3.5 مليارات يورو.. هل بإمكان “درع أخيل” اليوناني الإسرائيلي تهديد تركيا؟

"درع أخيل" أقرب إلى مشروع يعزز بعض القدرات الدفاعية أكثر من كونه تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية
تسعى اليونان إلى إحداث تحول نوعي في قدراتها الدفاعية من خلال إطلاق مشروع جديد يحمل اسم "درع أخيل"، وهو برنامج دفاع جوي متعدد الطبقات يعتمد على اقتناء منظومات إسرائيلية متطورة، بتكلفة تُقدَّر بما بين 3 و3.5 مليارات يورو.
وتقدّم أثينا المشروع بوصفه خطوة إستراتيجية تهدف إلى حماية مجالها الجوي في ظل تصاعد التحديات الإقليمية.
وفي مقال نشرته صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية، أشار الكاتب التركي جورسال تُوكماك أوغلو إلى أن المشروع يثير تساؤلات بشأن قدرته على تجاوز القيود الجغرافية والعسكرية التي تواجهها اليونان.
فبينما ترى الحكومة اليونانية أن الصفقة ستسهم في تعزيز أمنها القومي، يشكك عدد من الخبراء في إمكانية تحويلها إلى منظومة دفاعية متكاملة، مقدرين أن المشكلات البنيوية التي تعانيها البلاد أعمق من أن تُعالج بمجرد شراء أنظمة تسليح جديدة.

التحدي الأكبر
وذكر الكاتب التركي أنّ الطبيعة الجغرافية لليونان تمثّل العقبة الأساسية أمام إنشاء شبكة دفاع جوي وطنية موحدة.
فالبلاد تتكون من البر الرئيس ومئات الجزر المنتشرة في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، إضافة إلى قواعد عسكرية وجوية وبحرية متباعدة جغرافياً.
وتضم هذه القواعد مواقع ذات أهمية إستراتيجية؛ مثل قاعدة "سودا" في جزيرة كريت، وميناء "ألكسندروبولي" في منطقة تراقيا، وقاعدة "أن درافيدا" التي تستعد لاستقبال مقاتلات "إف- 35"، فضلاً عن القواعد الموجودة في أثينا ولاريسا.
ورغم الأهمية العسكرية لكلٍّ من هذه المواقع، فإن ربطها جميعاً ضمن شبكة دفاع جوي واحدة يتطلب منظومة قيادة وسيطرة واتصالات واستخبارات تعمل بصورة متكاملة، وهو ما يفرض تحديات تقنية ولوجستية ومالية كبيرة.
كما أن توزيع الجزر على مساحات واسعة يجعل توفير تغطية رادارية ودفاعية متصلة أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في ظل الحاجة إلى نشر بطاريات دفاع جوي في مناطق متفرقة، وربطها بشبكات اتصالات مؤمّنة وقادرة على مواجهة التشويش والهجمات الإلكترونية.
وأضاف الكاتب أنّ هذه التحديات تتزايد مع التطور المستمر في طبيعة التهديدات العسكرية.
فقد أظهرت الحروب الأخيرة أن الدفاع الجوي لم يعد يعتمد على اعتراض الصواريخ التقليدية فقط، بل أصبح يتطلب التعامل مع هجمات متزامنة تشمل الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة بأعداد كبيرة.
وهذا يستلزم منظومة متكاملة تشمل الرادارات، والحرب الإلكترونية، والقدرات السيبرانية، والأقمار الصناعية، وأنظمة القيادة والسيطرة، وليس مجرد امتلاك بطاريات صواريخ متطورة.
شراكة مع إسرائيل
وأردف الكاتب التركي أنّه لا يمكن فصل مشروع "درع أخيل" عن مسار التعاون المتنامي بين اليونان وإسرائيل في شرق البحر المتوسط.
فقد توسعت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، وتضمنّت مجالات الدفاع والطاقة والأمن البحري، بالإضافة إلى مشاركة الإدارة القبرصية اليونانية في عدد من هذه الترتيبات.
وهكذا، تسعى إسرائيل إلى تعزيز حضورها في شرق المتوسط، وذلك عبر بناء شبكة من الشراكات الإقليمية؛ حيث تستفيد من موقع اليونان بصفتها بوابة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن مشاريع الطاقة وخطوط النقل البحري التي تربط المنطقة بأوروبا.
من هذا المنطلق، تمثل صفقات التسليح أحد أوجه هذا التعاون، إلى جانب التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات الأمنية.
وتتضمن الصفقة الإسرائيلية المقترحة ثلاث منظومات رئيسة؛ هي "مقلاع داود" المخصصة لاعتراض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، ومنظومة "سبايدر" للدفاع الجوي القصير والمتوسط المدى ضد الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، إضافة إلى منظومة "باراك إم إكس" متعددة الطبقات القادرة على اعتراض أنواع مختلفة من الصواريخ.
وأشار الكاتب إلى أنه رغم الإمكانات التي توفرها هذه الأنظمة، يرى منتقدو المشروع أنها لا تشكل بمفردها درعاً وطنياً متكاملاً، وإنما توفر طبقات دفاعية محدودة، يمكنها تعزيز القدرات القائمة دون أن تعالج جميع الثغرات الدفاعية التي تفرضها الجغرافيا اليونانية.
كما يثير اسم المشروع نفسه، "درع أخيل"، جدلاً لدى بعض المراقبين؛ إذ يشيرون إلى أن الأسطورة الإغريقية ارتبطت بأخيل بصفته البطل الذي كانت نقطة ضعفه في كعب قدمه، وليس بدرعه، ورأوا أن التسمية تحمل طابعاً دعائياً أكثر من كونها تعكس طبيعة المشروع العسكرية.

كلفة البناء
وأوضح الكاتب التركي أنّ الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط، كشفت أن الدفاع الجوي دخل مرحلة جديدة، تعتمد على التصدي لهجمات معقّدة وَمتزامنة، وتستخدم أنواعاً مختلفة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في وقت واحد.
لقد أصبح نجاح أي منظومة دفاعية مرتبطاً بقدرتها على العمل ضمن شبكة متكاملة؛ تربط بين الرادارات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والاتصالات المشفرة والأقمار الصناعية، مع سرعة عالية في تبادل المعلومات واتخاذ القرار.
في هذا السياق، فإن امتلاك عدد محدود من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة لا يكفي لبناء مظلة دفاعية وطنية، خصوصاً بالنسبة لدولة ذات طبيعة جغرافية معقدة مثل اليونان. فالمسألة لا تتعلق فقط بشراء معدات عسكرية، بل ببناء بنية تحتية متكاملة، تقدر على تشغيل هذه الأنظمة بصورة موحدة وتحديثها باستمرار.
كما يشير منتقدو المشروع إلى أن اليونان لا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة تمكنها من إنتاج هذه الأنظمة أو تطويرها محلياً، وهو ما يجعلها معتمدة بصورة كبيرة على الموردين الأجانب في عمليات الصيانة والتحديث وشراء الذخائر وقطع الغيار. الأمر الذي يرفع كلفة التشغيل على المدى الطويل ويحد من استقلالية القرار العسكري.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ البعض يعتقد بأنّ إنشاء منظومة دفاع جوي متكاملة، تغطي كامل الأراضي والجزر اليونانية قد يتطلب استثمارات تصل إلى ما بين 80 و90 مليار يورو، وهو رقم يفوق بكثير قيمة الصفقة الحالية.
كما أنه يتجاوز الإِمكانات المالية المتاحة لليونان، حيث أنّ دول الاتحاد الأوروبي لا تبدو مستعدة لتمويل مشروع بهذا الحجم.
ولفت الكاتب إلى أن مشروع "درع أخيل" يعكس سعي اليونان إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في بيئة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة. غير أنّ نجاح هذا المشروع سيظل مرتبطاً بمدى قدرته على تجاوز التحديات البنيوية، التي تفرضها الجغرافيا والموارد الاقتصادية والقدرات الصناعية للبلاد.
فإنّ الصفقة الإسرائيلية قد تضيف قدرات نوعية إلى منظومة الدفاع الجوي اليونانية، لكنها لا تبدو كافية لإنشاء شبكة دفاع وطني متكاملة، تقدر على توفير حماية شاملة لجميع الأراضي والجزر.
في الوقت نفسه، يكشف المشروع عن البعد السياسي والإستراتيجي المتزايد للعلاقات الإسرائيلية–اليونانية، فلم تعد صفقات السلاح مجرد عمليات شراء عسكرية، بل أصبحت جزءاً من ترتيبات أوسع، تشمل الأمن والطاقة وإعادة تشكيل التوازنات في شرق البحر المتوسط.
وبينما ترى أثينا أن هذه الخطوات ضرورية لتعزيز أمنها، يعتقد منتقدو المشروع أن الاعتماد على شراء أنظمة دفاعية متفرقة لا يمكن أن يعوض غياب إستراتيجية دفاعية شاملة، أو يعالج التحديات الجغرافية والهيكلية التي تواجهها البلاد.
وهو ما يجعل "درع أخيل" أقرب إلى مشروع يعزز بعض القدرات الدفاعية أكثر من كونه تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية.
















