من السجاد الأحمر إلى حرب السودان.. ماذا تريد ألمانيا من ابن زايد؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

سادت حالة استنفار أمني في محيط فندق "والدورف أستوريا" في برلين؛ حيث اصطفت سيارات الشرطة الواحدة تلو الأخرى، فيما أُغلقت شوارع بأكملها أمام حركة المرور. 

وأتى هذا الانتشار الأمني المكثف على خلفية زيارة رئيس الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان، إلى العاصمة الألمانية في زيارة دولة، وهو حاكم وصفته صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" أنه "يسعى بكل قوة لتحويل بلاده إلى قوة عالمية كبرى".

مع ذلك، وجهت الصحيفة الألمانية انتقادات للإمارات مشيرة إلى أنه "يصعب تجاهل حقيقة أن أبوظبي رغم أهميتها الإستراتيجية، تعتبر أيضا شريكا مثيرا للجدل".

أهمية خاصة

وأشارت إلى أن "الزيارة تكتسب أهمية خاصة؛ إذ إنها أول زيارة دولة يجريها رئيس إماراتي إلى ألمانيا منذ استقلال الإمارات عام 1971".

وتابعت: "وبعد ذلك بوقت قصير، أقامت جمهورية ألمانيا الاتحادية والإمارات علاقات دبلوماسية، وبعد نحو 50 عاما، تستقبل ألمانيا الحاكم الإماراتي بكل مراسم التكريم الرسمية وتفرش له السجاد الأحمر".

وأمضى محمد بن زايد يومين في ألمانيا، وأجرى مباحثات مع المستشار فريدريش ميرتس، من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

"كما التقى الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير مرتين، الأولى في فيلا بورزيغ، والثانية في مقر إقامته الجديد عند منحنى نهر شبريه في الحي الحكومي ببرلين، والذي بدأ استخدامه منذ يوليو/ تموز 2026 مقرا مؤقتا للرئيس، ويبدو لكثيرين أقل فخامة من المقر السابق". على حد تعبيرها.

عقب ذلك، توجه الرئيس الإماراتي إلى ميونيخ؛ حيث التقى رئيس وزراء ولاية بافاريا ماركوس زودر، من "الاتحاد الاجتماعي المسيحي"، وشارك في منتدى اقتصادي مع وزيرة الاقتصاد الاتحادية كاترينا رايش، من "الاتحاد الديمقراطي المسيحي".

وبحسب الصحيفة، "سلطت الزيارة الضوء على الشراكة الإستراتيجية القائمة بين ألمانيا والإمارات".

وصرّحت وزيرة الدولة الإماراتية لانا نسيبة من برلين: "ينبغي أن تتطور الشراكة الإستراتيجية من النوايا المشتركة إلى العمل المشترك". 

وأضافت أن الزيارة تمثّل بداية فصل جديد في العلاقات، مشيرة إلى إبرام العديد من الاتفاقات التي تبلغ قيمتها مليارات اليورو في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة.

وعقّبت الصحيفة: "تعد المصالح الاقتصادية في مقدمة العوامل التي تربط البلدين، ووفقا لوزارة الخارجية الألمانية، يوجد نحو 2000 شركة ألمانية في الإمارات".

علاوة على ذلك، "تعد الإمارات أهم شريك تجاري لألمانيا في منطقة الخليج؛ إذ بلغ حجم التجارة بين الجانبين نحو 13 مليار يورو عام 2025، بحسب مصادر حكومية".

وأضافت أنه "وفقا لهذه المصادر، تسجل ألمانيا فائضا تجاريا كبيرا للغاية؛ إذ بلغت صادراتها إلى الإمارات 11 مليار يورو، مقابل واردات لم تتجاوز ملياري يورو من الدولة الخليجية".

وفي موازاة ذلك، تناولت الزيارة المباحثات قضايا الأمن والسياسة الخارجية، بحسب ما أفادت به مصادر في برلين، كما وُقعت عدد من مذكرات التفاهم، لا سيما في مجالي الطاقة والبيئة.

كما أعلن الجانبان عن عزمهما إنشاء مجلس استثمار إماراتي-ألماني مشترك، يضم ممثلين عن قطاعي الاقتصاد والسياسة لبحث مجالات التعاون المستقبلية. 

وذكر التقرير أنه "في المجال الرقمي، جرى الإعداد لتعاون شامل يشمل التوسع في إنشاء مراكز البيانات".

بالإضافة إلى ذلك، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجال مكافحة الجريمة، بما في ذلك إبرام اتفاق للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية.

"أيضا، اتفقت الحكومتان على تعزيز التعاون في مجال السياسة الأمنية، بما في ذلك التعاون في مجال الصناعات الدفاعية"، بحسب مصادر حكومية للصحيفة.

وعزت الصحيفة تعزيز التعاون الأمني بين البلدين إلى تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على الإمارات التي تعرضت مرارا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، فضلا عن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن تعطل صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

أسئلة صعبة

على الجانب الآخر، أشارت الصحيفة إلى أن "خطط التعاون المنتظرة بين الجانبين أثارت موجة من الانتقادات؛ إذ خرجت مظاهرات في العاصمة برلين، احتجاجا على زيارة الرئيس الإماراتي".

وأرجعت ذلك إلى أن "الإمارات تواجه اتهامات بتزويد مليشيا الدعم السريع شبه العسكرية في الحرب الأهلية السودانية بالأسلحة".

وقالت خبيرة السياسة الخارجية في حزب الخضر، لويزه آمستبرغ، لصحيفة "زود دويتشه تسايتونغ": "إذا كان فريدريش ميرتس يريد مزيدا من التجارة والاستثمارات، بل وحتى مزيدا من التعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع الإمارات، فعليه أيضا أن يتحلى بالشجاعة لمواجهة الإمارات بالأسئلة الصعبة". 

وأضافت أن "الاتهامات الخطيرة الموجهة إلى الإمارات بسبب دعمها أحد طرفي الحرب في السودان تستدعي توجيه رسائل واضحة وممارسة ضغوط سياسية ملموسة".

وقالت: "إذا كانت الحكومة الاتحادية جادة بشأن إنهاء الحرب، فلا ينبغي أن يختفي السودان مجددا خلف المصالح الاقتصادية والشراكات الجيوسياسية".

بدوره، انتقد حزب اليسار المستشار ميرتس على خلفية زيارة ابن زايد إلى برلين.

وقالت رئيسة الحزب إينيس شفردتنر لصحيفة "فيلت" الألمانية: "يفرش فريدريش ميرتس السجاد الأحمر لمحمد بن زايد، رغم أن الإمارات تدعم مليشيا الدعم السريع الوحشية في السودان بالأسلحة والمرتزقة".

وأضافت رئيسة حزب اليسار: "هذه الميليشيا مسؤولة عن مجازر بحق المدنيين وارتكاب أخطر الجرائم في دارفور". 

وتابعت: "من يستقبل الإمارات في ظل هذه الظروف بوصفها شريكا إستراتيجيا، لا يجوز له أن يصمت بشأن دورها في السودان".

وعقّبت الصحيفة: "تتعرض الإمارات لانتقادات بسبب دعمها قوات الدعم السريع في السودان، كما تتهم الأمم المتحدة الميليشيا، من بين أمور أخرى، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وفقا لما ذكرته مجموعة تحقيق تابعة للأمم المتحدة".

في هذا السياق، "طالب حزب اليسار المستشار الألماني بتوجيه رسائل واضحة وعلنية بشأن المجازر المرتكبة في دارفور".

وقالت شفردتنر لصحيفة "فيلت": إنه "من الواضح أن الدبلوماسية الهادئة خلف الأبواب المغلقة لم تنجح".

وأردفت: "يتعين على ميرتس مواجهة ابن زايد بهذه الاتهامات، وتوضيح الأمر بشكل لا لبس فيه: من يدعم مليشيا إبادة جماعية، لا يمكن أن يكون شريكا إستراتيجيا عاديا لألمانيا". 

كما يتعيّن على ميرتس، بحسب شفردتنر، "أن يوضح بشكل صريح أن رئيس الإمارات يتحمل مسؤولية مشتركة عن عمليات التطهير العرقي في دارفور".

من جانبها، ذكّرت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" بأن "تقريرا نشرته مؤسسة العلوم والسياسة (SWP) في مايو/ أيار 2026 خلص إلى أن وقف الإمارات دعمها لمليشيا الدعم السريع وإنهاء الحرب في السودان يصبان أيضا في مصلحة ألمانيا".

وأوضحت أن "معدي التقرير رأوا أن القيادة الإماراتية تواصل إنكار (دعمها للجهات المسلحة)، رغم أن هذا الدعم، بحسب تقديرهم، يقوض أيضا مصالح أوروبا في الحفاظ على استقرار طرق التجارة، ومعالجة أسباب الهجرة واللجوء، وتعزيز التكامل الإقليمي".

تحدٍّ أساسي

في السياق ذاته، كتب المحرر الأول في قسم السياسة الخارجية في صحيفة "فيلت"، دانييل-ديلان بومر: يشترك الخليجيون مع الأوروبيين في مصلحة سياسية واحدة على الأقل، تتمثل في تحقيق قدر من الاستقلالية الإستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا والولايات المتحدة".

"ومن هذا المنطلق، يمثل الخليجيون شركاء جيدين، لكنهم ليسوا شركاء سهلين"، بحسب وصفه.

وفسر حديثه: "فالإمارات ليست دولة ديمقراطية تقوم على الانتخابات، وإنما ملكية وفق نموذج تقليدي، ولا توجد فيها حرية تعبير أو نقاش نقدي بالمعايير الأوروبية، كما أن الدولة تفرض رؤيتها للأمور في المجال العام أحيانا بقدر كبير من الحزم".

وأضاف: "رغم أن حقوق المرأة في الإمارات أفضل بكثير مما هي عليه في العديد من الدول العربية الأخرى، فإنها لا تزال دون مستوى نظيرتها في الدول الغربية".

على صعيد السياسة الخارجية، أشار بومر كذلك إلى أن الإمارات "تدعم مليشيات مثل الدعم السريع في السودان، التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان".

ومن ثم، خلص إلى أن "الإمارات تمثل حالة تطبيقية للتحدي الأساسي الذي تواجهه ألمانيا وأوروبا في السياسة الخارجية في عصرنا الحالي: كيف تستطيع الدول الديمقراطية الحفاظ على نفوذها ومصالحها في عالم لم يعد من الممكن فيه (تهذيب) الأنظمة الاستبدادية، كما كان يحدث في السابق، من خلال القوة الاقتصادية الغربية".

وفيما بدا أنه تبرير لتعميق العلاقات بين برلين وأبوظبي، قال بومر: "إذا اقتصرت أوروبا في هذا العالم على إقامة علاقات مع الأطراف التي تشاركها بالكامل فهمها للقيم السياسية الأساسية، فإنها ستجد نفسها معزولة إلى حد يجعلها ضعيفة في نهاية المطاف، بما يعرض الديمقراطية وحقوق الإنسان للخطر حتى داخل القارة نفسها".

وتابع: "أما إذا اختارت أوروبا تقديم تنازلات، فعليها أن تحدد شركاءها على أساس ما يمكن أن يحققوه من منفعة إستراتيجية تتوافق قدر الإمكان مع أهدافها السياسية، وتتيح لها أكبر هامش ممكن للمناورة".

واختتم قائلا: "هذه هي الموازنة التي كثيرا ما يسمعها المرء في الآونة الأخيرة من الدبلوماسيين الألمان وأعضاء الحكومة الألمانية، ومن المرجح أن تكون السبب الرئيس الذي يدفع برلين إلى الارتقاء بهذه الشراكة".

ولم تختلف صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" مع هذا الطرح؛ إذ تقدر أن "زيارة ابن زايد التي استغرقت يومين مدفوعة بدوافع مالية، فهو يسعى إلى توسيع نفوذ بلاده لتصبح قوة عالمية مهما كلف الأمر، وألمانيا تتودد إليه".

وأضافت أن أبوظبي "تعد بالفعل أهم شريك تجاري لألمانيا في منطقة الخليج، كما ينظر إليها بوصفها عامل استقرار في المنطقة، وشريكا مهما في أوقات الاضطرابات، في ظل علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل والدول الغربية".

ومن ثم، تعتقد صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" أنه "من المنظور الجيوسياسي، سيكون من قصر النظر ألا تنسق ألمانيا مواقفها مع الإمارات".

لكنها شددت في الوقت ذاته على "ضرورة عدم غض الطرف عن قضايا حقوق الإنسان والسياسة الخارجية الإماراتية، ولا سيما عندما تتعارض مع المصالح الأوروبية".

واستطردت: "لا يمكن تجاهل حقوق الإنسان والقانون الدولي لأسباب جيوسياسية، ويمكن معالجة هذه القضايا مع الشركاء المهمين، حتى في المآدب الرسمية".