الكرمك تعود للجيش السوداني.. ماذا تغيّر في خريطة الصراع مع "الدعم السريع"؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

عندما أعلن الجيش السوداني، في 8 يوليو/تموز 2026، استعادة مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق بعد أكثر من ثلاثة أشهر على سقوطها بيد مليشيا الدعم السريع ومقاتلين من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بدا الإعلان، للوهلة الأولى، استعادةً لمدينة حدودية، إلا أنه حمل في توقيته ورسائله العسكرية أبعاداً تتجاوز حدود الولاية.

وجاء ذلك في وقت تتجه فيه الأنظار إلى معارك كردفان ودارفور، اللتين باتتا تمثلان مركز الثقل في الحرب، كما أعادت العملية رسم موازين القوى في جنوب شرقي السودان، وأغلقت جبهة استنزاف حاولت مليشيا الدعم السريع، المدعومة إماراتياً، تحويلها إلى نقطة ضغط على الجيش، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى تحسين موقعه الميداني قبل أي مسار سياسي محتمل.

بوابة حدودية

تقع مدينة الكرمك في أقصى جنوب شرقي السودان بمحاذاة الحدود الإثيوبية، وتعد المنفذ السوداني الأقرب إلى مدينة أصوصا في إقليم بني شنقول–قمز، ما يمنحها موقعاً جيوسياسياً استثنائياً في معادلة الحرب.

فالمدينة ليست مجرد معبر حدودي، بل تمثل عقدة تربط ولاية النيل الأزرق بالمجال الإثيوبي، وتتحكم في شبكة من الطرق الرسمية وغير الرسمية المستخدمة في الحركة التجارية والتنقل عبر الحدود.

وتزداد أهمية المدينة لوقوعها داخل منطقة غنية بالذهب والمعادن، وهو ما يجعل السيطرة عليها ذات أبعاد اقتصادية إلى جانب أبعادها العسكرية، إذ تشكل مناطق التعدين والتجارة الحدودية مصدراً مهماً لتمويل القوى المسلحة.

كما تكتسب الكرمك قيمة إضافية بصفتها جزءاً من الحزام الحدودي الذي شهد لعقود نشاطاً للحركة الشعبية المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع، ما منحها بعداً رمزياً وتاريخياً في الصراع المسلح بجنوب شرقي السودان.

ومن الناحية الدفاعية، تمثل المدينة خط الدفاع الأول عن مدينتي الدمازين والروصيرص، اللتين تقعان على المحور نفسه المؤدي إلى عمق ولاية النيل الأزرق.

لذلك، فإن بقاء الكرمك خارج سيطرة الجيش كان يعني استمرار التهديد للمراكز الإدارية والعسكرية الرئيسة في الولاية، إضافة إلى إبقاء سد الروصيرص ومنشآت البنية التحتية الحيوية ضمن دائرة الخطر.

جبهة جديدة

لم يكن الهجوم الذي نفذه تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال في مارس/آذار 2026 يستهدف السيطرة على مدينة حدودية فحسب، بل جاء ضمن محاولة أوسع لفتح جبهة جديدة بعيداً عن ساحات القتال الرئيسة في دارفور وكردفان.

ففي ذلك الوقت، كان الجيش يحقق تقدماً تدريجياً في وسط السودان، الأمر الذي دفع خصومه إلى نقل الضغط نحو ولاية النيل الأزرق لإجباره على توزيع قواته على أكثر من محور.

ومن خلال السيطرة على الكرمك، سعى التحالف إلى إنشاء موطئ قدم دائم في جنوب شرقي البلاد، مستفيداً من النفوذ التاريخي للحركة الشعبية في المنطقة، ومن الطبيعة الجبلية والحدودية التي تمنح المقاتلين هامشاً أكبر للحركة والمناورة.

كما وفرت المدينة قاعدة متقدمة يمكن استخدامها لتهديد الدمازين والروصيرص، وفتح ممرات لوجستية باتجاه الحدود، بما يعزز قدرة التحالف على مواصلة عملياته بعيداً عن جبهات الغرب.

وتزامن ذلك مع الإعلان عن تحالف "تأسيس"، الذي جمع مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية وعدداً من القوى السياسية والمسلحة، في محاولة لإضفاء بعد سياسي على المكاسب العسكرية.

ولذلك اكتسبت الكرمك أهمية خاصة بصفتها أول مدينة رئيسة في جنوب شرقي السودان تقع تحت سيطرة هذا التحالف، وهو ما منحها وزناً يتجاوز قيمتها الميدانية.

حملة متدرجة

بدأ الجيش السوداني، منذ أواخر مايو/أيار 2026، حملة عسكرية متدرجة لاستعادة زمام المبادرة في ولاية النيل الأزرق، فاستعاد عدداً من القرى والمواقع الواقعة على المحاور المؤدية إلى الكرمك، قبل أن يكثف عملياته البرية والجوية خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت دخول المدينة وإحكام السيطرة عليها، عقب انسحاب قوات الدعم السريع.

وعسكرياً، أعادت العملية تأمين الجبهة الجنوبية الشرقية، وحرمت التحالف من أهم قاعدة متقدمة له في الولاية، كما قطعت الطريق أمام استخدام المدينة نقطة انطلاق لتهديد الدمازين والروصيرص.

كذلك منحت الجيش فرصة لإعادة تنظيم انتشاره في النيل الأزرق، بعدما اضطر خلال الأشهر الماضية إلى تخصيص قوات كبيرة للدفاع عن هذه الجبهة.

لكن المكسب الأبرز تمثل في استعادة زمام المبادرة. فمنذ اندلاع الحرب، تركزت معظم العمليات الهجومية للجيش في الخرطوم ووسط السودان، بينما ظلت جبهة النيل الأزرق تتحرك في إطار رد الفعل.

أما استعادة الكرمك فأظهرت قدرة الجيش السوداني على تنفيذ عملية هجومية بعيدة عن مراكزه الرئيسة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تماسك جبهاته الأخرى.

وسياسياً، وجهت العملية ضربة إلى مشروع التحالف الذي حاول تقديم سيطرته على الكرمك بصقتها بداية لتوسيع نفوذه خارج دارفور وكردفان.

خريطة السيطرة

ورغم أهمية استعادة الكرمك، فإنها لم تغيّر وحدها خريطة السيطرة في السودان. فالجيش يفرض نفوذه على الخرطوم، ومعظم ولايات الشمال والشرق والوسط، بما في ذلك الجزيرة وسنار والنيل الأبيض، إضافة إلى مدينتي الدمازين والروصيرص في ولاية النيل الأزرق.

في المقابل، لا تزال مليشيا الدعم السريع تحتفظ بمعظم إقليم دارفور، وتتمركز في أجزاء واسعة من كردفان، حيث تدور اليوم المعارك الأكثر تأثيراً في مستقبل الحرب.

وقال الباحث السوداني محمد نصر، في حديث لـ"الاستقلال"، إن استعادة الجيش لمدينة الكرمك تمثل تطوراً ميدانياً مهماً، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول حاسم في مسار الحرب، موضحاً أن القيمة الإستراتيجية للعملية تكمن في أنها أغلقت جبهة استنزاف كانت تثقل انتشار الجيش في جنوب شرقي البلاد، أكثر من كونها غيّرت ميزان القوى بين طرفي الصراع.

وأضاف أن السيطرة على الكرمك أزالت تهديداً مباشراً كان ينال ولاية النيل الأزرق، وحرمت مليشيا الدعم السريع وحلفاءها من موطئ قدم حدودي مهم كان يمنحهم حرية الحركة على المحور المتاخم لإثيوبيا، فضلاً عن تقليص قدرتهم على استخدام المدينة نقطة انطلاق لفتح جبهة تستنزف الجيش بعيداً عن مسرح العمليات الرئيس في كردفان.

وأشار نصر إلى أن هذا التقدم، رغم أهميته، لم يغيّر حتى الآن مركز الثقل العسكري في الحرب، إذ لا تزال مليشيا الدعم السريع تحتفظ بمعظم مناطق نفوذها في دارفور وأجزاء كبيرة من كردفان، حيث تتمتع بخطوط إمداد أقصر، وانتشار ميداني أوسع، وقدرة أكبر على المناورة وإعادة التموضع مقارنة بجبهة النيل الأزرق.

وأكد أن أهمية معركة الكرمك لا تُقاس بمساحة الأرض التي استعادها الجيش، وإنما بما وفرته من هامش لإعادة ترتيب أولوياته العسكرية، إذ بات بإمكانه توجيه جزء أكبر من قواته وإمكاناته نحو كردفان، التي وصفها بأنها ساحة الحسم الحقيقية في المرحلة المقبلة، بصفتها تمثل حلقة الوصل بين وسط السودان ودارفور، وأن نتائج المعارك فيها ستكون أكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الحرب من أي مكسب ميداني منفرد على الجبهات الأخرى.

الحسم ما زال بعيدا

تكشف معركة الكرمك أن الجيش السوداني نجح في إحباط محاولة فتح جبهة مستقرة على الحدود الإثيوبية، واستعاد مدينة ذات قيمة جيوسياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، الأمر الذي أعاد تأمين ولاية النيل الأزرق، وأضعف أحد أهم مكاسب تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال خلال عام 2026.

لكن، في المقابل، لا تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة في دارفور وكردفان، كما أن استمرار الحرب يعتمد على نتائج المواجهات في تلك الجبهات أكثر من اعتماده على المدن الحدودية. ولهذا تبدو الكرمك محطة مهمة في مسار العمليات، لكنها ليست المحطة الأخيرة.

وبحسب تقرير نشره موقع "سودان تربيون" في 8 يوليو/تموز 2026، فإذا نجح الجيش في استثمار هذا التقدم عبر نقل ثقله العسكري إلى كردفان وفتح الطريق نحو دارفور، فقد تُسجل الكرمك لاحقاً باعتبارها بداية مرحلة جديدة في الحرب.

أما إذا بقيت المعارك موزعة بين جبهات متباعدة، واستمرت قوات الدعم السريع في الاحتفاظ بمراكز قوتها في غرب البلاد، فإن استعادة المدينة ستظل انتصاراً عملياتياً مهماً ضمن حرب طويلة لم تغادر بعد منطق الاستنزاف المتبادل.