مهندس كارثة أفغانستان والعراق.. هل يسعى لإسقاط اتفاق إيران؟

“فايث اشتُهر أكثر بدوره في غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما”
تساءلت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية عمّن يصلح لقيادة حملة إسقاط مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي وقّعها الرئيس دونالد ترامب في فرساي، متعجبة أن يتصدر هذه المهمة أحد أبرز مهندسي كارثتي أفغانستان والعراق.
وقال كاتب التقرير، جيم لوب: إنه "لو افترضنا جدلا أن هذه المذكرة كارثة على الولايات المتحدة وإسرائيل معا، فمن ذا الذي يصلح ليتقدم صفوف الحملة الساعية لإقناع الرأي العام الأميركي بضرورة إلغائها أو وأدها؟".
وأضاف أن المرشحين كثر، لكنه "شخصيا" لن يختار أحدا تحمّل مسؤولية كبرى عن الكوارث في أفغانستان والعراق.

تلميذ “الأمير المظلم”
ولذلك أبدى دهشته حين وجد دوغلاس فايث، أحد المهندسين الرئيسيين لكلتا الكارثتين منذ بدايتهما، يطل مجددا بعد أن كان شبه منسي في "معهد هدسون" المحافظ المتشدد، لينشر مقالا في صحيفة “واشنطن بوست”.
وهاجم من خلال مقاله نائب الرئيس جي دي فانس، وبشكل غير مباشر ترامب نفسه، متهما إياهما بـ"السذاجة الفادحة" في التعامل مع إيران.
ولتوضيح سبب دهشته من أن يكون فايث -الذي لم ينشر مقالا رأيا في "واشنطن بوست" أو "نيويورك تايمز" أو "وول ستريت جورنال" منذ عام 2016- هو من يتصدر ما يُتوقع أن يكون حملة علاقات عامة كبرى لإسقاط الصفقة، لجأ لوب إلى ما قال إن مجلته لا تشجع عليه عادة، وهو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
فطرح على أداة "كوبايلوت" التابعة لشركة "مايكروسوفت" السؤال التالي: “لماذا يُعد دوغلاس فايث آخر شخص يرغب معارضو صفقة ترامب مع إيران في أن ينشر مقالا حول نقاط ضعفها المزعومة؟”
فجاء الجواب: "لأن فايث يرتبط على نطاق واسع بالاستخبارات المضللة، وبالأحكام الإستراتيجية الخاطئة، وبالنتائج الكارثية لحرب العراق، فإن انتقاده لأي سياسة تجاه إيران قد يقوض موقف معارضي الصفقة، عبر ربطه بتفكير المحافظين الجدد الذي أفضى إلى كارثة العراق. إن حضوره يجعل المعارضين أقل مصداقية، لا أكثر".
وعلّق الكاتب بأنه لم يكن ليصوغ ذلك على نحو أفضل أو أكثر إيجازا، مضيفا أنه سيعرض قائمته المختصرة الخاصة بأسباب عدّ فايث "رسولا سيئا بامتياز".
وأوضح الكاتب أن فايث شغل منصب وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات، وهو ثالث أعلى منصب في البنتاغون، خلال ولاية جورج بوش الابن الأولى.
وكان لفترة طويلة تلميذا لريتشارد بيرل الملقب بـ"أمير الظل" (Dark Prince)، عميد المحافظين الجدد المتشددين في واشنطن ومديرهم منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.
وتتبّع فايث خطى بيرل من أول وظيفة بعد كلية الحقوق في مكتب السيناتور هنري "سكوب" جاكسون الذي شكّل حاضنة المحافظين الجدد في واشنطن خلال السبعينيات، مرورا بخدمة بيرل مسؤولا كبيرا في البنتاغون إبان إدارة رونالد ريغان في الثمانينيات.
وفي عام 1996، عمل الرجلان مع آخرين ممن خدموا لاحقا في إدارة بوش الابن ضمن "مجموعة دراسية" أعدّت الورقة الشهيرة "قطيعة نظيفة: إستراتيجية جديدة لتأمين المملكة" لرئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل بنيامين نتنياهو.
ودعت الورقة، من بين أمور أخرى، نتنياهو إلى اتخاذ خطوات تضمن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، جزئيا من خلال العمل على تغيير النظام في سوريا و"إزاحة صدام حسين من السلطة في العراق".

تهرب كارثي
غير أن فايث اشتُهر أكثر بخدمته في البنتاغون في عهد بوش الابن ودوره في غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما.
ووجد الجنرال تومي فرانكس، قائد القيادة المركزية الأميركية في الحملتين، أن العمل مع فايث محبط للغاية؛ إذ اشتكى لمراسل "واشنطن بوست" بوب وودوارد بأنه "مضطر للتعامل يوميا تقريبا مع أغبى شخص على وجه الأرض".
وأوضح الكاتب أن جزءا من هذا الإحباط يعود إلى إصرار فايث على تشكيل الاستخبارات أو البحث عنها أو حتى اختلاقها لتبرير غزو العراق واحتلاله وحشد الرأي العام خلف هذا المشروع.
فقد أنشأ فايث وحدات داخل البنتاغون، أبرزها “وحدة تقييم مكافحة الإرهاب” التي كانت مهمتها جمع ونشر أي معلومات قد توحي بوجود علاقة تعاون بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، رغم أحكام مجتمع الاستخبارات الأميركي بأن هذه العلاقة لم تكن قائمة.
وفي إطار جهوده لتوجيه الاستخبارات، عمل فايث وفريقه مع "المؤتمر الوطني العراقي" بزعامة أحمد الجلبي الذي وفّر "مخبرين" لفّقوا أدلة عن تقدم مزعوم في برنامج أسلحة نووية لصدام حسين لم يكن له وجود في الواقع.
والأشد ضررا كان "مكتب الخطط الخاصة" المكلف بالتخطيط لمرحلة ما بعد الغزو، وتضمنت خططه برنامج "اجتثاث البعث" الذي طالما روّج له الجلبي وبيرل ومحافظون جدد آخرون، والذي أفرز بين ليلة وضحاها تمردا سنّيا واسعا أفضى في نهاية المطاف إلى حرب أهلية طائفية دموية دمّرت البلاد وأنهكت قوات الاحتلال.
وإلى جانب ذلك، كان فايث مسؤولا عن إنشاء "مكتب التأثير الإستراتيجي" قصير العمر الذي أُغلق بعدما أثار ضجة في الكونغرس بسبب هدفه المزعوم المتمثل في "تزويد وسائل إعلام أجنبية بمواد إخبارية، قد تكون كاذبة، ضمن مساع للتأثير على الرأي العام وصُنّاع القرار".
ولاحظ "لوب" أن هذه الأمثلة ليست سوى الأبرز من سجل طويل، مشيرا إلى أن لقب "وكيل وزارة الدفاع للكوارث" الذي أطلقته عليه مجلة "سلايت" ربما كان الأقرب إلى الحقيقة.
وبعد ستة أشهر من ولاية بوش الثانية، غادر فايث منصبه، لكنه لم يحظَ، بخلاف رئيسه الاسمي نائب وزير الدفاع بول وولفويتز، بجائزة ترضية كرئاسة البنك الدولي.
فانكفأ على كتابة مذكراته التي تجاوزت ثمانمئة صفحة، ووصف أغلب النقاد محاولته فيها بالتهرب الباهت من المسؤولية عن أكثر "حرب اختيارية" كارثية في التاريخ الأميركي.
وختم الكاتب بملاحظة قد تكون ذات دلالة هي أن كلمة "العراق" لم ترد ولو مرة واحدة في مقال فايث الجديد.
















