"أوكتاغون السيسي".. يحمي مصر أم الديكتاتورية العسكرية؟

"يتكون من ثمانية مبانٍ رئيسية مترابطة، وهو ما منح المشروع اسمه المستوحى من الشكل الهندسي المثمن"
عندما بدأ إنشاء “مقر القيادة الإستراتيجية”، المعروف باسم “الأوكتاغون”، في العاصمة الإدارية الجديدة عام 2017، صدرت تصريحات عن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي تؤكّد أن الهدف منه هو مواجهة التهديدات الخارجية وتوحيد مراكز اتخاذ القرار في موقع واحد.
لكن السيسي عاد خلال احتفال افتتاح المقر، في 4 يوليو/تموز 2026، ليقرّ بوضوح بأن إنشاء القيادة الإستراتيجية الجديدة يهدف إلى حماية الدولة، أو بالأحرى النظام، من ضغوط “الحصار” ومن موجات الغضب الشعبي الداخلي، على غرار ما جرى في 25 يناير/كانون الثاني 2011.
وبذلك، أعلن صراحة أن الإجراءات العسكرية والأمنية التي يتضمنها الأوكتاغون تستهدف تحصين النظام في حال تصاعد غضب المواطنين نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتجهوا إلى الاحتجاج أو الثورة. أي أن المقر أُنشئ، وفق هذا الطرح، لمواجهة عدو داخلي يتمثل في الشعب الذي وصفه السيسي بـ"الأشرار".
كما جدد السيسي هجومه على ثورة 25 يناير 2011، محمّلًا إياها مسؤولية تراجع الاقتصاد المصري وخسارته نحو 450 مليار دولار، إلى جانب انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار من نحو 6 جنيهات إلى قرابة 50 جنيهًا، وهي تصريحات أثارت دهشة كثير من المصريين.
ففي المقابل، أعلنت إيران، بعد تعرضها لقصف مكثف استمر 40 يومًا باستخدام أحدث الأسلحة الأميركية والإسرائيلية وأكثرها دقة وفتكًا، أن خسائرها بلغت 270 مليار دولار. بينما يقول السيسي: إن تظاهر المصريين سلميًا في الشوارع لمدة 18 يومًا تسبب في خسائر بلغت 450 مليار دولار.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأسباب الحقيقية لهذا التدهور تعود إلى قرارات اقتصادية اتخذها السيسي، من بينها تحرير سعر الصرف والتوسع في الاقتراض، وهي سياسات أسهمت في تراجع قيمة العملة المحلية. وبحسب هؤلاء، لم تكن الثورة مسؤولة عن الانهيار اللاحق في قيمة الجنيه.
وخلال سنوات حكم السيسي، شهد الجنيه المصري مراحل متتالية من التراجع الحادّ، نتيجة خمسة قرارات لتعويم العملة بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
وأدّت هذه السياسات إلى انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 85.4 بالمئة، ليرتفع سعر صرف الدولار من متوسط بلغ 7.15 جنيهات إلى ما بين 49 و50 جنيهًا في يوليو 2026.
كذلك توسعت الحكومة، على مدار سنوات حكم السيسي، في الاقتراض الخارجي، ما أدّى إلى ارتفاع رصيد الدين الخارجي بنسبة 255.5 بالمئة، من 46.1 مليار دولار في يونيو/حزيران 2014 إلى 163.9 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو ما أسهم بدوره في تراجع قيمة الجنيه.

هدف الأوكتاغون
منذ أن دشّنت مصر مقر وزارة الدفاع الجديد "الأوكتاغون" داخل العاصمة الإدارية الجديدة، لم يُنظر إلى المشروع بوصفه مجرد انتقال لمبنى حكومي، بل بوصفه إعلاناً عن مرحلة جديدة في بنية المؤسسة العسكرية المصرية وعقيدتها العسكرية القيادية.
فالمنشأة التي توصف بأنها من أكبر المجمعات العسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتكلف بناؤها – مع المرحلة الأولي من العاصمة الإدارية - قرابة 57 مليار دولارا وفق تقارير أجنبية، جاءت ضمن مشروع أوسع لنقل مؤسسات الحكم إلى العاصمة الإدارية.
وقد أثار ذلك تساؤلات داخل الأوساط العسكرية ومراكز الدراسات الدولية حول الدوافع الحقيقية وراء بناء هذا البناء الضخم الذي يفوق حجم البنتاغون الأميركي أو أي مقر قيادة عسكري آخر في العالم.
الرواية الرسمية المصرية ظلت تؤكد أن "الأوكتاغون" يمثّل نقلة نوعية في منظومة القيادة والسيطرة، ويوفر بيئة متطورة لإدارة العمليات العسكرية المشتركة في ظل التحديات الإقليمية المتزايدة، بدءاً من الإرهاب في سيناء، مروراً بالأزمة الليبية والسودانية، ووصولاً إلى أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.
لكن في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن اختيار موقع المجمع داخل العاصمة الإدارية، وربطه بمنظومة أمنية واسعة تشمل القصر الرئاسي والحي الحكومي، وأجهزة الأمن والاستخبارات، يعكس أيضاً توجهاً لإعادة هندسة مراكز السلطة بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة في أوقات الأزمات والاضطرابات الداخلية.
وبين الرواية الرسمية وهذه القراءات، يبرز سؤال: هل يمثل "الأوكتاغون" استجابة لتغير طبيعة التهديدات الخارجية، أم أنه يؤدّي كذلك وظيفة إستراتيجية في تأمين النظام السياسي؟ أم أنه بني في الأصل ليحمي النظام؟
تقدم الحكومة المصرية عدة مبررات لهذا الانتقال، يأتي في مقدمتها تحديث البنية المؤسسية للدولة، وتخفيف الضغط عن القاهرة، وإنشاء عاصمة ذكية قادرة على استيعاب مؤسسات الحكم لعقود مقبلة.
أما بالنسبة للمؤسسة العسكرية، فتؤكد البيانات الرسمية أن نقل وزارة الدفاع يهدف إلى توفير بيئة أكثر تطوراً لإدارة العمليات، وربط القيادة العسكرية بباقي مؤسسات الدولة الموجودة داخل العاصمة الجديدة.
ويقع الموقع على مسافة بعيدة نسبياً من الكثافة السكانية في القاهرة الكبرى، ويرتبط بشبكة طرق واسعة ومهابط للطائرات ومناطق عسكرية مغلقة، بما يوفر مستوى مرتفعاً من الحماية في حال وقوع هجمات أو اضطرابات واسعة.
كما أن وجوده ضمن نطاق العاصمة الإدارية التي صُممت لتضم القصر الرئاسي ومجلس الوزراء والبرلمان والوزارات والأجهزة السيادية، يعكس توجهاً نحو تركيز مؤسسات الدولة الحيوية داخل منطقة واحدة عالية التأمين.
وحسم عبد الفتاح السيسي الأمر بتأكيده أن تشييد مقر القيادة الإستراتيجية الجديد في العاصمة الإدارية لم يكن "وليد الصدفة"، بل جاء كضرورة إستراتيجية لحماية مركز إدارة القرار في البلاد من الضغوط والتهديدات الأمنية التي شهدتها مصر في أعقاب أحداث عام 2011.
أي لأسباب داخلية تتعلق بالوقاية من أي ثورات محتملة، بجانب دوره كمقرّ جديد للجيش وأجهزة السلطة.

عودة عصر القلاع
عند إطلاق المشروع في سنوات بنائه، عام 2016، قدمه السيسي بصفته جزءاً من تحديث القوات المسلحة وتعزيز قدرتها على حماية الدولة من التهديدات الخارجية والتحديات الإقليمية، ونقل وتجميع أفرع الجيش للعاصمة الإدارية.
أما في خطاب افتتاحه في 4 يوليو 2026، فقد وسّع الإطار السياسي للمشروع، رابطاً بين القيادة الإستراتيجية وقدرة الدولة (النظام) على الصمود في مواجهة الضغوط والحصار والمحاولات الرامية إلى إضعافها.
ويرى محللون أن هذا التحول في الخطاب يعكس انتقال التركيز من وظيفة عسكرية بحتة تتعلق بحماية الدولة من خطر خارجي، إلى إبراز دور "الأوكتاغون" كأداة لضمان استمرارية مؤسسات السلطة في أوقات الأزمات الداخلية، وهو ما قاله السيسي بشكل علني وواضح.
فقد قال: "اسمحولي أقولكم ليه القيادة الإستراتيجية للدولة موجودة هنا، لأنه في يوم من الأيام كان بيتم محاصرة المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء وفي يوم من الأيام كانوا بيهددوا وزارة الدفاع وفي يوم من الأيام كانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي، عشان تدار الأزمة أيا ما كانت الأزمة تدار تحت ضغط ويمكن تكون خوف كمان".
وأضاف: "كان لا بد أن الدولة تخرج من العاصمة وأن الكلام دا (ثورة يناير) ميتنفذش (لا يحدث) مرة تانية، أنا بتكلم بمنتهى الصراحة كدا. تخرج الدولة من العاصمة عشان الكلام دا ميتكررش تاني".
وتابع: "الأشرار والإرهابيين مش هيبطلوا، ربنا بيساعدنا لكن إاحنا لازم نأخذ بالأسباب. عشان كدا الدولة كانت لا بد متبقاش موجودة مرة تانية البرلمان ميبقاش هناك وميبقاش مجلس الوزراء هناك ووزارة الدفاع تبقى هناك، زي ما كان موجود قبل كدا ، الكلام دا خلاص محدش يقدر يعمل كدا في مصر تاني".
والمفارقة هنا، حسبما رصدها سياسيون مصريون، أن السيسي كان يستخدم وصف "الأشرار"، منذ انقلابه عام 2013، على الإخوان وحلفائهم، لكنه هذه المرة قصد به بشكل واضح كل من شارك في ثورة يناير، ما يعني انطباقه على ملايين المصريين.
وقال إنه اتخذ خطوة بناء العاصمة الإدارية الجديدة بعيدا عن هؤلاء الأشرار ولتكون هي المنطقة الخضراء الآمنة للسلطة، كما أسس مقر القيادة الإستراتيجية (الأوكتاغون) ليجمع فيه كل مفاصل السلطة في مكان واحد أكثر تحصينا.

ويقول الحقوقي ناصر أمين: إن هذه عودة لعصر السلاطين وانتقال مقر الحكم مجددا من وسط الناس إلى الجبال كما حدث في تاريخ مصر القديم حين انتقل الحكم من "بين القصرين" إلى "قلعة الجبل" في المقطم، ثم عاد لقصر عابدين والآن يعود للصحراء مجددا بالعاصمة الإدارية ومقر الأوكتاغون.
وصف، في تحليل له بموقع "المنصة"، 6 يوليو 2026، افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية بعيدا عن الناس والعمران، كما حدث تاريخيا من انتقال السلطة في العصور الوسطى إلى القلاع الحصينة، بأنه "عودة مقر حكم مصر إلى الخلف 800 عام، إلى قلعة الجبل، حيث عصور السلاطين الأوائل".
وأوضح أن أسباب هذا الانتقال، كما شرحها السيسي في حفل الافتتاح، هي: "شوية الأحداث بتاعة 2011 ووصولًا إلى 30 يونيو"، مثل محاصرة المحكمة الدستورية، ومجلس الوزراء، ومدينة الإنتاج الإعلامي"، وتهديد وزارة الدفاع.
ذكر أن خطورة ذلك "لا تتلخص في رجعيته فقط، وكونه يشبه الأفكار الاستعمارية التي لا يمارسها في العصر الحديث إلا الحكام الغرباء الذين يخشون الشعوب التي يحكمونها بقوة سلطة الأمر الواقع، التي تفرض عليهم الحفاظ على مسافة كبيرة بينهم وبين الشعوب المحكومة".
وإنما "الخطورة الحقيقية في أن تلك الأفكار تمهد لعودة نظم حكم السلاطين أو الملوك أو الأمراء، والارتداد إلى عصور ما قبل الحداثة والدساتير والقوانين المحلية والقانون الدولي، وحق الناس في تقرير مصيرها، وحق الشعوب في المشاركة في إدارة شؤون بلادهم، تلك العصور التي تتحول فيها الشعوب إلى محض رعايا وعبيد مثقلين بالالتزامات، ودون أي حقوق"، وفق قوله.
ووصف الصحفي عبد العظيم حماد، رئيس تحرير الشروق السابق الأوكتاغون بأنه "قلعة جديدة لحماية السلطة".
ويقول المحلل السياسي خالد محمود، إن السيسي أرجع نقل مقر القيادة الجديد إلى العاصمة الإدارية في إطار التحسب لتكرار أحداث يناير 2011، لكن هذه الخطوة تأتي في عمقها للتعامل مع البرود والتوتر الراهن في العلاقات مع إسرائيل وأثيوبيا.
وأوضح أن "الأوكتاغون" صُمم برؤية تفوق مجرد التأمين الداخلي، ليربط الاتجاهات الإستراتيجية للدولة كافة في آن واحد.
الأسرة الملكية الرئاسية
وربط مصريون بين مظاهر العودة لقلعة الجبل والقلاع المُحصنة، وزينتها وتجهيزاتها الفاخرة، وبين حرص السلطة على ظهور السيسي في مظهر الحاكم العسكري الأوحد بالملابس العسكرية، والنياشين مع أنه حاليا رئيس مدني، وشبهوه بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.
وشهدت مراسم الافتتاح، وموكب السيسي نوعا من الاستعراض بالمواكب العسكرية الإمبراطورية، والطائرات وأرتال الدراجات النارية، والاستعراضات، لكن ذلك جاء بنتائج عكسية وانتقادات من جانب مصريين لهذا البذخ في الإنفاق بينما تقول السلطة إن مصر "فقيرة".
وانتقدوا ظهور نجلته "آية السيسي"، بملابس وإكسسوارات الأميرات باهظة الثمن، في توقيت تمر فيه مصر بأزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.
ورأوا أن هدف الرئاسة تقديم صورة عصرية أو الإيحاء بالثقة والاستقرار، أو رسم حضور عام للأسرة الرئاسية، تبخر لأن المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وتتراجع قدرته الشرائية، ويدخل دائرة الفقر، لن ينظر إلى هذه الصور بصفتها مجرد لقطات بروتوكولية، بل سيقرأها في ضوء واقعه اليومي، ما يفسر السخرية والغضب على مواقع التواصل من هذا الإنفاق الباذخ.
وأظهرت صور لبعض مباني الأوكتاغون من الداخل مستوى كبير من الفخامة دفع مصريين للتساؤل عن هذا البذخ.
وكان خلع السيسي بَزّته المدنية وارتداؤه الرداء العسكري، خلال حفل افتتاح "الأوكتاغون" هو المرة السابعة منذ 2014، فقد ارتداه من قبل 6 مرات في مناسبات مختلفة منذ توليه الرئاسة كـ "مدني"، وفي كل مرة كان العودة للزي العسكري يحمل رسالة.
وربط مصريون ارتداء الزي العسكري عموما بأنه كلما زادت مؤشرات تزايد الغضب الشعبي، كلما زادت الجرعة العسكرية في خطاب النظام وتأكيده هويته العسكرية.
خبير سياسي أوضح لـ "الاستقلال" أن لجوء السيسي للزي العسكري والمظاهر العسكرية يشير إلى إستراتيجية سياسية وأمنية متبعة تعتمد على إبراز الهوية العسكرية لمواجهة الأزمات، والالتصاق بالجيش كمصدر حماية له.
أوضح أن هذا متصل بعقلية السلطة منذ انقلاب 2013، وهي التلويح بـ "العسكرية" وفرض الهيبة، وإدارة الدولة عبر الرؤى العسكرية البحتة.

كل البيض بسلة واحدة
وقد أنبري خبراء لشرح خطورة جمع كل أفرع وإدارات الجيش وأجهزة الدولة في مكان واحد ما يسهّل قصفها في أي حرب مقبلة، مشيرين لقرب المدينة من السويس التي سبق أن اقتربت منها إسرائيل خلال هجوم الثغرة أثناء حرب أكتوبر 1973، فضلا عن سهولة قصفها بطائرات حربية ومسيرة وهي في مكان واحد.
وفي الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر 1973، نجحت إسرائيل في تنفيذ ما عُرف بـثغرة الدفرسوار، عندما عبرت قوة بقيادة أرييل شارون إلى الضفة الغربية لقناة السويس، وسيطرت على طريق القاهرة–السويس، وأصبحت على مسافة 100 كيلومتر من القاهرة، لكنها لم تتمكن من التقدم نحو العاصمة.
ووصف الحقوقي أسامة رشدي خطورة ذلك بقوله: إن هذا الأوكتاغون "نصبٌ تذكاري لعقلية عسكرية غبية تنتمي للقرن الماضي"، مؤكدا أن هذا المقر لا ينتمي أصلًا إلى مفاهيم الحروب الحديثة.
وأوضح أن حروب أوكرانيا، وإيران، ولبنان وغزة، أثبت أن الحروب لم تعد تُدار من قصور القيادة العملاقة الظاهرة للعيان، بل من شبكات قيادة موزعة جغرافيا، ومراكز محصنة، ومنشآت تحت الأرض، وأنظمة اتصال بديلة تضمن استمرار القيادة حتى في أصعب الظروف.
أما إنشاء مجمع أسطوري بهذا الحجم، يضم معظم قدرات القيادة والسيطرة في مكان واحد، فهو يجعل منه -إذا اندلعت حرب - هدفًا إستراتيجيًا واضحًا يمكن أن تتعرض بنيته للتدمير أو التعطيل بضربة مركزة، وهو ما تدفع العقائد العسكرية الحديثة إلى تجنبه من خلال توزيع مراكز القيادة وبناء بدائل متعددة وقابلة للاستمرار.
وقارن مصريون بين الأوكتاغون، مبنى وزارة الدفاع المصرية، المصمم ليكون قلعة عصية على التدمير تضم كافة أفرع الجيش والأمن، وبين ما حصل مع إيران من اغتيالات وضرب القيادة الأولى، ومقرات الحكم، مشيرين إلى أن بقاء طهران عصية بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي، هو توزع مقرات قيادتها والعمل بطريقة غير مركزية.
لكن خبراء عسكريين أشاروا لحرص الجيش على أن الكشف الرسمي عن منظومة الدفاع الجوي S-300VM (Antey-2500) عبر منصة هيئة الاستعلامات الرسمية، يحمل دلالات إستراتيجية وعسكرية، وإعلان صريح عن اكتمال مظلة الحماية الذاتية لأهم مركز قرار عسكري واستخباراتي في الدولة وهو الأوكتاغون.
قصة "الأوكتاغون"
الأوكتاغون" هو المقر الجديد لوزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، ويقع في القطاع الغربي من العاصمة الإدارية الجديدة، على مساحة تقدر بمئات الأفدنة، ويتكون من ثمانية مبانٍ رئيسة مترابطة، وهو ما منح المشروع اسمه المستوحى من الشكل الهندسي المثمن (Octagon).
ويمثل المجمع جزءاً من "مدينة القيادة الإستراتيجية"، التي تضم منشآت للقيادة والسيطرة، ومراكز للاتصالات، وإدارة العمليات، ومرافق للتدريب والإقامة، فضلاً عن منظومات أمنية متطورة.
ووفق البيانات الرسمية، فإن الهدف من المشروع هو توفير مركز قيادة موحد يواكب التطور التكنولوجي في إدارة العمليات العسكرية، ويعزز قدرة القوات المسلحة على التنسيق بين مختلف الأفرع الرئيسة.
وتشير الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إلى أن المجمع صُمم ليكون من أكبر مقار وزارات الدفاع في المنطقة، مع بنية تحتية متقدمة تعتمد على شبكات اتصالات مؤمنة وغرف عمليات حديثة تسمح بإدارة الأزمات والعمليات في وقت واحد.
وهو ما ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو إنشاء مراكز قيادة موحدة تعتمد على الرقمنة والربط اللحظي بين الوحدات العسكرية.

وبدأ مشروع الأوكتاغون ، خلال إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، التي انطلقت عام 2016، وبدأت الأعمال الإنشائية للمجمع العسكري نفسه خلال 2017.
قبل أن يُفتتح أجزاء منه (القيادة الإستراتيجية) في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ثم الافتتاح الكامل 4 يوليو 2026، في مساحة تبلغ حوالي 90 كيلومترا مربعا، وهي مساحة العاصمة البرتغالية لشبونة.
ولم تعلن الحكومة المصرية أو القوات المسلحة التكلفة الرسمية لإنشاء مجمع القيادة الإستراتيجية "الأوكتاغون"، وتخلط بعض التقارير الأجنبية بين تكلفة الأوكتاغون وتكلفة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة المقدرة بنحو 57–60 مليار دولار، وفق موقع "ثاوث تشاينا مورنينج بوست"، 6 يوليو 2026.
ولا توجد أرقام رسمية بشأن المبلغ الذي أُنفق على العاصمة الجديدة، ذاتها، ويقول الباحث يزيد صايغ، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المرحلة الأولي من المشروع تكلفت أرقاما مثل 48 أو 58 مليار دولار.
ومع هذا، يصف أكاديميون غربيون المشروع بهذا الحجم الهائل بأنه "باهظ التكلفة، ويمثل مخاطرة جسيمة لدولة مثقلة بالديون أصلا"، حسبما ذكر تقرير لمجلة "إيكونوميست"، 2 أبريل 2026.
وقالوا إن حرب أميركا وإسرائيل على إيران تزيد من حدة المخاطر، إذ تعتمد مصر اعتمادا كبيرا على النفط والغاز والتحويلات المالية من دول الخليج.
بالمقابل، يرى محللون عسكريون أن "الأوكتاغون" يمثل الحلقة القيادية لمنظومة من القواعد العسكرية الكبرى التي بنتها مصر، مثل قاعدة محمد نجيب على الساحل الشمالي الغربي، وقاعدة برنيس على البحر الأحمر، وقاعدة 3 يوليو على الساحل الشمالي.
ويربطون بينها وبين بيانات القوات المسلحة المصرية التي تُحذر من أن مصر باتت تواجه في وقت واحد عدة دوائر تهديد، تشمل الحدود الغربية مع ليبيا، والحدود الجنوبية مع السودان، والحدود الشرقية مع قطاع غزة وإسرائيل، فضلاً عن البحر الأحمر وباب المندب وشرق المتوسط.
وربطت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، 4 يوليو 2026، بين بناء هذا المجمع العسكري الضخم، وبين "سعي مصر لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتنامي نفوذ القاهرة في المنطقة".
وأشارت إلى أن هذا المركز الضخم "لم يُبن لمجرد أن يكون مبنى إداريا، بل ليكون مركزاً متكاملاً لإدارة مؤسسات الدولة والتحكم بها وتحسين كفاءة تبادل البيانات وإدارة الأزمات وتعزيز قدرات مصر الأمنية والدفاعية".
المصادر
- Egypt inaugurates the ‘Octagon’, a mega military HQ larger than the Pentagon
- Egypt’s new pyramid scheme
- Egypt inaugurates massive ‘Octagon’ military headquarters in regional power push – analysis
- الأوكتاجون: هنا قلعة الجبل ..عودة مقر حكم مصر إلى الخلف 800 عام
- الأوكتاغون: لماذا يثير مقر وزارة الدفاع المصرية الجديد الجدل؟
- كم مرة ارتدى الرئيس السيسي الزي العسكري منذ توليه الحكم؟

















