الشرخ الذي أحدثته حرب إيران بين دول الخليج وأميركا.. سيتسع أم سيلتئم؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، تحولت القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج من عنصر حماية إلى أهداف مباشرة للهجمات الإيرانية. كما أن إغلاق مضيق هرمز دفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل لتصدير نفطها.

وفي هذا السياق، استشهدت صحيفة “إلباييس” الإسبانية بأن الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفلت كان قد التقى عام 1945 بالملك عبد العزيز بن سعود في مياه قناة السويس. ورغم الخلافات الكبيرة بين الطرفين في معظم القضايا، إلا أنهما توصلا إلى تفاهم عام.

وجرى اللقاء لمناقشة احتمال قيام دولة يهودية في فلسطين، وهو ما رفضه الملك عبد العزيز، إلا أن هذه المحادثة شكلت لاحقًا أساسًا لتحالف إستراتيجي تبنّته دول خليجية أخرى.

وقد تجسد هذا التفاهم التاريخي الضمني في معادلة تقوم على توفير الولايات المتحدة الحماية الأمنية لتلك الدول مقابل الحصول على النفط، وهو اتفاق استمر لعقود طويلة. 

إلا أن التحول الإقليمي الذي أحدثته الحرب ضد إيران كشف هشاشة هذا الأساس أكثر مما كان يُعتقد سابقًا.

وذكرت الصحيفة أنه بعد ساعات قليلة فقط من أولى الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على طهران في 28 فبراير/شباط، ردّت إيران باستهداف إسرائيل، إضافة إلى الإمارات وقطر والكويت والبحرين.

وخلال أيام قليلة، امتدت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لتطول 11 دولة في المنطقة. ونتيجة لذلك، أصبحت القواعد العسكرية الأميركية، التي كانت تُعد لعقود الضمانة الأساسية لأمن الدول المضيفة من الإمارات إلى البحرين ومن الكويت إلى قطر، عبئًا بدل أن تكون وسيلة حماية.

إسرائيل أولا

ونقلت الصحيفة عن ليلى حمد زاهونيرو، الباحثة في مركز الدراسات العربية المعاصرة، في مقابلة هاتفية أن "هذه المواجهة الأميركية أظهرت أن واشنطن منحت الأولوية "للدفاع عن إسرائيل وأمنها"، بينما تشعر هذه الدول بالتهميش، وبأنها تُركت لمصيرها، جزئيا، في مواجهة ردود طهران العسكرية". 

وتؤكد الخبيرة أن الحرب لم تغير "التوازن العسكري في المنطقة" فحسب، بل دفعت هذه الدول أيضا إلى "إعادة تقييم علاقتها مع واشنطن". وفي الحقيقة، انهار الاتفاق الإستراتيجي الذي دام عقودا والذي ربط الولايات المتحدة بالدول الغنية في شبه الجزيرة العربية.

وأشارت الصحيفة إلى أن هشاشة هذا الاتفاق غير المكتوب تفاقمت بسبب الحرب، وباتت واضحة جليّة لدى دول الخليج والولايات المتحدة على حدّ سواء. 

أولا، نتيجة لتصرفات دول الخليج نفسها خلال الأشهر الماضية: فبالرغم من العداء الذي يكنّه الكثير منها لإيران، وبدلا من الضغط على واشنطن لمواصلة الصراع، كما توقعت إسرائيل، اتخذت هذه الدول نهجا معاكسا تماما: فقد حاولت، دون جدوى تذكر، إقناعها بالتراجع.

وأشارت الباحثة إلى أن "الأمر لا يقتصر على شعورها بالضغوط الاقتصادية مع إغلاق مضيق هرمز، بل يتعداه إلى أن إيران، قد تكون "جارة غير مريحة"، لكن هذا القرب لن يزول. 

فبين تحالفها مع واشنطن الذي خيّب آمالها، وضرورة الموقع الجغرافي، تميل دول الخليج الآن إلى محاولة رأب الصدع الذي أحدثته إيران. وهذا أيضا لن يكون بالأمر الهيّن".

من جانب الولايات المتحدة، كشفت الحرب أن التحالف مع الخليجيين لم يكن بالغ الأهمية كما بدا. 

فقد أدت ثورة التكسير الهيدروليكي إلى زيادة إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، التي تقترب الآن من تحقيق اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة بشكل لم تكن تحلم به قط. 

لكن، تجدر الإشارة إلى أن أي ارتفاع في أسعار النفط يؤثر عليها، كما تجلى في الأشهر الأخيرة، لكن إمداداتها مضمونة. 

وبشكل عام، فقد ولّت أيام روزفلت التي كان يتوق فيها للسيطرة على النفط السعودي: فهم الآن ببساطة ليسوا بحاجة إليه. أو على الأقل، ليس بالقدر الذي كانوا عليه سابقا.

خليج هش

وبحسب الباحثة، فإنه "بصفتها هدفا رئيسا للرد الإيراني، فقد كشفت الحرب قصور نموذج دول الخليج في الاستعانة بمصادر خارجية لأمنها، وهشاشة التنمية الاقتصادية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستقرار". 

وأضافت أن مضيق هرمز بدأ بالانتعاش مؤخرا، بعد وقت قصير من توقيع دونالد ترامب على اتفاقية النقاط الأربع عشرة في فرساي، متعهدا بمهمة السلام الصعبة. 

وتابعت: سنرى إلى متى سيستمر هذا الانتعاش، بعد أن أعلنت إيران إغلاقا جديدا ردا على أحدث فصول حملة القصف الإسرائيلية على لبنان.

في الأثناء، يُعدّ استياء الخليجيين من المذكرة أمرا بالغ الأهمية؛ إذ لا تتطرق الوثيقة إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استخدمتها طهران لاستهداف بنى تحتية مدنية حيوية، مثل محطات تحلية المياه. أما فيما يتعلق بالمضيق نفسه، فإن نص الاتفاقية يترك مجالا لتفسيرات متعددة. 

فهو ينص على أن السلطات الإيرانية والعمانية "ستجري حوارا لتحديد الإدارة والخدمات المستقبلية في هرمز"، وهي صياغة تُفسح المجال لفرض رسوم على السفن. 

ومع ذلك، يضيف النص مباشرة أن هذا الترتيب يجب أن يكون "متوافقا مع القانون الدولي المعمول به"، الذي لا يسمح بفرض أي رسوم على الملاحة في المضيق البحري. عموما، لا يمثل هذا النص إلا مزيدا من الغموض ونكسة جديدة أقرّها البيت الأبيض.

ولا شك أن الحرب خلّفت دروسا لا تحصى، لكن درسا واحدا يكتسي أهمية أكثر من غيره، بحسب الباحثة: لقد أثبتت إيران للعالم، ولنفسها، قدرتها على إغلاق مضيق هرمز متى شاءت. 

وباختصار، بات العالم تحت رحمتها. بدءا بدول الخليج التي تُصدّر معظم مواردها الهيدروكربونية عبر هذا المضيق، والتي لا تزال، سواء باتفاق أو بدونه، تبحث عن بدائل لتجنّب ويلات إغلاق آخر. 

ولها في ذلك سبب وجيه أكثر من أي وقت مضى: فهي تدرك الآن أن القوة العسكرية الأميركية وحدها لا تكفي لإعادة فتح هذا الممرّ البحري الحيوي.

بعد أن تأكدت دول الخليج مجددا من أن أولوية البيت الأبيض هي إسرائيل،، تسعى بدورها إلى تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية وتقليل اعتمادها على الأسلحة الأميركية. 

ففي مارس/ آذار، عندما بدأت تخشى من أن تؤدي الهجمات الإيرانية المتواصلة إلى استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لاعتراض صواريخ طهران وطائراتها المسيّرة، كان رد إدارة ترامب رفضا قاطعا لتزويدها بالسلاح، وهو ما أكدته وسائل إعلام أميركية.

عموما، زادت ثرثرة ترامب وحلفائه في هذه الحرب من استياء دول الخليج. فعلى سبيل المثال، عندما استشهد بدول مثل الإمارات عند حديثه عن إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار في إيران، قال الجمهوري: إنها لن تتمكن من المساهمة "ولو بعشرة سنتات".

 أو عندما ربط توقيع اتفاقية سلام مع إيران بانضمام دول الخليج، خاصة السعودية، إلى اتفاقيات أبراهام التي أقامت بموجبها أربع دول عربية علاقات دبلوماسية مع الكيان سنة 2020.