الورقة السورية.. كيف توظف أنقرة نفوذها لكسب واشنطن؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

سلطت صحيفة "كاثيميريني" اليونانية الضوء على أثر الملف السوري في إعادة رسم الحسابات الأميركية في شرق المتوسط، في ظلّ نهج للرئيس، دونالد ترامب، يقوم على تقليص الانخراط المباشر والاعتماد على شركاء إقليميين في إدارة الأزمات.

وفي مقال نشرته الصحيفة، رأى كونستانتينوس فيليس، الأستاذ المشارك في الكلية الأميركية في اليونان ومدير معهد الشؤون العالمية فيها، أن شرق المتوسط يشهد تحولات متسارعة وتفاعلات متشابكة، يتقدم فيها الدور الأميركي أحيانا، فيما يفسح المجال لشركائه الإقليميين في أحيان أخرى.

قبرص في المعادلة

ورأى فيليس أن الملف القبرصي الذي تصاعدت أهميته أخيرا، يشكل جزءا أساسيا من المعادلة الإقليمية، وأن بعض الأوساط تنظر إليه بوصفه عنصرا محوريا في منظومة الدفاع الأوروبية، بل وفي حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ورأى أن استمرار المشكلة من دون حل يُبقِي أمن أوروبا عالقا في منطقة رمادية، بما يضر فعليا بالمصالح الأميركية والأوروبية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.

وذكر أن ترامب معروف برغبته في الظهور بمظهر صانع الحلول في مختلف النزاعات والأزمات، كما يميل إلى منح المقربين منه مساحة لخفض التوترات في المناطق التي تسعى واشنطن إلى تقليص انخراطها فيها.

وأوضح أن ترامب يفضل هذا النهج في توزيع الأدوار، بحيث لا تبدو الولايات المتحدة مطالبة بالتدخل المباشر أو متهمة بتجاهل ما يجري، ومن دون أن يترك في الوقت نفسه فراغا تستغله قوة منافسة للإضرار بمصالحها.

واستدرك بأن ثمة اختلافين جوهريين بين سياسة ترامب وسياسات من سبقوه.

مقاربة براغماتية

الاختلاف الأول -بحسب فيليس- يتمثل في أن ترامب ينظر إلى المصلحة الأميركية من زاوية أضيق بكثير، تحكمها في الغالب تصوراته ومصالحه الشخصية، بما في ذلك نظرته إلى التزامات الولايات المتحدة العالمية وتحديده للقوى التي يعدها منافسة.

ورأى أن ذلك يجعل خياراته أقل تقليدية وأكثر تركيزا على المدى القصير؛ ففي سوريا مثلا، لا يُرجح أن يرى ترامب في استمرار الوجود البحري الروسي تهديدا، ما دام يسهم في ترسيخ حكم أحمد الشرع.

وأشار إلى أن تركيا قد تسعى بدورها إلى الإبقاء على الوجود الروسي في سوريا لسببين؛ أولهما التفاوض مع موسكو لتسهيل التخلص من منظومة الدفاع الصاروخي "إس-400".

أما السبب الثاني، فيتمثل -بحسب فيليس- في إضعاف موقف إسرائيل عبر إقحام أكبر عدد ممكن من القوى، وبالتالي المصالح، في الساحة السورية.

وتابع فيليس أن الاختلاف الثاني يكمن في أن الولايات المتحدة، في عهد ترامب، لم تعد تولي مسألتي المصداقية والثقة القدر نفسه من الأهمية، واتجهت إلى تبني مقاربة أكثر صفقاتية في تعاملها ومفاوضاتها مع بقية دول العالم.

وذكر أنه مثلما لا تكترث واشنطن بالحفاظ على علاقات الثقة مع شركائها، أو بأن يُنظر إليها بوصفها قوة يمكن التنبؤ بسلوكها، فإن ترامب لا يختار أصدقاءه بين قادة العالم على أساس المصداقية والثقة، بل على أساس النتائج وحدها.

وأوضح أنه لا يشعر بالضرورة بارتياح أكبر في التعامل مع نظراء تتقاسم معهم الولايات المتحدة قيما ومصالح بعيدة المدى؛ لأنه لا يؤمن بهذه الأمور من الأساس.

وأضاف أن ترامب لا يرغب في تقديم التزامات تجاه منظمات مثل حلف الناتو، ولا تجاه علاقات واشنطن بحلفائها التقليديين، ويفضل التعامل مع من يثبتون قدرتهم على إنجاز المهام التي يحددون معالمها بأنفسهم، مستفيدين من الفراغ الإستراتيجي الذي خلّفه تراجع الانخراط الأميركي في كثير من القضايا الإقليمية والدولية.

وبناء على ذلك، رأى أن المعلومات التي تصل إلى الولايات المتحدة لا تأتي مباشرة من مصادرها، بل تمر عبر قنوات دول تتمتع أجهزتها الاستخباراتية بوصول أفضل إلى تلك المعلومات.

وقال: إن ترامب، خلافا للرغبة الإسرائيلية الصريحة، قدّم خدمة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في سوريا، بعدما قلّص إلى حد كبير دور الأكراد في مؤسسات الدولة السورية الناشئة، مع مواصلة دعمه الكامل لقائد البلاد الحالي.

وأضاف أن أنقرة تستطيع، في سوريا كما في ليبيا، إقناع واشنطن بأنها تطرح حلولا تهيئ بيئة مواتية لمشاركة الشركات الأميركية في مرحلة إعادة الإعمار، وتفتح المجال أمام فرص الاستثمار واستغلال الموارد الطبيعية.

قلق أثينا

ورأى فيليس أن اليونان محقة في قلقها من أن تجني القيادة التركية ثمار ما تقدمه من خدمات، والتي يبدو أنها تمنحها نفوذا مستقرا لدى البيت الأبيض، في ملفات تمثل أولوية لأثينا، لكنها تحتل مرتبة ثانوية في حسابات الولايات المتحدة.

وأوضح أن واشنطن لا ترغب، بطبيعة الحال، في اندلاع توتر جديد بين عضوين في الناتو، كما أن اليونان تمثّل حلقة بالغة الأهمية في منظومة الأمن والنفوذ الأميركيين في المنطقة؛ إذ تشارك في مشروعات للطاقة تعزز الحضور الأميركي، وطورت شراكة وثيقة مع إسرائيل، بينما ازدادت أهمية قبرص بدورها في الإستراتيجية الإقليمية لواشنطن.

وأكد أن أثينا تحذر من أن أي اتفاق تركي لترسيم المناطق البحرية مع سوريا، أو حتى مع مصر، قد يدفعها إلى مواجهة حادة مع أنقرة، لافتا إلى أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين اليونان ومصر يلزم القاهرة بالتشاور مع أثينا قبل أي خطوة مماثلة.

واستدرك بأنه ليس مؤكدا أن يتدخل ترامب، أو كيف سيتدخل إن فعل، كما ليس مستبعدا أن ينجح أردوغان في إقناعه بوجهة نظره.

ولفت إلى أن كل ذلك يحدث في وقت ينجذب فيه ترامب بوضوح إلى ترتيبات يتولاها لاعبون إقليميون، من دون انخراط أميركي مباشر، لكنها تمهد الطريق لصفقات تجارية تهمه شخصيا أو تخدم المصالح الأميركية.

وذكر فيليس أن تسوية القضية القبرصية بعد أكثر من 52 عاما من شأنها أن تمنح ترامب رصيدا دبلوماسيا كبيرا، وتسجل باسمه إنجازا تاريخيا، وتطوي واحدة من أعقد القضايا بين اليونان وتركيا، وتمهد لانضمام قبرص إلى حلف الناتو، وتسرع استغلال الثروات المعدنية.

وقال: إن هذه هي الرسالة التي ينبغي إيصالها إلى ترامب لدفعه إلى الانخراط في الملف، غير أن أردوغان يتمتع بميزة التواصل المباشر والمستمر معه.

وختم بأن أردوغان سيحرص، بلا شك، على عرض روايته للقضية على رئيس لا يكترث كثيرا بمضمون الاتفاقات أو بمدى استمرارها.

الكلمات المفتاحية