وسط شح الموارد وخطط إعادة الإعمار.. إلى أين يتجه قطاع المياه في سوريا؟

"تطوير قطاع المياه أحد أهم أولويات مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بسوريا"
لم تعد أزمة المياه في سوريا مجرد انعكاس لسنوات الحرب وما خلّفته من دمار في البنية التحتية، بل تحولت إلى تحدٍ إستراتيجي يتداخل فيه الأمن المائي مع الأمن الغذائي والاقتصادي.
وبينما تواجه البلاد واحدًا من أدنى معدلات حصة الفرد من المياه عالميًا، تتجه الحكومة السورية إلى جعل تطوير قطاع المياه أولوية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

تطوير قطاع المياه
وفي هذا الصدد، بحث معاون وزير الطاقة السوري لشؤون المياه والكهرباء، أسامة أبو زيد، مع نائب وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، منصور بن هلال المشيطي، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع المياه.
وجاء ذلك على هامش مشاركة الوفد السوري في أعمال المنتدى العربي السابع للمياه، ضمن فعاليات أسبوع المياه السعودي المنعقد في مدينة جدة.
وذكرت وزارة الطاقة السورية، في بيان صدر أواخر يونيو/حزيران 2026، أن الاجتماع تناول آفاق تطوير التعاون المشترك في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والتحول الرقمي، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير البنية التحتية، بما يسهم في تعزيز الأمن المائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وأكد الجانبان أهمية توسيع الشراكة الفنية والمؤسسية، والاستفادة من التجربة السعودية في تطوير قطاع المياه، إلى جانب دعم المبادرات المشتركة في مجالات الابتكار، وبناء القدرات، وتبني التقنيات الحديثة، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز التعاون العربي في مواجهة التحديات المرتبطة بالموارد المائية.
وفي هذا السياق، تواجه سوريا، بعد أكثر من عقد من الزمن، واقعًا مائيًا بالغ التعقيد؛ إذ تراجعت حصة الفرد من المياه إلى مستويات تقل كثيرًا عن خط الفقر المائي العالمي، فيما تعرضت شبكات النقل والتوزيع ومحطات الضخ والمعالجة لأضرار جسيمة، الأمر الذي انعكس على كفاءة التزويد، ورفع حجم الفاقد المائي، وزاد الاعتماد على المياه الجوفية المستنزفة.
ومن هذا المنطلق، تتجه الحكومة السورية إلى إعادة بناء قطاع المياه بوصفه استثمارًا في الأمن المائي والغذائي والاقتصادي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من التحركات الحكومية لإعادة تأهيل القطاع؛ ففي مايو/أيار 2026، وقّعت وزارة الطاقة السورية مذكرة تفاهم مع منظمة "GOAL" الإنسانية الدولية، بهدف دعم قطاعي المياه والصرف الصحي وتعزيز جهود التعافي المستدام في سوريا.
وتركز المذكرة على توسيع مجالات التعاون في المشاريع الإنسانية والتنموية وفق معايير شدة الاحتياج، إضافة إلى دعم المبادرات المنفذة بالشراكة مع وزارة الطاقة لتحسين مستوى الخدمات والبنية التحتية، بحسب ما نشرته الوزارة عبر معرفاتها الرسمية.
كما تشمل المذكرة تطوير البنية التحتية لقطاع المياه، وتزويد محطات الضخ بالطاقة الشمسية، ومراقبة منسوب المياه الجوفية، وتحسين خدمات الصرف الصحي، إلى جانب تنفيذ برامج مشتركة تدعم التعافي المستدام.
وفي 26 يونيو/حزيران 2026، أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير إطلاق مشاريع "إستراتيجية" لتأهيل وتحديث محطات المياه وشبكات التوزيع في عدد من المحافظات.
وأوضح أن هذه المشاريع تشمل دمشق وريف دمشق، وحلب، وإدلب، ومحافظات المنطقة الشرقية.
وأضاف أن تنفيذها يتم بالتعاون مع الشركاء الدوليين والمنظمات المعنية، في إطار ما وصفه بـ"الجهود الحكومية لتعزيز الأمن المائي وتحسين البنية التحتية لقطاع المياه في البلاد".
وتعكس هذه المشاريع حجم التحديات التي يواجهها القطاع؛ إذ تشير البيانات إلى أن حصة الفرد من المياه تراجعت من نحو 700 متر مكعب سنويًا قبل عام 2011 إلى نحو 600 متر مكعب فقط، أي أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب للفرد سنويًا، في حين يبلغ المتوسط العالمي نحو 6750 مترًا مكعبًا.

"تقنين جزئي"
قبل عام 2011، كان 95 بالمئة من سكان سوريا يحصلون على مياه الشرب، إلا أن هذه النسبة انخفضت إلى النصف بعد ذلك، نتيجة عمليات القصف والتدمير التي طالت البنية التحتية على يد آلة الحرب التابعة لنظام بشار الأسد المخلوع.
وألحق هذا التدمير أضرارًا كبيرة بقطاع المياه، وتسبب في نقص حاد، إلى جانب عدم توفر مصادر الطاقة اللازمة، من مازوت وكهرباء، لتأمين المياه، ما جعل المشكلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
كما تأثرت مرافق مياه الشرب المركزية وشبكات المياه الرئيسة الثمانية في سوريا خلال العقد الأخير.
ولا تزال العديد من المحافظات السورية تعاني نقصًا في إمدادات المياه، نتيجة اعتماد عمليات الضخ على الكهرباء، ولا سيما في المناطق التي تشهد انقطاعًا متكررًا في التغذية الكهربائية.
وفي ظل عدم كفاية ساعات الضخ لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان اليومية، تسعى الحكومة إلى تحسين كفاءة شبكات المياه القائمة وتوسيعها لتلبية الطلب المتزايد، والحد من الفاقد المائي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز كفاءة التزويد، بالتعاون مع منظمات دولية.
وضمن هذه الجهود، افتتحت الحكومة في 31 مايو/أيار 2025 محطة لضخ مياه الشرب باستخدام الطاقة الشمسية في مدينة الأتارب بريف حلب، بقدرة 340 كيلوواطًا، وتغذي نحو 57 ألف نسمة، وتعد ثاني أكبر محطة من نوعها في شمال غربي سوريا.
ولا تزال الآبار الاحتياطية تمثل الحل البديل في عدد من المناطق التي تعاني عجزًا مائيًا.
كما تلجأ الحكومة إلى تطبيق برنامج تقنين جزئي للمياه، يتضمن أيامًا وساعات محددة للتزويد، إلا أنه يخضع للتعديل بصورة دورية، تبعًا للتضاريس، والتوزع الجغرافي، وتوافر المصادر المائية، وحوامل الطاقة، وأقطار الخطوط المغذية.
وتعاني سوريا خلال السنوات الأخيرة من شح متزايد في المياه، نتيجة نضوب بعض الآبار، وانخفاض منسوب بعضها الآخر، بالتوازي مع أزمة الجفاف التي تهدد القطاع المائي.
ويؤكد الخبراء أهمية وجود خطة طوارئ لتحسين واقع المياه في سوريا، تتضمن برامج توعية لترشيد الاستهلاك، حيث أطلقت المؤسسة العامة للمياه حملة بعنوان "بالمشاركة نضمن استمرار المياه"، بهدف تزويد المواطنين بالإرشادات اللازمة لاستخدام المياه على النحو الأمثل.
كما يُعد مشروع تحلية مياه البحر أحد المشاريع الإستراتيجية لتأمين مياه الشرب، والحد من هدر المياه العذبة المتجهة إلى البحر، بما يسهم في الحفاظ على الموارد المائية.
وتضاف إلى ذلك مشكلة ضعف تأمين الطاقة الكهربائية في بعض المناطق اللازمة لتشغيل محطات التنقية والضخ.
وبحسب إحصاءات المؤسسة العامة للمياه لعام 2015، بلغ الاحتياج اليومي من مياه الشرب في سوريا أكثر من أربعة ملايين متر مكعب، بينما لا يتجاوز الإنتاج اليومي من مختلف المصادر المائية ثلاثة ملايين و400 ألف متر مكعب، ما يعني وجود عجز يومي يقدر بنحو 600 ألف متر مكعب.

"الإدارة الذكية للمياه"
وفي هذا السياق، أوضح المتخصص في شؤون البيئة والمناخ زاهر هاشم، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "تطوير البنية التحتية لقطاع المياه في سوريا لم يعد خيارًا تنمويًا فحسب، بل أصبح ضرورة إستراتيجية تفرضها التحديات البيئية والمناخية والاقتصادية التي تراكمت خلال السنوات الماضية".
وأضاف أن "سوريا تواجه ضغوطًا متزامنة تتمثل في تراجع معدلات الهطل المطري خلال السنوات الماضية، وتكرار موجات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ، بالتوازي مع تضرر جزء كبير من شبكات نقل وتوزيع المياه، ومحطات الضخ والمعالجة، والسدود والمنشآت المائية، بسبب سنوات الحرب وضعف أعمال الصيانة والاستثمار".
وأشار إلى أن "التقديرات الدولية تفيد بأن نسبة كبيرة من البنية التحتية للمياه تعرضت لأضرار مباشرة وغير مباشرة، ما أدى إلى ارتفاع الفاقد المائي، وانخفاض كفاءة إيصال المياه، وزيادة الاعتماد على المصادر الجوفية التي تتعرض بدورها للاستنزاف".
وأضاف أن "عددًا من محطات معالجة مياه الصرف الصحي لا يزال يعمل بكفاءة محدودة، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الموارد المائية والبيئة والصحة العامة".
ورأى هاشم أن "إعادة التأهيل لا تقتصر على إصلاح ما تضرر من شبكات المياه، وإنما تشمل تحديث القطاع بالكامل من خلال إدخال تقنيات الإدارة الذكية للمياه، وخفض الفاقد في الشبكات، وتحسين كفاءة الري الزراعي الذي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وتعزيز حصاد مياه الأمطار، وتطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر للجفاف".
وأضاف: "لذلك، فإن أي تعاون عربي، لا سيما مع المملكة العربية السعودية التي تمتلك خبرات متقدمة في إدارة الموارد المائية غير التقليدية، والتحلية، وإعادة استخدام المياه، وإدارة الطلب على المياه، يمكن أن يشكل فرصة مهمة لنقل المعرفة، وبناء القدرات، وتطوير البنية التحتية بما ينسجم مع مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية".
ورأى هاشم أن "الاستثمار في قطاع المياه يمثل استثمارًا في الأمن المائي والغذائي والاقتصادي معًا، لأن استدامة الموارد المائية ترتبط مباشرة باستقرار الزراعة والصناعة والصحة العامة، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، وهو ما يجعل تطوير هذا القطاع أحد أهم أولويات مرحلة التعافي وإعادة الإعمار في سوريا".
المصادر
- سوريا تبحث مع السعودية تطوير إدارة الموارد المائية والتقنيات الحديثة
- لتعزيز مشاريع المياه والإصحاح.. مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة ومنظمة “GOAL”
- حصة الفرد 6750 متراً مكعباً من الماء.. ما حصة المواطن السوري؟
- بقيمة 27.7 مليون دولار.. مشروع لمواجهة شح المياه في ريف دمشق
- تقرير: انخفاض مياه الشرب إلى 40% بعد سنوات الحرب في سوريا

















