ماذا وراء استمرار الهجمات الإيرانية على مناطق المعارضة الكردية؟

"الأكراد لا يشعرون بالرضا إزاء ما آلت إليه الأمور، وسيدفعون ثمن هذه الحرب"
رغم اتساع رقعة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الضربات المتبادلة بين الجانبين، لم تتوقف الهجمات الإيرانية على مناطق المعارضة الكردية في إيران والعراق، بحسب مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.
وبينما تركزت الأنظار خلال الأسابيع الأخيرة على التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، والهجمات المتبادلة على المنشآت العسكرية وحركة الملاحة في الخليج، لفت وينثروب رودجرز، الزميل المشارك في معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، إلى أن ما يجري في المناطق الكردية بإيران والعراق لا يقل أهمية، لكنه يحظى باهتمام دولي محدود.

حرب لا تتوقف
وأشار الكاتب إلى أن طائرة مسيرة إيرانية استهدفت، في 16 يونيو/حزيران، مخيما تابعا للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قرب مدينة كويه في إقليم كردستان العراق، تقطنه عائلات مدنية، من دون تسجيل قتلى أو إصابات.
وقال الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في بيان، إن الغارة تمثل "انتهاكا واضحا لمبادئ القانون الدولي الإنساني"، مؤكدا أنها تعكس استمرار التهديد الذي تواجهه جماعات المعارضة الكردية.
وأضاف الكاتب أنه بعد أحد عشر يوما، عُثر على أحد أعضاء حزب الحرية الكردستاني الإيراني مقتولا داخل غرفة في أحد فنادق أربيل، وسط اتهامات وجهها الحزب إلى إيران بالوقوف وراء عملية اغتياله.
ولفت إلى أن مخيمي الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قرب منطقتي دگلة وباليسان تعرضا لهجومين في الأول والثاني من يوليو/تموز، فيما أعلن حزب الحرية الكردستاني مقتل ستة من مقاتليه خلال اشتباكات مع الحرس الثوري الإيراني في اليوم نفسه.
كما أشار إلى أن ثلاث طائرات مسيرة يشتبه بأنها إيرانية استهدفت، في 13 يوليو/تموز، قاعدة تابعة لحزب الحرية الكردستاني شمال أربيل، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران واتساع رقعة الضربات الأمريكية داخل إيران.

جبهة موازية للتصعيد
ورأى الكاتب أن هذه الهجمات تشير إلى أن الجبهة الكردية بقيت، إلى حد كبير، منفصلة عن مسار المواجهة الرئيسية بين الولايات المتحدة وإيران، إذ استمرت العمليات العسكرية فيها رغم تغير طبيعة الصراع واتساع نطاقه.
وأضاف أن الاهتمام الإعلامي والسياسي انصب خلال الفترة الأخيرة على الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، والهجمات التي طالت منشآت عسكرية وبنى تحتية في الخليج، في حين مرت التطورات الأمنية في إقليم كردستان العراق من دون اهتمام دولي يذكر.
ونقل الكاتب عن كمران عثمان، الباحث الميداني في منظمة "فرق صناع السلام المجتمعي" (CPT)، التي ترصد الهجمات الإيرانية والتركية وهجمات الفصائل المسلحة في إقليم كردستان، قوله إن الجماعات الكردية الإيرانية بقيت هدفاً دائماً للهجمات، حتى مع انتقال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر اتساعاً.
وبحسب بيانات المنظمة، تعرض إقليم كردستان لما لا يقل عن 751 هجوماً خلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط، أسفرت عن مقتل 22 شخصاً وإصابة 112 آخرين، فيما استمرت الهجمات بعد انهيار وقف إطلاق النار المؤقت وتجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
واستهدفت معظم هذه الهجمات جماعات كردية إيرانية معارضة تنشط سياسياً من داخل إقليم كردستان العراق، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية الكردستاني، وحزب كومله الكردستاني الإيراني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني.
ورأى الكاتب أن استمرار استهداف هذه الجماعات يعكس رغبة طهران في إبقاء الضغط على المعارضة الكردية، بالتوازي مع انشغالها بالمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، بما يجعل الساحة الكردية جبهة موازية للصراع الإقليمي وليست جزءاً من أولوياته المباشرة.
ونقل عن عثمان قوله:"يبدو أن الحكومة الأميركية لا تكترث كثيراً بالجماعات الكردية، فهي ليست ضمن أولويات المواجهة الحالية مع إيران."

رهانات واشنطن والأكراد
وأشار الكاتب إلى أن شائعات راجت في المراحل الأولى من الحرب بشأن رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في الاستفادة من الجماعات الكردية الإيرانية لزيادة الضغط الداخلي على النظام الإيراني، أو فتح جبهة جديدة داخل إيران، إلا أن هذه السيناريوهات لم تتحول إلى سياسة عملية على الأرض.
ولفت إلى أن السلطات الإيرانية تفرض منذ سنوات قيوداً صارمة على النشاط السياسي والثقافي الكردي، وتحد من استخدام اللغة الكردية، فيما تعتمد أجهزتها الأمنية إجراءات أمنية مشددة في المحافظات الكردية، التي تعد من أقل مناطق البلاد نمواً.
وأضاف أن بعض التصريحات الأميركية في بداية الحرب أوحت بإمكانية دعم تحركات مناهضة للنظام الإيراني، غير أن تطورات الصراع أظهرت أن واشنطن ركزت على أهدافها العسكرية والاستراتيجية المباشرة، من دون الانخراط في دعم عمل عسكري تقوده الجماعات الكردية داخل إيران.
كما أشار الكاتب إلى أن إسرائيل أبدت، وفق تقارير غربية، اهتماماً بإضعاف النفوذ الإيراني عبر استثمار الضغوط الداخلية، إلا أن ذلك لم يتطور إلى تحالف ميداني مع الفصائل الكردية الإيرانية.
وأوضح أن الجماعات الكردية الإيرانية لم تنخرط في مواجهة عسكرية واسعة ضد طهران خلال الحرب، بل تعاملت مع التطورات بحذر شديد، إدراكاً منها أن أي تصعيد مباشر قد يدفع السلطات الإيرانية إلى تنفيذ عمليات انتقامية واسعة في المناطق الكردية، تكون كلفتها الإنسانية مرتفعة.
وذكّر الكاتب بأن النظام الإيراني سبق أن تعامل بعنف مع الاحتجاجات التي اندلعت عقب وفاة الشابة الكردية جينا مهسا أميني عام 2022، وهو ما عزز مخاوف القوى الكردية من تكرار سيناريو القمع إذا تحولت إلى طرف مباشر في الحرب.
ورغم ذلك، يرى الكاتب أن طهران ما تزال تعتبر الجماعات الكردية الإيرانية تهديداً أمنياً طويل الأمد، بغض النظر عن مستوى نشاطها العسكري، خشية أن تستفيد مستقبلاً من أي دعم خارجي أو تغير في موازين القوى الإقليمية.
واستشهد ببيان صادر عن الحرس الثوري الإيراني، أكد فيه أن أي تحرك يهدد أمن الحدود الشمالية الغربية لإيران سيقابل بـ"رد حاسم"، في رسالة تعكس استمرار السياسة الإيرانية القائمة على منع أي نشاط مسلح قرب حدودها مع العراق.
وأضاف أن إيران ماضية كذلك في تفعيل الاتفاق الأمني الموقع مع العراق عام 2023، والذي ينص على نزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وحصر وجودها داخل مخيمات خاضعة للرقابة، والحد من نشاطها السياسي والعسكري داخل إقليم كردستان العراق.
ويرجح الكاتب أن استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وإن تغيرت طبيعتها بعد الضربات الأخيرة، سيدفع طهران إلى تكثيف ضغوطها على بغداد وحكومة إقليم كردستان لتنفيذ بنود الاتفاق بصورة أكثر صرامة، وصولاً إلى إنهاء الوجود العسكري والسياسي لهذه الجماعات داخل الأراضي العراقية.
خطر المليشيات
لكن الكاتب أوضح أن الجماعات الكردية الإيرانية لم تكن الهدف الوحيد للهجمات التي شهدها إقليم كردستان العراق، سواء خلال الحرب أو بعد انتهائها. فالميليشيات المسلحة الموالية لإيران واصلت كذلك استهداف مواقع داخل الإقليم، شملت حقولاً نفطية تديرها شركات أجنبية، ومنشآت عسكرية، فضلاً عن محيط القنصلية الأمريكية في أربيل، في إطار الضغوط المرتبطة بالصراع الإقليمي.
وأضاف أن الحكومة العراقية كثفت، خلال الأشهر الأخيرة، إجراءاتها للحد من نشاط الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية المنشآت النفطية والبنية التحتية في إقليم كردستان، سعياً إلى طمأنة الشركات الأجنبية وضمان استمرار إنتاج وتصدير النفط.
وأشار الكاتب إلى أن واشنطن ما تزال تنظر إلى الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ضد المصالح الأمريكية أو البنية التحتية العراقية باعتبارها تهديداً مباشراً، وهو ما يفسر استمرار الضغوط الأمريكية على بغداد لضبط تلك الفصائل ومنعها من تنفيذ هجمات جديدة.
في المقابل، يرى الكاتب أن استهداف إيران المتواصل للجماعات الكردية الإيرانية لم يحظ بالاهتمام الأمريكي نفسه، الأمر الذي عزز شعوراً لدى كثير من الأكراد بأنهم ظلوا خارج حسابات التفاهمات التي أعقبت الحرب، رغم أنهم كانوا من أكثر الأطراف تأثراً بتداعياتها.
وأضاف أن هذا الانطباع يتماشى مع رؤية متنامية داخل الأوساط الكردية تعتبر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولت الأولوية لترتيباتها الأمنية والإقليمية على حساب حلفائها الأكراد، سواء في العراق أو سوريا، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف التقليدية لدى الأكراد من التخلي عنهم عند تغير أولويات القوى الكبرى.
ورأى الكاتب أن أكراد العراق تمكنوا، في نهاية المطاف، من تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، بفضل التوازنات الداخلية في العراق، والخطوط الحمراء التي حالت دون توسع نطاق المواجهة داخل الإقليم بصورة شاملة.
إلا أنه شدد على أن الجماعات الكردية الإيرانية بقيت خارج أي ترتيبات سياسية أو أمنية نتجت عن وقف الحرب، وما تزال تواجه، وفق تقديره، ضغوطاً عسكرية وأمنية متواصلة من جانب طهران، التي ترى في إنهاء نشاطها أولوية لا ترتبط بمسار علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وختم الكاتب بنقل قول الباحث كمران عثمان: "الأكراد لا يشعرون بالرضا تجاه ما آلت إليه الأمور، ويعتقد كثيرون منهم أنهم سيدفعون ثمن هذه الحرب، حتى بعد توقف القتال بين واشنطن وطهران."















