ما بعد قرار ترامب.. لماذا يبقى "قانون قيصر" التحدي الأكبر أمام سوريا؟

"رفع سوريا من قائمة الإرهاب لا يلغي تلقائيا منظومة العقوبات الأوسع"
في خطوة قد تشكل منعطفا كبيرا في العلاقات بين واشنطن ودمشق، بدأت الولايات المتحدة رسميا، في 8 يوليو/تموز 2026، إجراءات رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعدما أبلغ الرئيس دونالد ترامب، الكونغرس قراره إلغاء التصنيف الذي ظل قائما منذ عام 1979.
وبموجب القانون الأميركي، يملك الكونغرس مهلة مراجعة مدتها 45 يوما قبل أن يدخل القرار حيز التنفيذ.

خطوات تدريجية
وفي رسالة رسمية موجهة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، قال ترامب: إن واشنطن تعتزم إزالة "العقبات" التي تعوق إعادة إعمار سوريا.
وأضاف ترامب أن الشركات الأميركية باتت "مستعدة للاستثمار" في البلاد.
ويمثل القرار أحد أبرز التحولات في السياسة الأميركية تجاه سوريا منذ عقود -بحسب تقرير لموقع "ذا ميديا لاين"- إذ ينهي تصنيفا صاغ العلاقات الثنائية نحو 47 عاما.
ويأتي هذا القرار عقب سلسلة خطوات أميركية تدريجية في الأشهر الأخيرة، شملت تخفيف قيود معينة وتوسيع التعامل مع الحكومة السورية الجديدة بعد الانتقال السياسي في البلاد.
ومع أن الخطوة لا ترفع كامل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، فإنها تزيل واحدا من أبرز الحواجز القانونية والسياسية التي ثنت المصارف الدولية والشركات الأجنبية عن العودة إلى السوق السورية.
وأُدرجت سوريا للمرة الأولى على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 ديسمبر/كانون الأول 1979، لتصبح من أوائل الدول المدرجة عليها بعد استحداثها بموجب قانون إدارة الصادرات الأميركي.
وحينها بررت واشنطن التصنيف باتهام دمشق بدعم منظمات تصنفها الولايات المتحدة جماعات إرهابية، فضلا عن استضافتها قادة فصائل فلسطينية ولبنانية مدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية.
وطوال أكثر من أربعة عقود، بقيت سوريا على القائمة رغم تعاقب الإدارات الأميركية، ما جعلها من أطول الدول بقاء تحت التصنيف.
وخلال تلك المدة، فرضت واشنطن طيفا واسعا من القيود، شملت حظر تصدير الأسلحة، وتقييد المساعدات الاقتصادية الأميركية، وتشديد الرقابة على الصادرات المزدوجة الاستخدام، وقيودا مالية ومصرفية إضافية.
نبرة جديدة
ونقل الموقع عن محلل سياسي سوري قوله: إن إبلاغ الكونغرس تجاوز كونه إجراء قانونيا يسبق رفع أي دولة من قائمة الإرهاب.
وقال: إن "الإبلاغ يعكس دلالات سياسية واقتصادية عميقة تشير إلى تحول في مقاربة واشنطن تجاه دمشق".
وأضاف أن رسالة ترامب إلى الشرع ذهبت أبعد من مجرد الإعلان عن بدء المسار القانوني، موضحا أنها "تضمنت التزاما بإزالة العقبات التي تعوق إعادة إعمار سوريا، مع تأكيد استعداد الشركات الأميركية للاستثمار في البلاد".
وتابع أن هذا "أول مؤشر رسمي عند هذا المستوى يربط تغيير السياسة الأميركية تجاه دمشق بتعامل اقتصادي مباشر".
ولفت إلى أن القرار يأتي عقب سلسلة خطوات اتخذتها الإدارة الأميركية في الأشهر الأخيرة، شملت تخفيف عدد من القيود وفتح قنوات تواصل مع الحكومة الجديدة، ضمن سياسة أوسع تختلف عن تلك التي حكمت العلاقات الثنائية عقودا.
من جانبه، قال الخبير القانوني السوري، إبراهيم حسين: إن القرار لا يعني رفع سوريا من القائمة فورا؛ إذ يمنح القانون الأميركي الكونغرس مهلة مراجعة مدتها 45 يوما قبل نفاذ الإجراء.
وأوضح أن "رفع التصنيف لا يلغي تلقائيا العقوبات الأميركية الأخرى المفروضة على سوريا، وكثير منها يستند إلى قوانين وأوامر تنفيذية منفصلة".
واستدرك بأن القرار "يزيل واحدا من أكثر التصنيفات دلالة من الناحية السياسية فيما يخص كيفية تعامل المؤسسات المالية والشركات الدولية مع دمشق".

أثر قانوني ونفسي
وطوال أكثر من أربعة عقود، شكل تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب إحدى العقبات الرئيسة التي حدّت من علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة والدول الغربية؛ إذ فرض قيودا على المساعدات والصادرات والمعاملات المالية، ورفع كثيرا المخاطر القانونية والتجارية أمام المصارف والشركات التي تدرس التعامل مع سوريا.
وقال الخبير الاقتصادي السوري، أسامة قاضي: إن إتمام عملية الرفع سيمنح المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية ثقة أكبر لاستكشاف الفرص في سوريا، حتى مع بقاء عقوبات أخرى قائمة.
وأوضح أن "تصنيف الدولة الراعية للإرهاب حمل تبعات قانونية ونفسية امتدت أبعد بكثير من العقوبات المباشرة نفسها".
وأضاف أن إشارة ترامب الصريحة إلى استعداد شركات بلاده للاستثمار في سوريا تمثل تحولا لافتا في الخطاب الأميركي.
وقال: إن "البيانات الأميركية الرسمية ركزت لسنوات على العقوبات ومكافحة الإرهاب والمساعدات الإنسانية، أما الرسالة الحالية فهي الأولى التي تطرح رؤية يشارك فيها القطاع الخاص الأميركي في إعادة بناء الاقتصاد السوري، شرط إتمام الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة".
ورأى قاضي أن هذه الرسائل موجهة لا إلى دمشق وحدها، بل إلى المصارف والمؤسسات المالية الدولية والشركات الأميركية والأوروبية، بهدف إظهار أن السياسة الأميركية تجاه سوريا دخلت مرحلة جديدة قائمة على التعامل التدريجي بدل العزل الشامل.
في المقابل، قال المحلل السياسي السوري، عبد الله العبدون: إن دمشق تنظر إلى القرار بوصفه أحد أبرز إنجازاتها الدبلوماسية منذ تشكيل الحكومة الجديدة؛ حيث "يمنح سوريا فرصة مهمة لدفع جهودها نحو الاندماج مجددا في الاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمار الأجنبي، وإقناع الحكومات الغربية بأن المشهد السياسي في البلاد تغير جذريا".
لكنه حذّر من أن عودة سوريا الكاملة إلى النظام المالي الدولي تبقى عملية طويلة الأمد، مبينا أن "نجاح هذه الخطوة سيتوقف في النهاية على مصير العقوبات المتبقية، وعلى قدرة سوريا على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية، وتوفير البيئة القانونية والأمنية اللازمة لجذب المستثمرين".
وإذا اكتملت العملية عقب مهلة مراجعة الكونغرس، فستصبح سوريا أول دولة تُرفع من القائمة الأميركية منذ السودان عام 2020، فيما تبقى إيران وكوريا الشمالية وكوبا مدرجة عليها.
العقبة الباقية
ورغم أهمية القرار، فإنه لا يمثل نهاية منظومة العقوبات الأميركية الأوسع على سوريا، بل خطوة ضمن مسار قانوني وسياسي أشمل برز تدريجيا عقب الانتقال السياسي، وفق التقرير.
فبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 والحرب الأهلية التي تلتها، وسعت واشنطن منظومة عقوباتها ضد دمشق توسيعا كبيرا، ووقّع الرئيس آنذاك باراك أوباما سلسلة أوامر تنفيذية استهدفت رئيس النظام بشار الأسد وكبار المسؤولين والمؤسسات الرئيسة.
وشملت الإجراءات تجميد الأصول، وتقييد المعاملات المالية، وحظر الاستثمار الأميركي الجديد في سوريا، وعقوبات نالت قطاعات النفط والطاقة والمصارف.
وفي عام 2019، أقر الكونغرس قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2020، ووسّع نطاق العقوبات كثيرا باستهداف الأفراد والشركات والحكومات الأجنبية التي تقدم دعما ماليا أو تقنيا أو هندسيا للحكومة السورية أو تشارك في مشاريع إعادة الإعمار دون إذن أميركي.
وبات قانون قيصر واحدا من أقوى أدوات الضغط الاقتصادي الأميركي على دمشق؛ إذ ثنى كثيرا من الشركات والمؤسسات المالية الدولية عن دخول السوق السورية خشية الخضوع للعقوبات الأميركية الثانوية.
ورغم دلالته السياسية والقانونية، فإن رفع سوريا من قائمة الإرهاب لا يلغي تلقائيا منظومة العقوبات الأوسع؛ إذ يستند معظم القيود المفروضة خلال العقد الماضي إلى تشريعات وأوامر تنفيذية منفصلة، وفي مقدمتها قانون قيصر، بحسب تقييم الموقع.
وبذلك يزيل رفع سوريا من القائمة إحدى أبرز العقبات القانونية والسياسية أمام البلاد، لكنه لا يفكك الإطار الأوسع للعقوبات الأميركية.
ولهذا يرى كثير من المحللين قرار إدارة ترامب بداية لتفكيك واحدة من أقدم آليات الضغط الأميركية على سوريا، لا نهاية لبنية العقوبات التي تطورت عبر عقود واشتدت بعد عام 2011.
والاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت واشنطن ستُتبع القرار بإجراءات قانونية واقتصادية إضافية قادرة على إعادة فتح سوريا أمام التمويل والاستثمار الدوليين، أم يبقى مجرد إشارة سياسية مهمة لا تقابلها تحولات أوسع تعيد تشكيل العلاقات الأميركية-السورية جذريا.

















