الجنوب السوري يضع الأردن أمام نفوذ إسرائيلي متصاعد.. ماذا تخشى عمّان؟

الشيباني أن بلاده تمضي بثبات في تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية
يتعامل الأردن مع التطورات المتسارعة في الجنوب السوري بوصفها ملفًا يرتبط بصورة مباشرة بأمنه الوطني، في ظل مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة رسم الترتيبات الأمنية في المنطقة، وتصاعد المخاوف من أن يؤدي تمدد النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري إلى إنتاج تهديد جديد على الحدود الشمالية للمملكة.
وفي 7 سبتمبر/ أيلول 2026، أكد وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني أن بلاده تمضي بثبات في تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية التي عملت عليها مع الأردن، بهدف إرساء السلام في محافظة السويداء وضمان استقرارها.
وجاء ذلك خلال كلمة الشيباني أمام أعمال الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري؛ حيث شدد على أن الحكومة السورية تعمل لضمان "اندماج محافظة السويداء في نسيجها الوطني، وتمتع أبناء هذا المكون الأصيل بكامل حقوق المواطنة وواجباتها".

أوراق أردنية
ويكتسب اجتماع عمّان الأمني الذي عقد في 23 أغسطس/ آب، أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، بوصفه الدولة المضيفة للقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان، برعاية أردنية ووساطة أميركية.
ويعكس استضافة الاجتماع رغبة عمّان في أن تكون طرفًا حاضرًا في أي ترتيبات أمنية تتعلق بالجنوب السوري، بدلًا من أن تترك التطورات الميدانية تنعكس عليها من دون أن يكون لها تأثير في مسارها.
وفي 24 أغسطس/ آب، أعلن مصدر رسمي أردني أن المملكة استضافت اجتماعًا بين سوريا وإسرائيل لبحث خفض التصعيد وتحقيق التهدئة، بعد القصف الإسرائيلي على الأراضي السورية خلال الأيام السابقة، حسبما نقلت الوكالة الأردنية الرسمية "بترا".
وقال المصدر: إن "الاجتماع، تلبية لطلب من سوريا، استضاف الأردن أمس اجتماعًا بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، لبحث خفض التصعيد وتحقيق التهدئة"، وذلك في أعقاب القصف الإسرائيلي للأراضي السورية الأسبوع الماضي وتصاعد التوترات في الجنوب السوري.
وفي 18 أغسطس/ آب، شنت طائرات حربية إسرائيلية 8 غارات على مدرج مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، ما ألحق أضرارًا ببنيته التحتية.
ويرى المحلل السياسي الأردني حازم عياد أن لدى الأردن مجموعة من "الأوراق الرابحة" التي تمنحه قدرة على التأثير في الملف السوري، في مقدمتها علاقته الإيجابية والمتوازنة مع دمشق، والتي تتطور سياسيًا واقتصاديًا، إلى جانب حاجة سوريا إلى الأردن في المجال الاقتصادي وفي تعزيز انفتاحها على الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وأضاف عياد لـ"الاستقلال" أن علاقة الأردن المتطورة مع تركيا تمثل ورقة أخرى، بتقدير أن أنقرة أحد الفاعلين الأساسيين في الملف السوري، فضلًا عن القرب الجغرافي للأردن من الجنوب السوري، مؤكدًا أنه "لا يمكن إجراء أي ترتيبات في الجنوب السوري، بما فيها منطقة السويداء، دون أن يكون للأردن دور فيها".

نفوذ متشابك
وبحسب حازم عياد، فإن علاقة الأردن بالولايات المتحدة تمثل بدورها ورقة مهمة، خصوصًا مع قدرة عمّان على التأثير في الموقف الأميركي ومحاولة تخفيف حدة الدعم لإسرائيل.
وحذّر الخبير الأردني من أن استمرار هذا الدعم قد يقوض علاقات واشنطن مع دول المنطقة، وبينها الأردن، ويهدد المصالح الأردنية الأميركية المشتركة، فضلًا عن تأثيره على فرص تطوير العلاقات السورية الأميركية وعلى مستوى الثقة بالموقف الأميركي لدى دول الخليج.
وأوضح عياد أن الأردن كان "أحد الضامنين" للاتفاق المتعلق بالسويداء، إلى جانب حضور أميركي وإسرائيلي غير مباشر، ما يجعله طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات الجنوب السوري، مؤكدًا أن إسرائيل لم تتمكن من تحييد دوره في المنطقة، بسبب ارتباط استقرار الجنوب بصورة مباشرة بأمن الأردن القومي.
وبيّن الخبير أن حالة الفوضى في السويداء تحمل تداعيات أمنية على الأردن، خصوصًا لناحية التهريب والاضطرابات الأمنية ومحاولات اختراق الحدود وارتباطها بمجموعات وعصابات إجرامية. مشيرًا إلى أن استمرار هذه الحالة "لا يخدم الاستقرار في المنطقة".
ورأى عياد أن هذه المعطيات تدعم الموقفين الأردني والسوري في مواجهة السردية الإسرائيلية التي يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تعزيزها في الجنوب السوري، مقدرا أن هذه السردية تقود في نهاية المطاف إلى تقويض الأمن والاستقرار.
ولفت إلى أن حاجة الولايات المتحدة إلى الأردن في المرحلة الحالية تمنح عمّان ورقة إضافية، وتعزز مكانتها بوصفها "ركيزة أساسية في استقرار المنطقة"، بما يتيح لها، بالتعاون مع تركيا وسوريا، الضغط على واشنطن لدفع إسرائيل إلى التراجع عن بعض خطواتها، أو على الأقل احتواء تهديداتها في الجنوب السوري بصورة تدريجية.

عمق إستراتيجي
وتتقاطع هذه الرؤية مع مخاوف أردنية من أن يتحول الجنوب السوري إلى مصدر تهديد مختلف عن التهديدات التي عرفتها المملكة سابقًا؛ إذ تنظر عمّان إلى استقرار الجنوب بوصفه جزءًا من أمنها الحدودي، بعد سنوات من مواجهة عمليات تهريب المخدرات والأسلحة، دفعتها إلى شن ضربات جوية داخل سوريا.
ورغم تراجع مصادر التهديد القادمة من السويداء وانخفاض عمليات التهريب، بحسب تقديرات أردنية، فإن المخاوف لم تنتهِ، في ظل احتمال تشكل ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب أو ارتباط قوى محلية بإسرائيل، بما قد يفرض على الأردن التعامل مع واقع حدودي جديد.
وفي هذا السياق، يرى الباحث وأستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي أن أمن الحدود الأردنية يرتبط بضرورة أن تكون عمّان "جزءًا أصيلًا من أية ترتيبات وتفاهمات أمنية مقبلة"، نظرًا لما يشكله الجنوب السوري من عمق حيوي مباشر للمملكة.
وفي حديث لموقع "سي إن إن" بالعربية في 7 سبتمبر/ أيلول، نبه الماضي إلى الخطورة الإستراتيجية للتحركات الإسرائيلية، قائلًا: "سيطرة إسرائيل أو تمدد نفوذها في الجنوب يعني عمليًا إعادة وصل محافظة السويداء بشمال فلسطين المحتلة".
وأوضح أن هذا المسار يهدف إلى إيجاد واقع جيوسياسي وأمني جديد يمتد على طول الحدود الأردنية، مشيرًا إلى أن ذلك سيؤدي حتمًا إلى "تطويق الأردن جغرافيًا وأمنيًا من حدوده الغربية والشمالية"، وهو ما يشكل، وفق تقديره، محاولة لإضعاف الأردن وموقفه الأمني والسياسي في الملفين السوري والفلسطيني.
ومن زاوية أخرى، قال الكاتب والمحلل محمد علي الزعبي: إن السويداء لم تعد مجرد أزمة سورية داخلية، بل باتت "اختبارًا حقيقيًا لشكل المنطقة التي ستتكوّن على حدود الأردن"، بتقدير أن أي تغيير في تركيبة المحافظة أو وضعها الأمني والسياسي سينعكس بصورة مباشرة على أمن المملكة وحدودها الشمالية.
وحذّر الزعبي، خلال مقال نشره موقع "جفرا نيوز" الأردني في 24 أغسطس/ آب، من أن انتقال فكرة الإدارة الذاتية من مطلب محلي إلى مشروع انفصال، مع ارتباطها بقوة خارجية لها أطماع أمنية وجغرافية في الجنوب السوري، قد يفتح الباب أمام واقع جديد ملاصق للأردن.
وأشار الزعبي إلى أن حديث حكمت الهجري في مقابلة مع إعلام إسرائيلي عن رؤية أبناء السويداء لأنفسهم "جزءًا لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل"، وعدّ إسرائيل الجهة التي يمكن أن تضمن الترتيبات المستقبلية، بالتزامن مع طرح استقلال السويداء، يثير مخاوف من نشوء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية المحاذية للأردن.
وأوضح أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في ضم إسرائيل للسويداء بصورة مباشرة، وإنما في إقامة منظومة نفوذ تجعل المحافظة منفصلة عمليًا عن دمشق ومرتبطة أمنيًا بإسرائيل، بما يحول الجنوب السوري، وفي مقدمته السويداء، إلى منطقة نفوذ أو عازلة أو ورقة تفاوضية تعيد إسرائيل من خلالها تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالأردن.
وفي المقابل، أدان الأردن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة واحترام اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وأكد الزعبي أن الأردن لا يستطيع التعامل مع السويداء بوصفها شأنًا سوريًا داخليًا؛ لأن موقعها في الجنوب السوري يجعل أي فراغ أمني أو تفكك فيها قابلًا للارتداد على الحدود الأردنية، سواء عبر الفوضى أو التهريب أو الجماعات العابرة للحدود أو تمدد النفوذ الخارجي.
ولذلك، فإن وحدة الدولة السورية تمثل بالنسبة إلى عمّان “حاجة أمنية إستراتيجية”؛ لأن وجود سلطة سورية قادرة على ضبط الجنوب يشكل حاجزًا أمام انتقال الاضطراب إلى الأردن. وفقًا للزعبي.

مكاسب اقتصادية
ولا تتوقف الحسابات الأردنية في الجنوب السوري عند حدود الأمن والجغرافيا؛ إذ يرى حازم عياد أن المصالح الأردنية في المنطقة "قوية"، ولا تقتصر على التقديرات الأمنية والجغرافية والجيوسياسية، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي، في ظل العلاقات الأردنية السورية المتنامية ومصالح الطاقة والتجارة التي يمكن أن تنشأ بين البلدين.
وأضاف عياد أن استقرار الجنوب السوري يمكن أن يفتح المجال أمام انفتاح أكبر على لبنان، وبدائل اقتصادية باتجاه تركيا وسوريا، فضلًا عن ممرات جديدة وبنى تحتية مرتبطة بالسكك الحديد وطرق الترانزيت، وهو ما يوفّر للأردن خيارات إضافية في ظل التدهور الأمني في البحر الأحمر والخليج العربي.
ومن هذا المنظور، يرى الخبير الأردني أن استقرار الجنوب بالنسبة إلى عمّان مرتبط بإمكانية الانتقال من التعامل مع المنطقة بوصفها مصدرًا محتملًا للتهديد إلى التعامل معها بوصفها مساحة للمصالح الأمنية والاقتصادية.
لكن ذلك، وفقًا لما يطرحه عياد، يتطلب حضورًا أردنيًا في الترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بالجنوب، وعدم ترك المجال أمام ترتيبات يمكن أن تتشكل بمعزل عن مصالح المملكة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع محاولة عمّان الموازنة بين الأمن والمصالح الاقتصادية؛ إذ إن استقرار الجنوب السوري يمكن أن يفتح الطريق أمام تنشيط التجارة والطاقة والمياه، فضلًا عن تسهيل عودة اللاجئين السوريين، فقد عاد نحو 220 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم حتى نهاية يوليو/ تموز 2026.
وفي هذا الإطار، يختصر عياد طبيعة الرهان الأردني بالقول إن الأردن "معني بالفعل باستثمار كامل طاقاته الدبلوماسية والسياسية والجيوسياسية" للتأثير في الموقف الأميركي وتطورات المشهد في الجنوب السوري.
وخلص الخبير الأردني إلى أن المنطقة تمثل بالنسبة إلى عمّان مصلحة حيوية وتحديًا في الوقت ذاته، وأن الأردن لا يستطيع التخلي عن خياراته التي تمنحه القدرة على المناورة وتعزيز مصالحه وموقعه كدولة مستقرة في الإقليم.















