أبو ظبي في مرمى الجزائر.. كيف انتقلت الخلافات من الإقليم إلى الداخل؟

"الجزائر كان بوسعها قطع العلاقات في وقت أبكر"
جاء قرار الجزائر قطع علاقاتها بأبو ظبي نتيجة تحوّل تدريجي أعادت خلاله الجزائر ربط عدة ملفات كانت تديرها بشكل منفصل، لتصبح جميعها مرتبطة بمسألة واحدة هي السيادة والأمن القومي.
ووفق تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، فإن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، في 10 سبتمبر/أيلول 2026، لا يمكن تفسيره بمجرد جمع الخلافات حول إقليم الصحراء الغربية وإسرائيل وليبيا والساحل؛ إذ إن معظم هذه الخلافات قائم منذ سنوات.
وأوضح التقرير أن ما تغيّر هو العلاقة بين هذه الملفات؛ فالقضايا التي كانت الجزائر تتعامل معها كل على حدة باتت مرتبطة تدريجيا بالسؤال نفسه: هل تشكل تحركات الإمارات تهديدا للسيادة والأمن القومي الجزائريين؟
ولسنوات، استطاعت الجزائر معارضة الخيارات الإقليمية الإماراتية مع الحفاظ على التعاون الثنائي.
ففي فبراير/شباط 2023، استضافت الجزائر الدورة الحادية عشرة للجنة التعاون العسكري المشترك، واستقبل رئيس الأركان، السعيد شنقريحة، الرئيس الإماراتي المشارك في اللجنة.
كما اجتمعت اللجنة الاقتصادية الثنائية في أبو ظبي في الشهر نفسه، وخرجت بعدة اتفاقات، بينما كان مسؤولون جزائريون لا يزالون يتحدثون عن شراكة إستراتيجية محتملة.
واستمرت الاتصالات السياسية أيضا؛ حيث تبادل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ونظيره الإماراتي محمد بن زايد، حديثا قصيرا على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، خلال يونيو/حزيران 2024، رغم تصاعد التوتر بين البلدين.
وبيّن التقرير أن استمرار هذا التواصل مهم؛ لأن الإمارات كانت قد اتخذت بالفعل مواقف تعارض مباشرة السياسة الخارجية الجزائرية.
ففي عام 2020، افتتحت قنصلية في مدينة العيون دعما لموقف المغرب بشأن إقليم الصحراء الغربية، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو المطالبة بالاستقلال. كما طبّعت أبو ظبي علاقاتها مع إسرائيل، ودعمت القائد العسكري خليفة حفتر في ليبيا.
لكن أيا من هذه الخلافات لم يجعل التعاون مستحيلا، ولسنوات، حافظت الجزائر على فصل خلافاتها مع الإمارات بشأن ملفات المنطقة عن العلاقة الثنائية بين البلدين.

تشابك الملفات
ورأى التقرير أن هذا الفصل أصبح أصعب بدءا من أواخر 2023، حيث عزت وسائل إعلام قريبة من الحكومة لاحقا إخفاق الجزائر في الانضمام إلى مجموعة "بريكس" الموسعة إلى مناورات إماراتية ضد ترشحها.
وذكرت التغطية الرسمية الجزائرية وجود معارضة إماراتية خلال مداولات "بريكس"، رغم عدم إعلان تفاصيل عملية صنع القرار داخل الدول الأعضاء.
وأشار الموقع البريطاني إلى أن أهمية الاتهام تتجاوز تفاصيل النزاع نفسه؛ إذ باتت أبو ظبي جزءا من تفسير الجزائر لهذه النكسة الدبلوماسية، بعدما كانت تنظر إليها بوصفها طرفا في نزاعات تجري خارج الجزائر.
ونبّه إلى أن تراجع موقع الجزائر في مالي حمل وزنا أكبر؛ إذ انتزعت القوات المالية وشركاؤها الروس مدينة كيدال من تحالف متمردين انفصاليين، غالبيتهم من الطوارق، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ثم أنهت باماكو اتفاق السلام لعام 2015 الذي توسطت فيه الجزائر، في يناير/كانون الثاني التالي.
وذكر أن الاتفاق منح الجزائر دورا مؤسسيا في إدارة نزاع على طول حدودها الجنوبية، وأن انهياره قلّص نفوذها في شمال مالي وأضعف إحدى الآليات التي أدارت من خلالها محيطها الأمني المباشر.
وأوضح التقرير أن الإمارات لم تكن سبب هذا التسلسل؛ إذ كان لباماكو وموسكو والجزائر نفسها أدوار في هذا التدهور.
لكنه لفت إلى أن أبو ظبي لم تكن غائبة عن مالي؛ إذ طورت تعاونا أمنيا مع باماكو، وأسهمت بـ30 مليون يورو في قوة مجموعة الساحل الخماسية لمكافحة الإرهاب، وزودت الجيش المالي بمدرعات.
وبيّن أنه مع تراجع نفوذ الجزائر في مالي، أصبح من الأسهل في الجزائر النظر إلى الحضور الأمني الإماراتي بوصفه جزءا من نفوذ إقليمي أوسع.
تحكيم دولي
ولاحظ التقرير أن التحول اتخذ لاحقا طابعا مؤسسيا، ففي 10 يناير/كانون الثاني 2024، ناقش "المجلس الأعلى للأمن" في الجزائر تطورات دول الجوار والساحل، وندّد بأفعال عدائية من "دولة عربية شقيقة" دون تسميتها.
وأضاف أن الإمارات لم تُذكر بالاسم، لكن الخلاف وصل إلى أعلى مؤسسة أمنية في الجزائر، وتكرر القلق نفسه خلال العامين التاليين في خطاب الرئاسة، وقيود فرضتها وزارة العدل على معاملات تجارية محددة مرتبطة بالإمارات، إضافة إلى الإعلام الرسمي.
وذكر أنه في مايو/أيار 2025، بثّت قناة “سكاي نيوز عربية” التي تديرها الإمارات، مقابلة مع الأكاديمي الجزائري محمد الأمين بلغيث، وصف فيها الهوية الأمازيغية بأنها صناعة فرنسية صهيونية، لكن رد الفعل في الجزائر تجاوز مجرد الاعتراض على تصريحاته.
وأوضح أن المحافظة السامية للأمازيغية أدانت التصريحات، فيما تعامل التلفزيون الرسمي مع البثّ بوصفه هجوما على الهوية والوحدة الوطنية، وهكذا أصبحت منصة إعلامية إماراتية طرفا في سجال حول تماسك الجزائر الداخلي.
وأورد أنه بحلول فبراير/شباط 2026، بات الرئيس تبون يعبّر عن هذا التحول علنا؛ إذ اتهم الإمارات، من دون تسميتها، بالتدخل في الانتخابات الجزائرية، وأشار في المقابلة نفسها إلى تهديدات باللجوء إلى تحكيم دولي بشأن استثمارات إماراتية.
ولفت التقرير إلى أن الأدلة التي تستند إليها هذه الاتهامات لم تُعلن، ما يجعل آثارها السياسية والدبلوماسية أكثر أهمية من إثباتها؛ إذ بات الرئيس نفسه يضع العلاقة ضمن مسائل السيادة السياسية الداخلية، وليس المنافسة الإقليمية وحدها.
وبيّن التقرير أن العلاقات الاقتصادية توضح لماذا لم يؤد هذا التحول السياسي إلى قطيعة فورية.
فمنذ مطلع 2024، أُوعز إلى الموثقين الجزائريين بوقف إبرام معاملات تشمل شركات في شراكة التبغ الجزائرية-الإماراتية، ثم استهدفت تحقيقات لاحقة أطرافا مرتبطة بالقطاع نفسه.
واستدرك أن بعض الترتيبات الاقتصادية استمرت؛ إذ واصلت شركة "موانئ دبي العالمية" الإماراتية العمل في ميناءي "الجزائر" و"جن جن"، فيما بقيت شركة "صافاف" لصناعة السيارات في تيارت شراكة تضم شركة "آبار" الإماراتية للاستثمار، وفقا لوزارة الدفاع الجزائرية.
وأوضح أن استمرار هذه الروابط لا يضعف الحجة الأمنية، بل يكشف اختلافا في الإيقاع؛ فالدولة تستطيع إعادة تعريف شريك سياسيا أسرع مما تستطيع تفكيك امتيازات وعقود ومشاريع مشتركة تراكمت على مدى سنوات.
وأضاف أن إشارة تبون إلى تحكيم دولي محتمل توضح هذا القيد؛ إذ أصبحت العلاقة الاقتصادية جزءا من الصراع، لكنها في الوقت نفسه حدّت من سرعة تحوله إلى فك ارتباط فعلي.
ونبّه إلى أن التأخر نفسه ظهر في قطاع الطيران، فقد بدأت الجزائر إنهاء اتفاق الخدمات الجوية الثنائي في فبراير/شباط، رغم أن هيئة الطيران المدني الإماراتية أشارت إلى استمرار الرحلات خلال مهلة الإشعار القانونية.
وذكر أنه عندما أغلقت الجزائر لاحقا مجالها الجوي أمام الطائرات المسجلة في الإمارات، استُثنيت مؤقتا الرحلات التجارية إلى الجزائر حتى نهاية 2026، وحتى عند لحظة القطيعة الدبلوماسية، ظل الفصل العملي بين البلدين غير مكتمل.

لماذا الآن؟
ورأى التقرير أن مالي وحدها لا تفسّر توقيت قرار سبتمبر؛ فالجزائر ومالي أعادتا العلاقات على مستوى السفراء وفتحتا مجاليهما الجويين في يوليو/تموز، بعد أزمة ثنائية خطيرة.
وأوضح أن تحسن العلاقات مع باماكو لم ينعكس على الخلاف مع أبو ظبي؛ لأن الخلاف الإماراتي كان قد اكتسب بالفعل معنى أوسع.
وأورد أن تبون قال، في يوليو: إن الجزائر كان بوسعها قطع العلاقات في وقت أبكر، لكنها أحجمت عن ذلك لأنها لم تُرد تعميق الانقسامات في العالم العربي.
ويشير ذلك إلى أن القطيعة كانت خيارًا سياسيًا مطروحًا قبل سبتمبر، ولم تكن تتطلب بالضرورة محفّزا جديدا بعينه.
وطرح التقرير قراءة أخرى محتملة، مفادها أن استبعاد الجزائر من "بريكس" الموسعة وتراجع دورها الوسيط في مالي يمثلان نكستين لهما أسباب متعددة، بينها قرارات اتخذتها باماكو وموسكو، إلى جانب خيارات الجزائر نفسها.
ولذلك، كما بيّن، تصاعد التركيز على أبو ظبي داخل بيئة إقليمية لا يمكن تفسير تحولاتِها بدور فاعل خارجي واحد.
وأوضح أنه في غياب وثائق معلنة أو إجراءات قانونية رسمية، يظل الخلاف قائما على التصريحات الرسمية والتدابير المؤسسية، لكن ذلك لا يلغي التغير الذي طرأ على طريقة تعامل الدولة معه.
وأكَّد أن ما يميز المرحلة الأخيرة من الخلاف هو أن نكسات السياسة الخارجية، ومزاعم التدخل السياسي، والسجالات الإعلامية، والقيود الاقتصادية الانتقائية، لم تعد تُعامل بوصفها ملفات منفصلة، بل باتت تُربط عبر لغة واحدة عن السيادة والأمن القومي.
وختم التقرير بأن هذا القلق لم يبدأ مع الدولة في 2026، فخلال الحراك، حركة الاحتجاج الواسعة التي انطلقت في 2019 ضد ترشح الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، كان بعض المحتجين يرتابون بالفعل في أبو ظبي ويتهمونها بدعم قوى تسعى إلى الإبقاء على النظام السياسي القائم.
وأضاف أنه بعد سبع سنوات، أصبح الارتياب الذي ظهر خلال الاحتجاجات جزءا من مؤسسات الدولة، ما يساعد على تفسير الصدى الداخلي للقطيعة، من دون أن يعني ذلك أن اتهامات الدولة اليوم للإمارات هي نفسها اتهامات الحراك.
















