البرلمان السوري “سيفاجئ” منتقديه.. لماذا قد يفوق تأثيره كل التوقعات؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في قلب العاصمة دمشق، بقي مبنى مجلس الشعب طوال ستة عقود من حكم حزب البعث مجرد واجهة عابرة لا تستوقف المارّة، إذ لم يكن ما يجرى داخله يثير اهتمامًا يُذكر. 

لكن قبيل انعقاد أولى جلساته، ظهرت الأشجار المحيطة به مشذبة، والمدخل نظيفًا، والواجهة مضاءة، في مشهد بدا وكأنه يهيئ المكان لبرلمان طالما انتظر السوريون تشكيله.

بهذه الصورة استهل الباحث إبراهيم الأصيل، الزميل البحثي الأول في "مبادرة الشرق الأوسط" بكلية كينيدي للحكم التابعة لجامعة هارفارد، مقاله المنشور في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

ويرى الأصيل أن البرلمان السوري الجديد، على الرغم من محدودية قوته، قد يتحول إلى مركز نفوذ فعلي إذا توافرت شروط معينة، مقدرا أن الحكم مسبقًا بعدم أهميته لا يزال أمرًا متعجلًا.

وأشار إلى أن المجلس عقد جلسته أخيرًا في 12 يوليو/تموز 2026، وسط إغلاق للطرقات وانتشار أمني مكثف، فيما أدى الأعضاء اليمين الدستورية دفعة واحدة.

وأوضح أن رئاسة اللجنة العليا للانتخابات بررت هذا الإجراء بالرغبة في اختصار الوقت والحفاظ على أمن الجلسة، وهو ما عده الكاتب اعترافًا رسميًا نادرًا بهشاشة الأوضاع في سوريا.

ووصف الأصيل المشهد الافتتاحي للمجلس بأن الأعضاء انخرطوا في جدل بشأن آليات التصويت البسيطة، إلى أن نفد صبر الرئيس المؤقت للمجلس، وهو أكبر الأعضاء سنًا، فقال: "لكل واحد بدو يعطيني محاضرة بالأصول والقانون، نحنا ماعنا لا أصول ولا قانون".

تعلّم من الصفر

ورأى الأصيل أن هذه اللحظة تلخص ما يجرى؛ فسوريا لا تستعيد برلمانا، بل تتعلم السياسة البرلمانية من الصفر تقريبا، بعد أكثر من ستة عقود ظلت فيها المؤسسة قائمة أساسا للمصادقة على ما قرره الرئيس مسبقا.

وأوضح أن البرلمان السوري الجديد ليس مجرد ختم مطاطي، بل محاولة انفتاح سياسي محكوم، أُريد لها أن تساعد رئاسة قوية على إدارة مرحلة انتقالية هشة دون أن تتحول إلى منافس.

لكنه يستدرك بأن هذا لا يعني أن المجلس محكوم عليه بأنه سيكون هامشيا؛ فإذا كان الرئيس إستراتيجيا وأعضاء البرلمان شجعانا والمواطنون مصرّين والأصدقاء الدوليون داعمين، يمكن أن يصير مجلس الشعب مركز قوة حقيقيا بحد ذاته.

ويعترف الكاتب بأن ثمة أسبابا وجيهة لمن يستهين بهذا البرلمان، مبتدئا بطريقة تشكيله؛ إذ عيّن الرئيس أحمد الشرع 70 عضوا مباشرة من أصل 210، فيما اختير الباقون بشكل غير مباشر عبر هيئات ناخبة صممتها لجنة عليا عيّنها الشرع نفسه، دون أي تصويت شعبي.

وأشار إلى أن المرشحين أُبلغوا بأنهم يستطيعون الترشح أفرادا فقط لا أحزابا ولا قوائم، ما أنتج برلمانا صلته بمن يُفترض أنه يمثلهم ضعيفة؛ فمعظم الأعضاء لم يخضوا حملات انتخابية حقيقية، ولم يعرّفوا بأنفسهم للناس إلا بعد فوزهم عبر منصات التواصل.

وأضاف الأصيل أنه ظل طوال الشهر الماضي يطلب من السوريين تسمية عضو واحد فقط من البرلمان، فعجز معظمهم عن ذلك، لافتا إلى أن المؤسسة غير مألوفة حتى لمن هم داخلها، إذ لم يسبق لأي من أعضائها الخدمة في هيئة تشريعية حقيقية.

صلاحيات غامضة

ورأى الكاتب أن الإعلان الدستوري لا يمنح الأعضاء الكثير للعمل به؛ فالمادة 30 تسمح لهم باقتراح القوانين وتعديلها والمصادقة على المعاهدات وإقرار الموازنة وعقد جلسات استماع مع الوزراء، لكنها لا تمنح البرلمان تصويت ثقة على الحكومة ولا أدوات فعلية لإلزام السلطة التنفيذية بأي شيء.

ولفت الأصيل إلى ثغرات في التمثيل؛ إذ تظل مقاعد السويداء الثلاثة شاغرة، ويبدو أن الشرع فضّل الانتظار حتى تُوحَّد الأراضي السورية.

وأضاف أن أحزابا كردية اعترضت على طريقة اختيار ممثلي المناطق الكردية، مقدرة عدد المقاعد المخصصة لهم أقل بكثير مما ينبغي.

وأضاف أن الجلسة الأولى أكّدت هذه الصورة؛ إذ انتخب الأعضاء رئيسا للمجلس القاضي، عبد الحميد العواك، أحد صائغي الإعلان الدستوري نفسه والمعروف بقربه من الرئاسة.

وشدد العواك في خطاب قبوله على العمل الجماعي، مخاطبا السلطة التنفيذية بأن المجلس سيتعاون معها وييسّر التشريع بأقصى ما يستطيع.

ولاحظ الأصيل أن كلمة "الرقابة" لم تُذكر طوال اليوم، بل إن رئيس لجنة الانتخابات وصف عند افتتاح الجلسة برلمانا سيركز على إعادة الإعمار "الحجري والبشري"، والتشريع، ولم يدرج مراقبة الحكومة ضمن قائمته.

وقال الأصيل: إنه يجب الإقرار بحق المتشككين؛ فهذا برلمان ضعيف بالتصميم، وثيق الصلة بالرئاسة، وضيّق التمثيل.

لكنه يستدرك بأن "الضعف" ليس مرادفا لـ "انعدام الأثر"؛ إذ حتى قبل انعقاد الجلسة الأولى، تنافس الأعضاء على منصب الرئيس، وبدأت التكتلات تتشكل، بعضها إقليمي حول حلب ودمشق والمحافظات الشرقية، وبعضها أيديولوجي بين المقربين من الرئاسة والإسلاميين ومن يوصفون بالليبراليين.

وأشار الكاتب إلى أن ثلاثة مرشحين خاضوا سباق رئاسة المجلس، وفاز العواك بـ 99 صوتا من أصل 205، مقابل 75 لمؤيد القبلاوي و31 لمرشح ثالث. مضيفا أن الذين تابعوا التصويت في دمشق لا يزالون يتناقشون في هوية المرشح الذي أرادته الرئاسة فعلا.

وأوضح أنه في مجلس يدين ثلث أعضائه بمقاعدهم مباشرة للرئيس، لم يحسم تفضيل القصر، أيّا كان، النتيجة.

وأكد أن شيئا تغيّر يوم أدى الأعضاء اليمين إذ بات هناك مركز قوة آخر في سوريا، ضعيف لكنه موجود، بعدما كان السوريون في عهد بشار الأسد يسخرون من البرلمان ويسمّونه "مجلس التصفيق".

ولفت الأصيل إلى تفصيلين صغيرين من الجلسة، أولهما أن اليوم بأكمله بُث حيا على التلفزيون الرسمي بجدالاته وارتباكه وتصويتاته المتنازع عليها، فيما كان البرلمان في عهد النظام السابق يظهر على الشاشة لأداء إجماع مصطنع.

وأضاف أن الملاحظة الثانية تمثلت في أن أحدا لم يصفق للشرع حين تحدث؛ فقد صفّق الأعضاء لتصويتاتهم ورئيسهم الجديد وإجراءاتهم، أما الرئيس فقوبل بالصمت، فيما عدّه الأصيل دلالة على أن الشرعية داخل هذه القاعة باتت تُفهم بصورة مختلفة.

وأشار الكاتب إلى أن المرأة تشغل 22 مقعدا فقط في البرلمان، عُيّنت 15 منهن بدل انتخابهن، غير أن سباق منصبَي نائبي الرئيس شهد ترشح 10 أعضاء، أربع منهن نساء، وفازت مادونا بشارة بمقعد النائب الثاني، وتحدثت لاحقا عن اهتمامها بحقوق المرأة وقضاياها.

اختبارات الأشهر المقبلة

ورأى الأصيل أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستقدم مؤشرات على حجم الدور السياسي الحقيقي الذي قد يؤديه البرلمان، فأمام المجلس شهر لصياغة نظامه الداخلي، وسيكشف اختياره بين استنساخ ما يُقدَّم إليه أو صياغة شيء خاص به الكثير عن مزاجه.

وأضاف أن المادة 30 تخوّل المجلس استدعاء الوزراء ومساءلتهم، فإن مرّت أشهر دون أن يمثل وزير أمام لجنة، أو حضر الوزراء فقط ليعرضوا ويُشكروا، فسيكون التعاون الذي وعد به العواك قد صار القصة كلها.

ولفت إلى أن ما سيفعله الأعضاء في دوائرهم يستحق المتابعة أيضا، فمعظمهم لم يَخُض حملات ولم يعتد الإجابة أمام سكان مناطقهم، مؤكدا أن الأعضاء الذين يتجذّرون في دوائرهم سيبنون شرعية لا تتوقف على الرئاسة.

وأشار الكاتب إلى أن لا أحزاب سياسية في البرلمان حاليا، وأن حديث الرئيس الجديد عن العمل الجماعي يشي بأن قانون الأحزاب ليس قريبا.

لكنه يوضح أن الكتل التي تشكّلت حول رئاسة المجلس ستستمر في التشكّل، والسؤال الوحيد هو هل ستنظّم سوريا هذا التنافس علنا أم ستتظاهر بضع سنوات أخرى بأنه غير موجود.

ورأى الأصيل أن على العالم دورا مهما في جعل البرلمان أكثر تأثيرا، مطالبا الحكومات والبرلمانات والمنظمات المتعاملة مع سوريا بالتواصل مع المجلس بوصفه مؤسسة، لا توجيه كل شيء عبر القصر الرئاسي.

وأضاف أن التعامل مع المجلس ملحقا للسلطة التنفيذية يضمن بقاءه كذلك.

وتساءل الكاتب عن شكل النجاح، مجيبا بأنه ليس برلمانا يُسقط الوزراء أو يعطّل الرئيس، فذلك يخطئ قراءة اللحظة، بل الحالة الأكثر واقعية هي الأهدأ؛ أن يكتب المجلس خلال شهر نظاما داخليا خاصا به فعلا.

وأضاف أن تبدأ لجانه باستدعاء الوزراء لتتحول جلسات الاستماع تدريجا من مجاملة إلى تدقيق، وأن يكتشف الأعضاء أن الموازنة، التي يملكون وحدهم إقرارها، ورقة ضغط.

وتابع أن الكتل التي تشكّلت حول رئاسة المجلس ستتماسك حتى تصير أشبه بأحزاب أولية علنا، لا في مجموعات واتساب، وأن الناس الذين عجزوا عن تسمية نائب واحد سيبدأون بالاتصال بأحدهم حين ترتفع فواتير الكهرباء أو تطول طوابير الوقود.

وشدد الأصيل على أن شيئا من ذلك لن يحوّل سوريا إلى ديمقراطية، لكنه سيجعل البرلمان مؤسسة راسخة، وساحة يُتنازع فيها على السلطة لا مجرد منبر تُعلن منه القرارات.

وختم الكاتب بأن أمين سر المجلس المنتخب حديثا اعتبر أن التاريخ سيخلّد طريقة إدارة الجلسة الأولى أكثر مما سيخلّد أسماء الفائزين فيها، وأن اجتماع السوريين مجددا تحت قبة البرلمان يؤسس لما سيأتي بعده؛ إذ إن قوة هذا المجلس أو ضعفه ستنعكس على البرلمانات اللاحقة التي ستسير على نهجه.

وعلّق الأصيل بأن هذه أصدق كلمة قيلت في القاعة طوال اليوم.