من المتوسط إلى الساحل.. هل تبقى ليبيا بوابة للنفوذ التركي في إفريقيا؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

"في ليبيا المجزأة التي حُرمت من الانتخابات وتخضع لهيمنة حكومتين متنافستين، وسط نفوذ المليشيات وانتشار مختلف أشكال التهريب، تنتهج تركيا منذ عام 2019 إستراتيجية متعددة الأبعاد لتعزيز نفوذها".

بهذه المقدمة، افتتحت صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية تقريرها الذي جاء تحت عنوان "تركيا في ليبيا: تأكيد على وجود قوة متوسطية على أعتاب منطقة الساحل".

نقطة ارتكاز 

ووفقا لها، "لم تعد أنقرة تكتفي بضمان بقاء حكومة طرابلس على المستوى التكتيكي، بل باتت تتحاور مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك سلطات شرق البلاد وشبكات مرتبطة بالنظام السابق، بالتوازي مع تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي".

وبحسب تحليلها، "يندرج هذا التحول ضمن طموح جيوسياسي أوسع لأنقرة، يتمثل هدفه الأساسي في تحويل ليبيا إلى نقطة ارتكاز عملياتية رئيسة".

وتابعت: "يستهدف هذا التموضع، من جهة، ترسيخ عقيدة تركيا البحرية المعروفة باسم "الوطن الأزرق" في البحر المتوسط، ومن جهة أخرى، مد نفوذ أنقرة إلى قلب منطقة الساحل والصحراء".

في هذا السياق، أشارت إلى أنه "في ظل تصاعد التنافس الدولي الذي تفاقم بفعل تراجع آليات العمل متعددة الأطراف التقليدية، تنتهج تركيا إستراتيجية هجينة تجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة".

ووفق تقديرها، "يثير هذا الشكل الجديد من هندسة النفوذ متعددة الأبعاد مخاوف متزايدة بشأن الأمن الإقليمي، بالتوازي مع إعادة ترتيب التحالفات والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة".

وعليه، طرحت الصحيفة تساؤلا بشأن "مدى قدرة النفوذ التركي المتنامي في ليبيا على تمكين أنقرة من توسيع حضورها الإستراتيجي في وسط البحر المتوسط ومنطقة الساحل، وتعزيز موقعها في مواجهة القوى الإقليمية والأوروبية المنافسة".

وفي هذا الإطار، تناول التقرير الفرنسي التحولات التي جعلت من ليبيا ساحة إستراتيجية مفتوحة أمام صراع النفوذ الدولي في ظل أزمتها المستمرة، قبل أن يستعرض أبرز أدوات أنقرة لترسيخ حضورها في البلاد، منتقلا إلى الحديث عن تداعيات هذا النفوذ على خريطة التنافس الإقليمي والدولي في البحر المتوسط ومنطقة الساحل.

وأخيرا، استشرف ثلاثة سيناريوهات محتملة للفترة بين عامي 2026 و2030، مؤكدا الحاجة الملحة إلى إعادة إطلاق الجهود الأوروبية الإفريقية لمعالجة الملف الليبي.

بيئة مثالية

ويعود التقرير إلى عام 2021 حين أُلغيت الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر إجراؤها نهاية العام، وبحسبه "يجسد هذا الموقف عجز البلاد عن تجاوز حالة الجمود السياسي، ما أدى إلى ترك السيطرة الفعلية على الأراضي لشبكة من المليشيات المتنافسة".

ورأى أن "هذا الانقسام السياسي أسهم في ترسيخ اقتصاد قائم على الاستغلال، يتمحور حول تدفقات المهاجرين وشبكات الاقتصاد غير الرسمي".

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، تستضيف ليبيا بصورة دائمة ما بين 650 ألفا و700 ألف مهاجر. 

في هذا الصدد،  ذكرت الصحيفة أن "التحكم في نقاط العبور الإستراتيجية يحقق عائدات مالية ضخمة تستحوذ عليها الجماعات المسلحة، وتقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات سنويا".

وأشارت تحديدا إلى تشكيلات مثل "اللواء 444" و"قوة الردع" في غرب البلاد والعاصمة طرابلس، إذ ذكرت أنهم "يستغلون حالة الفوضى المؤسسية لتحقيق مكاسب خاصة".

وعلاوة على ذلك، "تمثل منطقة فزان نقطة ضعف إستراتيجية في جنوب ليبيا، فقد تحولت المراكز الإقليمية في الكفرة وسبها إلى محاور رئيسة للاقتصادات الإجرامية العابرة للحدود".

ووفقا له، "تدير شبكات إجرامية في المنطقة عمليات تهريب مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب تهريب الوقود المدعوم والاتجار بالمخدرات، لا سيما الكبتاغون والقنب، فضلا عن تهريب الأسلحة الخفيفة".

"كما تتيح هشاشة الحدود البرية الممتدة لنحو 4300 كيلومتر مع النيجر وتشاد والسودان والجزائر، لجماعات مسلحة عابرة للحدود، مثل المتمردين التشاديين التابعين لـ"مجلس القيادة العسكري لإنقاذ الجمهورية" والمرتزقة السودانيين، التحرك بحرية في المنطقة".

ومن ثم، يعتقد أن "هذا الفراغ الأمني والمؤسسي يوفر بيئة مثالية لترسيخ الحضور والنفوذ، وهو ما تستند إليه تركيا لتعزيز نفوذها الجيوسياسي".

أداة مباشرة

وفصّلت الصحيفة في شرح الإستراتيجية التركية في ليبيا، واصفة إياها بـ"هندسة متكاملة ومتعددة الأبعاد لترسيخ النفوذ".

وقالت: "على الصعيد العسكري، تحولت التدخلات التركية التي بدأت في يناير/ كانون الثاني 2020 تدريجيا إلى منظومة إستراتيجية مستدامة".

وتابعت: "يقوم هذا الانتشار الجغرافي على ثلاث منشآت رئيسة؛ إذ تمثل قاعدة الوطية (غرب ليبيا، وتعرف أيضا باسم قاعدة عقبة بن نافع) منصة جوية متقدمة لنشر الطائرات المسيرة العسكرية، مثل "بيرقدار TB2" و"أنكا-إس"، إلى جانب أنظمة الحرب الإلكترونية".

أما مدينة مصراتة، فذكرت أنها "تضم مجمعا لوجستيا مجهزا بمنشآت بحرية، يهدف إلى ضمان استمرار وجود البحرية التركية في وسط البحر المتوسط".

وأردفت: "وفي المقابل، تؤدي قاعدة معيتيقة في طرابلس دورا محوريا كمركز جوي حيوي، بما يضمن خطا جويا مباشرا مع أنقرة".

ومع ذلك، نوهت إلى أن "أنقرة لم تعد تحصر تحركها في حكومة غرب ليبيا وحدها، بل أظهرت تحولا نحو (دبلوماسية براغماتية)".

واستدلت على ذلك بالإشارة إلى "تكثيف الدبلوماسية التركية، بين عامي 2024 و2025، اتصالاتها الرسمية مع سلطات شرق ليبيا من خلال عدة خطوات لافتة".

وأوضحت أنه "على سبيل المثال، قام رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، بزيارة رسمية إلى بنغازي؛ حيث أجرى مباحثات مباشرة مع المسؤولين المحليين".

واستطردت: "وبالتوازي، استقبلت السلطات التركية في إسطنبول نجلي المشير خليفة حفتر، صدام وبلقاسم حفتر، خلال اجتماعات تناولت القضايا الأمنية وإعادة الإعمار".

واسترسلت: "وأخيرا، عززت الحكومة التركية هذا التقارب الدبلوماسي بإعادة افتتاح قنصليتها رسميا في بنغازي".

علاوة على ذلك، "أعادت مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها تركيا وحكومة طرابلس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، من خلال إنشاء ممر بحري مباشر بين السواحل التركية والليبية، أسهم في الحد من الطموحات الإقليمية لليونان وقبرص".

وبحسب التقرير، "تجسد تنفيذ المذكرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 من خلال توقيع اتفاق إطاري بشأن المحروقات بين أنقرة وطرابلس، منح شركة النفط الوطنية التركية "TPAO" (شركة البترول التركية) حقا حصريا في إجراء عمليات المسح الزلزالي والتنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية الليبية".

وعقّبت الصحيفة: "لا تعزز هذه الخطوة نفوذ تركيا في مناطقها الاقتصادية الخالصة والمناطق المجاورة فحسب، بل تمنحها أيضا أداة مباشرة للتأثير في إدارة الموارد الإستراتيجية في شرق البحر المتوسط".

أما على الصعيد الاقتصادي، فأشارت إلى أن "الوجود العسكري التركي يوفر دعما مباشرا لترسيخ الحضور التجاري والصناعي لأنقرة في ليبيا".

وقالت: "يستند نفوذ الشركات التركية في المقام الأول إلى نمو متواصل في حركة التجارة، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.2 مليارات دولار، فيما يستهدف مجلس الأعمال التركي الليبي الوصول إلى 5 مليارات دولار".

وفي هذا السياق، ذكرت أن "قطاع الإنشاءات والبنية التحتية يمثل المجال الأبرز لنشاط شركات المقاولات التركية، مثل كاراكايا وكاليون".

وأردفت: "تمكنت هذه الشركات من استئناف مشاريعها التي توقفت منذ عام 2011، إلى جانب ضمان تحصيل مستحقات غير مسددة تتجاوز قيمتها مليار دولار".

ووفقا لها، "ينطبق الأمر نفسه على قطاع الطاقة؛ حيث أُوكلت إلى مجموعتي"أكسا إنرجي" و"إنكا" التركيتين مهمة تحديث وإدارة عدد من محطات الكهرباء الرئيسة في مصراتة وطرابلس".

نفوذ متوسع

وعلى المستوى الإقليمي، أوضحت الصحيفة أنه "من خلال الحفاظ على نفوذها في طرابلس، وبالتوازي مع انخراطها في حوار مع معسكر بنغازي؛ تعمل تركيا على تحويل ليبيا إلى قاعدة لمد نفوذها نحو منطقة الساحل".

وتابعت: "بفضل قواعدها العسكرية في مصراتة والوطية، تنقل أنقرة المعدات والذخائر والفنيين إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إذ تتيح هذه الشبكة اللوجستية لتركيا تسريع مبيعات أسلحتها في المنطقة".

في هذا الصدد، ذكر التقرير أن "أنقرة صدرت طائرتها المسيرة "بيرقدار TB2" و"أنكا"، التي اُختبرت في الساحة الليبية، إلى دول الساحل، ولا سيما النيجر عام 2022، ومالي، التي عززت ترسانتها لاحقا بطائرات "أكينجي" عام 2024، إضافة إلى بوركينا فاسو".

وأضاف: "تُستخدم هذه الطائرات حاليا لمراقبة مناطق حساسة، مثل منطقة تيلابيري في النيجر، أو لدعم عمليات مكافحة التمرد في منطقة غورما بمالي وبوركينا فاسو".

وأشارت الصحيفة إلى أن "هذه الإستراتيجية تأتي في ظل النمو السريع لصادرات تركيا من المعدات الدفاعية، بما يعكس تنامي قدرات صناعتها الأمنية المحلية في الأسواق الناشئة". 

وبصورة أوضح، يمكن القول أن تركيا "تستفيد من استخدام ليبيا كمحور لوجستي في ظل انسحاب القوات الغربية من منطقة الساحل، كما تسعى إلى منافسة الوجود الروسي، بما يعزز دورها كشريك أمني في إفريقيا".

وفي قراءة تحليلية، ينظر التقرير إلى الوجود العسكري التركي بوصفه "جزءا من شبكة معقدة من توازنات القوى التي تجمعه بمختلف الأطراف الرئيسة في المنطقة".

وقارن بين نهج موسكو وأنقرة قائلا: "في مواجهة روسيا التي تبقي على ما بين 1800 و2000 عنصر ضمن "فيلق إفريقيا" (الذي كان يعرف سابقا بمجموعة فاغنر) في قواعد الجفرة وسرت وبراك الشاطئ، تفضل أنقرة اتباع نهج يقوم على (فض الاشتباك التكتيكي)".

ويعتقد أن "هذا التقاسم الفعلي لمناطق النفوذ يتيح للقوتين تهميش المبادرات الغربية".

وفي الوقت ذاته، نوهت الصحيفة إلى أن "مسار التطبيع الدبلوماسي التاريخي مع مصر، الذي تجسد في زيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير/ شباط 2024، أسهم في احتواء خطر المواجهة المباشرة، ودفع البلدين نحو (إدارة براغماتية مشتركة للملف الليبي)".

أما الاتحاد الأوروبي، فرأى أنه "لا يزال عاجزا عن التحرك بسبب التنافس الفرنسي الإيطالي".

وأضافت أنه "مع اقتصار دوره على عمليات المراقبة، مثل عملية "إيريني" التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي في المتوسط، يواجه الاتحاد الأوروبي مزيدا من التهميش أمام المحور التركي الروسي الذي يسيطر على أهم أدوات النفوذ الإستراتيجي، وفي مقدمتها الطاقة وإدارة تدفقات الهجرة".

مستويات متعددة

في ضوء موازين القوى هذه، وترسخ الحضور التركي في ليبيا على مستويات متعددة، رسمت الصحيفة الفرنسية ثلاثة مسارات مستقبلية لتطور الدور التركي في ليبيا، ويتمثل السيناريو الأول في "ترسيخ الحضور التركي وإقامة إدارة إقليمية مشتركة".

وتابعت: "في هذا السيناريو، تعمل تركيا على تحصين نفوذها العسكري والاقتصادي، من خلال إقامة شراكة ثلاثية براغماتية مع مصر والإمارات العربية المتحدة، بما يؤدي إلى تكريس وضع ليبيا كدولة واقعة تحت وصاية اقتصادية مشتركة بين قوى إقليمية".

في المقابل، جاء السيناريو الثاني تحت عنوان "التقسيم الفعلي وعدم الاستقرار في فزان".

وبحسب الصحيفة، "يفترض هذا المسار استمرار عجز الأطراف المحلية عن إعادة توحيد المؤسسات، بما يفضي إلى تجزئة الأراضي الليبية إلى أقاليم طرابلس وبرقة وفزان".

وتقدر أنه "في مواجهة خطر تصاعد التوتر في الجنوب، ستضطر أنقرة حينها إلى تبني موقف دفاعي بحت، مع تركيز قدراتها على حماية قواعدها الإستراتيجية على الساحل الليبي".

وأخيرا، استشرفت الصحيفة سيناريو "عودة النزعة السيادية وإعادة توزيع أوراق القوة".

وأوضحت أن "هذا السيناريو يقوم على التوصل إلى اتفاق سياسي ليبي ينهي المرحلة الانتقالية، وينص على انسحاب منسق لجميع القوات الأجنبية من الأراضي الليبية".

ووفق وجهة نظرها، "من شأن هذا التطور أن يحد بصورة كبيرة من النفوذ التركي، ويحصره في المجال التجاري وتنفيذ عقود البناء والأشغال العامة".

في المحصلة، يشدد التقرير على أن "الإستراتيجية التركية الهجينة أسهمت تدريجيا في تحويل بؤرة عدم الاستقرار في ليبيا إلى محور للنفوذ الإقليمي".

وبحسب تحليله، "يكشف هذا النجاح التركي، في المقام الأول، عن عجز الآليات متعددة الأطراف التقليدية، وعدم فاعلية جهود الوساطة الأوروبية الإفريقية، إلى جانب "الشلل المزمن" الذي تعانيه الأمم المتحدة، والذي حال دون بلورة إطار سياسي مستدام".

وفي هذا السياق، يؤكد أنه "لم يعد بإمكان الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإفريقية مواصلة البقاء على الهامش".

وتابع: "فقد أصبحت الساحة الأمنية الممتدة بين إفريقيا وأوروبا مترابطة بصورة لا تسمح بالفصل بينها، بينما تمتد تداعيات الأزمة الليبية إلى قلب منطقة الساحل، بما يسهم في تنشيط شبكات التهريب، وزيادة تدفقات الهجرة، وتوسع نشاط الجماعات الإرهابية".

ومن أجل استعادة زمام المبادرة وحل الأزمة الليبية، دعت الصحيفة إلى "إعادة تأسيس الاتحاد من أجل المتوسط، بحيث ينتقل من كونه منتدى اقتصاديا إلى منصة جيوسياسية تضم دول منطقة الساحل والصحراء".

وبحسب تقديرها، "من شأن هذا الاتحاد الموسع أن يتيح التعامل مع الامتداد الأمني المتواصل من روما إلى نيامي، وتوفير بديل متعدد الأطراف يتمتع بالمصداقية في مواجهة سياسات القوة التي تنتهجها تركيا وروسيا، فضلا عن بناء شراكة قائمة على الندية في مجالات التنمية وأمن الحدود والطاقة".

واختتمت محذرة: “إن غياب مبادرة أوروبية إفريقية منظمة قد يدفع منطقة المتوسط والساحل إلى الوقوع بصورة متزايدة تحت نفوذ قوى خارجية، بما يهدد استقرار المنطقة وسيادة الدول الإفريقية، ويضر بالمصالح الإستراتيجية الأوروبية”، على حد قولها.