 سبتمبر بالمغادرة إلى عدن، قبل سقوط المخا، وعند الساعة الرابعة فجراً، وفق السواري- اختفت المدرعات والمقاتلين، وحتى رجال الأمن اختفوا وخرج المساجين من إدارة الأمن، وكل تلك الاستعدادات كانت للمغادرة وليس لخوض معركة.
وعن حركة النزوح من المخا، بعد انسحاب قوات طارق، قال السواري: إنه شاهد عشرات الآلاف من البشر وآلاف المركبات والآليات العسكرية تهرب. مضيفًا: كانت مدينة تسافر على الاقدام، مجتمع متكامل يهاجر، الجنود وآلياتهم يشعلون التساؤلات في عقلك: ما شكل القوة العسكرية التي هزمت كل هؤلاء؟! ولماذا أخافهم الحصار لهذه الدرجة؟! لو قاموا برص آلياتهم ومركباتهم العسكرية حول المدينة كمتارس لصمدوا عدة أشهر''.
كما تحدّثت مصادر أخرى عن انسحاب قوات طارق بأوامر منه، أعقبته حالة فوضى ونهب للمقرات والمعسكرات وترك كميات من الأسلحة والمعدات.
من جانبها رفضت المقاومة الوطنية اتهامات «التخوين» وأكدت أن ما جرى كان إعادة تموضع بعد معارك تكبدت خلالها خسائر كبيرة، لكن الشكوك تزداد بسبب الفارق بين حجم القوات والتسليح الذي ظل متاحاً لها وبين السرعة التي انهارت بها خطوطها الدفاعية.
كما أن خروج قائدها من مسرح العمليات في خضمّ الانهيار، ثم انتقاله إلى الرياض، فتح الباب أمام تفسير سياسي لما حدث إلى جانب التفسير العسكري.
تلك الأحداث تعيد إلى الواجهة رواية أكثر حساسية تربط ما جرى في المخا بتاريخ طارق نفسه؛ فالرجل كان جزءاً من منظومة عمه علي عبدالله صالح عندما تحالف الأخير مع الحوثيين، ثم أصبح بعد انهيار ذلك التحالف ومقتل صالح أحد أبرز قادة المعسكر المناهض للجماعة.
وقد رافقت خروجه من صنعاء عام 2017 اتهامات وروايات متناقضة حول طريقة نجاته، فيما رأى خصومه أن وجوده ضمن الدائرة الأمنية لعمه ثم بقاؤه حياً وخروجه من صنعاء يثير أسئلة حول دوره في الأيام الأخيرة للتحالف بين صالح والحوثيين.
وبحسب روايات صحفية تمكن طارق من مغادرة صنعاء إلى مأرب في 7 ديسمبر 2017 برفقة ثلاثة من معاونيه، ثم حصل على تسهيل من القوات الإماراتية في مأرب، واستقل طائرة إماراتية إلى الإمارات.
ومن هنا يعيد خصوم طارق اليوم طرح السؤال بصورة مختلفة: إذا كان قد اتُّهم سابقاً بأنه لم يقاتل دفاعاً عن عمه، بل تمكن من الخروج من صنعاء في اللحظة التي انهار فيها تحالف صالح والحوثيين، فما الذي يمنع، وفق هذه الرواية، من تكرار سيناريو مشابه في المخا؟ أي أن تكون مهمته التي خرج من صنعاء من أجلها قد انتهت، أو أن يكون قد توصل إلى تفاهم أفضى إلى تسليم الساحل للحوثيين.
غير أن هذا الربط، مهما كان حاضراً بقوة في الخطاب المتداول، يظل في حدود الاتهام السياسي ما لم تظهر أدلة مباشرة تثبت وجود اتفاق بين طارق والحوثيين أو أوامر صادرة عنه بتسليم المواقع.
ولذلك فإن القراءة الأكثر مهنية لما حدث تضعنا أمام احتمالين متعارضين: الأول أن قوات طارق تعرضت لهجوم حوثي واسع ومدعوم إيرانياً أدى إلى انهيار دفاعاتها وإعادة انتشارها، وهو ما تؤيده رواية المقاومة الوطنية ومؤشرات الدعم الإيراني للعملية. والثاني أن سرعة الانهيار وحجم المواقع التي سقطت من دون مقاومة طويلة يبرران التحقيق في احتمال وجود تفريط أو خيانة أو تفاهمات داخلية، وبين الاحتمالين لا تزال الحقيقة الكاملة لسقوط المخا بحاجة إلى كشف عسكري وسياسي مستقل.
هل من دور لإيران والإمارات؟
بالنسبة إلى إيران، توجد مؤشرات أكثر قوة من مجرد الاتهامات السياسية؛ فقد نقلت «رويترز» عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الدعم الإيراني، بما في ذلك السلاح والمشورة التكتيكية، أدى دوراً مهماً في تمكين الحوثيين من الاستيلاء على المخا، وأن العملية جرى توجيهها بمساعدة الحرس الثوري الإيراني، مع حديث المصادر عن دور لعبدالرضا شهلائي.
وفي المقابل تنفي إيران توجيه العمليات الحوثية بصورة مباشرة، واتهمت المقاومة الوطنية في بيانها إيران بتقديم إسناد مباشر للحوثيين والمشاركة في إدارة الهجوم الذي انتهى بسقوط المخا ومواقع الساحل.
في المقابل، يظل الحديث عن دور إماراتي مباشر في سقوط المدينة أكثر حساسية؛ نظراً لأن المقاومة الوطنية نفسها تشكلت تاريخياً بدعم إماراتي، وأن جانباً من بنيتها العسكرية واللوجستية ارتبط خلال السنوات الماضية بأبوظبي.
لكن تقريراً لمنصة «الهدهد»، نقل عن مصادر خاصة، حدوث اضطراب واسع في شبكات الاتصالات العسكرية خلال الساعات الأخيرة التي سبقت سقوط المخا، وقال: إن تلك المصادر اتهمت الإمارات بالتدخل في شبكات الاتصالات التي تستخدمها قوات طارق صالح وحمدي شكري. مشيرة إلى أن ارتباط هذه المنظومة بالإمارات جعلها قادرة، وفق الرواية، على التأثير في الاتصالات بين الوحدات وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، بما أدى إلى وقوع اشتباكات بين وحدات يفترض أنها تعمل ضمن المعسكر نفسه.
ومن ناحية سياسية، يصعب تجاهل التزامن بين الانهيار العسكري وبين النقاش السعودي ـ الإماراتي حول عودة أبو ظبي إلى اليمن؛ فقد نقل موقع «ميدل إيست آي» عن دبلوماسيين غربيين وعرب أن محادثات سعودية إماراتية بشأن عودة الإمارات إلى اليمن وصلت إلى طريق مسدود، بالتزامن مع الهجوم الحوثي على المخا.

قرارات ودلالات
بعد سقوط المخا، اتخذ طارق صالح قراراً لافتاً بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، ومنحها استقلالية مالية وإدارية وعملياتية، مع ربطها مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف العربي وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.
ويبدو أن القرار يتجاوز مجرد إعادة التنظيم العسكري فهو يفكك جزءاً من البنية التي ظلت تدار من مركز واحد تحت قيادة طارق صالح، ويمنح القوة التهامية قيادة محلية وارتباطاً مباشراً بالتحالف، بما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أوسع للقوات في الساحل الغربي.
وقد رأى محللون يمنيون أن القرار ربما جاء في سياق إعادة هيكلة أوسع، وربما استجابة لضغط سعودي، خصوصاً أنه صدر مباشرة بعد الانتكاسة العسكرية وسقوط المخا.
وفي المقابل، يمكن النظر إلى الخطوة بوصفها محاولة من طارق صالح للحفاظ على نفوذه السياسي والعسكري عبر إعادة توزيع قواته بدلاً من فقدانها، بما يعني أن فصل المقاومة التهامية لا يمثل بالضرورة نهاية لدوره، لكنه يؤشر بوضوح إلى تراجع الصيغة السابقة التي كانت تجعل المقاومة الوطنية كتلة عسكرية متماسكة تحت قيادته المباشرة.
ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر عند النظر إليه في سياق موقف السعودية من طارق صالح؛ فالمؤشرات الحالية لا تسمح بالقول: إن الرياض قررت التخلي عنه نهائياً؛ إذ إن وجوده في الرياض، وفق الرواية المعلنة، جاء لبحث التطورات الميدانية وظروف المعركة، بما يؤكد استمرار قنوات الاتصال معه.
لكن ذلك لا يمنع وجود مؤشرات على أن السعودية تتجه إلى تقليص احتكار طارق لملف الساحل الغربي، من خلال إعادة توزيع مراكز القوة وربط بعض التشكيلات مباشرة بالتحالف.
ومن ثم، قد لا تكون المسألة السعودية هي التخلص من طارق بقدر ما هي إعادة ضبط موقعه داخل منظومة عسكرية يجري بناؤها على نحو أكثر تعدداً وأقل اعتماداً على قائد واحد.
فإذا تمكن طارق من إعادة بناء قواته واستعادة زمام المبادرة، فسيظل قادراً على الاحتفاظ بدور رئيس، أما إذا تحولت قواته إلى عبء عسكري وسياسي بعد سقوط المخا، فإن الرياض تمتلك بدائل محلية يمكن الاعتماد عليها.
وبذلك قد يكون قرار تشكيل المقاومة التهامية مؤشراً على أن السعودية لم تعد تريد أن يبقى طارق صالح صاحب القرار العسكري الوحيد في الساحل الغربي، وإنما تتجه إلى توزيع المسؤوليات بين قيادات وقوات متعددة، مع إبقاء طارق لاعباً رئيساً من دون أن يحتفظ بالسيطرة المنفردة على جميع تشكيلات الساحل.
حسابات سعودية
في 2015، وقبل عاصفة الحزم بيومين فقط، زار أحمد علي عبدالله صالح الرياض، بتكليف من والده، حاملاً مطالب تضمنت دعم وضعه السياسي ليكون رئيس اليمن القادم، ووقف الملاحقات الدولية بحق والده ورفع تجميد أمواله، لكن وزير الدفاع السعودي آنذاك محمد بن سلمان رفض تلك المطالب «جملة وتفصيلاً» وأنهى اللقاء.
وذكرت «الجزيرة» أن محاولات صالح تأمين خروج آمن له ولأسرته قوبلت بالرفض السعودي، ونقلت عن مصدر خليجي قوله: إن «فرصة مُنحت للمخلوع من خلال المبادرة الخليجية، لكن هذه المرة لن تكون له أي فرصة».
وتكتسب واقعة 2015 دلالتها الحقيقية عند النظر إلى تجربة السعودية اللاحقة مع طارق صالح، فعقب مقتل علي عبدالله صالح، أعادت الإمارات تقديم طارق كقائد عسكري في مواجهة الحوثيين، وبنت له قوة مستقلة على الساحل الغربي، قبل أن يصبح عضواً في مجلس القيادة الرئاسي.
لكن صعود طارق لم يكن تعبيراً عن استعادة الرياض ثقتها بعائلة صالح، بقدر ما كان توظيفاً لقوة عسكرية فرضت نفسها في موازين الصراع. ومع سقوط المخا وما تبعه من إعادة ترتيب لقواته، تبدو هذه الثقة أكثر هشاشة، إذ باتت الرياض أمام تجربة جديدة تؤكد صعوبة الاعتماد على قوة تتمحور حول شخصية من عائلة صالح وتحتفظ بهامش مستقل من القرار.
ومن ثم، فإن إعادة توزيع قوات طارق لا تبدو مجرد إجراء عسكري، بل تعكس اتجاهاً سعودياً نحو تقليص الاعتماد على العائلة وإخضاع نفوذها العسكري لترتيبات أكثر ارتباطاً بالدولة والتحالف.
ومن ثم، فإن تراكم تجربة علي عبدالله صالح، ثم تجربة طارق صالح، بما فيها انحيازه من قبل إلى جانب الانتقالي في هجومه على حضرموت آواخر 2025، ثم سقوط المخا وباب المندب في ظروف غامضة أقرب إلى الخيانة، يجعل من الصعب على الرياض أن تنظر إلى عائلة صالح بوصفها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في إدارة ملف عسكري حساس.
فحتى عندما تستخدم السعودية أو حلفاؤها أفراداً من العائلة في مواجهة الحوثيين، فإن ذلك يبدو أقرب إلى توظيف ظرفي للقدرات المتاحة منه إلى إعادة بناء ثقة سياسية كاملة بالعائلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إعادة توزيع قوات طارق، وفصل المقاومة التهامية وربطها مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف، باعتبارها مؤشراً على أن الرياض تتجه إلى تقليص اعتمادها على طارق بوصفه مركز القوة الوحيد في الساحل، والاحتفاظ به ــ إن استمر في المشهد ــ ضمن ترتيبات عسكرية أكثر ارتباطاً بالقيادة السعودية وأقل قابلية لأن تتحول إلى نفوذ شخصي مستقل.
مستقبل طارق صالح
بعد سقوط المخا وباب المندب، تبدو السعودية أمام معادلة دقيقة في التعامل مع طارق صالح؛ فإقصاؤه الكامل من مجلس القيادة الرئاسي ومن قيادة قواته قد يمنح الرياض مساحة أوسع لإعادة بناء منظومة القوة في الساحل الغربي، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح فراغاً عسكرياً وسياسياً يصعب احتواؤه سريعاً، خصوصاً أن القوات التي يقودها طارق تشكلت خلال سنوات طويلة بدعم إماراتي، وتطورت داخلها شبكات قيادة وتمويل وارتباطات ميدانية لا يمكن إعادة ترتيبها بقرار إداري منفرد.
كما أن إبعاد طارق بصورة حادة قد ينعكس على علاقة السعودية بالمؤتمر الشعبي العام، الحزب الذي يمثل أهم المكونات التي تعتمد عليها الرياض داخل منظومة الشرعية، وقد يُفهم داخل أوساطه بوصفه استهدافاً جديداً لعائلة صالح. لذلك، فإن إخراج طارق من المشهد السياسي والعسكري دفعة واحدة قد تكون كلفته أكبر من مجرد تغيير قائد ميداني.
لهذا يبدو الخيار الأكثر واقعية هو الإبقاء على طارق داخل مجلس القيادة، ولو بدور سياسي أقل تأثيراً، مع تقليص مركزه العسكري بصورة تدريجية.
وتستطيع الرياض في هذه الحالة إعادة تنظيم المقاومة الوطنية وحراس الجمهورية، وإنشاء مراكز قيادة بديلة ترتبط مباشرة بالدولة والتحالف، بحيث تنتقل عملية اتخاذ القرار العسكري من دائرة القيادة الشخصية إلى منظومة أكثر تعدداً، وفي هذا السياق، يمكن أن تكون القوة التهامية التي فُصلت أخيراً وربطت مباشرة بالعمليات المشتركة نموذجاً أولياً لهذا الاتجاه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تحل قيادة واحدة محل طارق، فقد يكون الهدف السعودي إعادة توزيع القوة على عدة تشكيلات وقيادات، بما يمنع عودة الساحل إلى نموذج القوة المركزية التي تتمحور حول قائد واحد.
وبهذه الطريقة تستطيع الرياض الاحتفاظ بقدرات القوات الموجودة، مع تقليص قدرة طارق على استخدامها ككتلة عسكرية وسياسية مستقلة.
أما الإقصاء الكامل، فيظل خياراً أكثر كلفة، إذ قد يدفع طارق إلى إعادة بناء موقع سياسي خارج الترتيبات السعودية، كما قد يترك بعض القوات أمام خيارات ولاء أخرى.
وهنا تبرز خصوصية الإرث الإماراتي في الساحل؛ لأن هذه التشكيلات نشأت أصلاً في إطار الدعم الإماراتي، ولا يمكن افتراض أن انتقالها من دائرة نفوذ طارق إلى دائرة النفوذ السعودي سيتم تلقائياً بمجرد تغيير القيادة.
ومن ثم، فإن مصلحة السعودية قد لا تكون في إنهاء دور طارق بقدر ما هي في إنهاء احتكاره للقوة؛ إبقاؤه لاعباً سياسياً يمكن ضبطه، مقابل سحب مركز الثقل العسكري منه تدريجياً، قد يمنح الرياض فرصة لإعادة تشكيل الساحل من دون التسبب بانهيار القوات القائمة أو خلق فراغ تستفيد منه أطراف أخرى.
غير أن نجاح هذا الخيار سيظل مشروطاً بقدرة السعودية على بناء قيادة بديلة قادرة على ملء الدور العسكري الذي كان يؤديه طارق، وإقناع القوات التابعة له بالانخراط في الترتيبات الجديدة.
وبذلك قد يكون الانتقال التدريجي هو المسار الأقل مخاطرة بالنسبة للرياض: الاحتفاظ بطارق داخل المعادلة السياسية، وتقليص نفوذه العسكري، وإعادة توزيع قوات الساحل بين قيادات وتشكيلات مرتبطة مباشرة بالدولة والتحالف، مع تفكيك تدريجي لشبكة النفوذ التي نشأت حوله وحول الدعم الإماراتي السابق، بدلاً من محاولة إزاحته بصورة مفاجئة قبل اكتمال البديل.
المصادر
- طارق صالح في الرياض لبحث تطورات المعارك مع الحوثيين
- الكشف عن معلومات جديدة بشأن مصير طارق صالح والجهة التي غادر إليها
- اليمن: قرار بتشكيل المقاومة التهامية بالتزامن مع التصعيد في عدة جبهات
- "طارق صالح" خارج المشهد.. ماذا جرى في ساعاته الأخيرة في المخا وكيف حضرت الإمارات
- هل تعيد السعودية هندسة قوات الساحل الغربي بعد انتكاسة المقاومة الوطنية؟
- قوات طارق صالح تتهم «الحرس الثوري» بإدارة الهجوم على الساحل الغربي اليمني
- صحفي كان في المخا يكشف ما حدث ليلة سقوط المدينة وهروب طارق صالح
- فوضى واشتباكات.. نهب واسع لمقرات طارق صالح بالمخا عقب أوامر الانسحاب المفاجئة
- مصادر: أسلحة ومشورة إيران ساعدت الحوثيين في اليمن على السيطرة على المخا
- مباحثات سعودية إماراتية بشأن إمكانية عودة الإمارات إلى اليمن
- نجل صالح حاول مساومة الرياض قبل عاصفة الحزم
- صالح يطلب خروجا آمنا والسعودية ترفض


















